تحولت وفاة المواطن المغربي عبدالرحيم فقير خلال عملية توقيف للشرطة في مدينة بولونيا الإيطالية إلى واحدة من أكبر القضايا التي تشغل الرأي العام في إيطاليا، بعدما أشعل مقطع فيديو وثق لحظاته الأخيرة موجة احتجاجات واسعة امتدت إلى عدة مدن، وأطلق تحقيقا قضائيا يطال عناصر من الشرطة والإسعاف، وأعاد إلى الواجهة الجدل حول استخدام القوة في التعامل مع المهاجرين، وسط انقسام سياسي حاد ومطالبات مغربية وإيطالية بكشف الحقيقة كاملة.
وشهدت مدن بولونيا وميلانو ونابولي وفلورنسا تظاهرات شارك فيها آلاف الأشخاص تحت شعار "العدالة لعبدالرحيم فقير"، فيما قارن كثير من المحتجين بين القضية ووفاة الأميركي الأسود جورج فلويد عام 2020، بعدما أظهر تسجيل مصور فقير ممددا على بطنه ومقيدا بينما كان يستغيث قبل أن يفارق الحياة.
وأمرت نيابة بولونيا بفتح تحقيق في ظروف وفاة الرجل البالغ من العمر 42 عاما، بينما يخضع شرطيان وأربعة من أفراد الإسعاف للتحقيق للاشتباه في ارتكابهم جريمة القتل غير العمد، في انتظار نتائج تشريح الجثة وتحليل تسجيلات كاميرات الجسم والاتصالات اللاسلكية التي ستحدد ما إذا كانت إجراءات التوقيف تمت وفق المعايير القانونية أم أن استخدام القوة أسهم في وفاته.
وتصدرت القضية الصفحات الأولى لمعظم الصحف الإيطالية، من بينها لا ريبوبليكا وكورييري ديلا سيرا ولا ستامبا وإل ريستو دل كارلينو وإل فاتو كوتيديانو، إضافة إلى وكالة أنسا، فيما حظيت بتغطية واسعة في الصحافة المغربية التي تابعت تطورات التحقيق وردود فعل السلطات المغربية والجالية.
نهاية غادرة لحياة مستقرة
ورسمت الصحافة الإيطالية صورة تختلف كثيرا عن الانطباعات الأولى التي رافقت الحادثة.
فعبد الرحيم فقير، وهو من أصول مغربية، وصل إلى إيطاليا طفلا قبل أكثر من ثلاثة عقود، واستقر في بلدة ساسو ماركوني التابعة لإقليم بولونيا، حيث عاش مع زوجته وأسس شركة صغيرة تعمل في مجال النقل والتنظيف، كما سبق أن عمل في قطاع الخدمات اللوجستية.
ورغم إقامته الطويلة، لم يحصل على الجنسية الإيطالية، وكان بصدد تجديد تصريح إقامته، بحسب محاميته باربرا سبينيلي، التي أكدت أنه لم يكن يواجه مشاكل قانونية وأن ملفه الإداري كان يسير بصورة طبيعية.
وقالت المحامية لوسائل إعلام إيطالية إنها تعرفه منذ أشهر في إطار متابعته لإجراءات الإقامة، واصفة إياه بأنه "شخص مهذب ومسالم"، مضيفة أنها لم تكن تتوقع أن تنتهي حياته بهذه الطريقة.
كما نقلت الصحف عن أفراد من عائلته أنه كان يعاني من مشاكل صحية بينها الربو وبعض المتاعب القلبية، بينما أشارت تقارير أخرى إلى أنه كان يمر بحالة نفسية صعبة في الأيام التي سبقت وفاته.
بلاغات من السكان وفيديو يقلب الموازين
وبحسب الرواية التي أعادت الصحف الإيطالية تركيبها اعتمادا على مصادر أمنية وشهادات سكان، بدأت الأحداث عندما تلقت الشرطة عدة بلاغات عن رجل يتصرف بصورة غير طبيعية في حي بيلاتسرو بمدينة بولونيا.
وقالت الروايات إن الرجل كان يصرخ ويتجول في الشارع ويضرب سيارات متوقفة، بينما حاول بعض سكان الحي تهدئته قبل وصول الشرطة، دون جدوى.
وعندما وصلت الدورية، حاول العنصران التحدث إليه، لكن المواجهة تطورت بسرعة، قبل أن تستخدم الشرطة رذاذ الفلفل للسيطرة عليه.
وتقول الرواية الأمنية إن فقير قاوم رجال الشرطة، ما استدعى تثبيته أرضا وتكبيل يديه، بينما يؤكد شهود وعائلته أن القوة المستخدمة تجاوزت ما كان يقتضيه الموقف.
لكن مجريات القضية تغيرت بالكامل بعد انتشار مقطع فيديو التقطه أحد السكان من شرفة قريبة، وأصبح لاحقا محور التحقيق القضائي.
ويظهر التسجيل عبدالرحيم فقير ممددا على بطنه ومثبتا على الأرض بينما يردد مرات متتالية: "ساعدوني... كفى، كفى"، قبل أن يضعف صوته تدريجيا ويتوقف عن الحركة.
تحذير مشاهد حساسة:
وأبرز ما لفت انتباه وسائل الإعلام الإيطالية أن أفراد الإسعاف كانوا حاضرين خلال عملية التثبيت، في وقت استمر فيه إبقاء الرجل على بطنه عدة دقائق، حتى بعد أن بدا أنه لم يعد يقاوم، قبل أن يعلن طبيب وفاته في المكان.
واعتبرت صحيفة "إنترناسيونالي" أن التسجيل يطرح أسئلة جوهرية حول توقيت التدخل الطبي، بينما رأت صحف أخرى أن اللقطات أعادت إلى الأذهان قضية جورج فلويد في الولايات المتحدة، بسبب تشابه طريقة التثبيت والنداءات المتكررة طلبا للنجدة.
ويركز التحقيق القضائي حاليا على مجموعة من النقاط التي يعتبرها المحققون حاسمة.
ومن بينها ما إذا كانت وضعية التثبيت على البطن قد تسببت في الاختناق الوضعي، وما إذا كان استخدام رذاذ الفلفل، إلى جانب ارتفاع درجات الحرارة والإجهاد البدني والحالة الصحية السابقة للرجل، قد ساهم مجتمعا في الوفاة.
كما يحقق الادعاء فيما إذا كان أفراد الإسعاف تدخلوا في الوقت المناسب، أو كان ينبغي تغيير وضعية الرجل فور توقفه عن المقاومة.
وينتظر أن تحدد نتائج تشريح الجثة، المقرر إجراؤها خلال الأيام المقبلة، السبب الطبي المباشر للوفاة، وهو العنصر الذي ستبنى عليه المسؤوليات الجنائية المحتملة. كما تسلم الادعاء كاميرا الجسم الخاصة بأحد الشرطيين المشاركين في العملية، إضافة إلى تسجيل الفيديو الذي صوره أحد سكان الحي.
'كان يطلب المساعدة'
ورفضت عائلة عبد الرحيم فقير الرواية التي تصوره شخصا خطيرا.
وقالت شقيقته لوسائل الإعلام الإيطالية إن شقيقها "قُتل بدم بارد"، مؤكدة أنه كان يطلب المساعدة ولم يكن يستحق هذه النهاية.
أما شقيقه فأكد أن عبد الرحيم لم يكن مجرما، وأنه كان بالإمكان السيطرة عليه بطرق أقل عنفا، معتبرا أن الفيديو يكشف ما حدث بصورة واضحة.
وأثارت الوفاة احتجاجات حاشدة بدأت في بولونيا قبل أن تمتد إلى ميلانو ونابولي وفلورنسا، شارك فيها آلاف الأشخاص، بينهم أفراد من الجالية المغربية ومنظمات حقوقية ونقابات طلابية.
ورفع المحتجون صور الضحية وأعلاما مغربية ولافتات تطالب بـ"الحقيقة والعدالة"، فيما ردد بعضهم شعارات تتهم الشرطة بالقتل والعنصرية، ونظم متظاهرون وقفات رفعوا خلالها قبضاتهم وركعوا على ركبة واحدة في مشهد استعاد رمزية الاحتجاجات التي أعقبت مقتل جورج فلويد.
وبينما مرت المسيرات التي شهدتها مدن عدة بشكل سلمي، شهدت بولونيا في الليلة الأولى مواجهات عنيفة بين المحتجين وقوات الأمن استخدمت خلالها الشرطة الغاز المسيل للدموع وخراطيم المياه، بينما ألقى محتجون زجاجات ومفرقعات وألعابا نارية.
وقالت خدمات الطوارئ إن 11 شخصا على الأقل، بينهم متظاهرون وعناصر أمن، أصيبوا خلال الاشتباكات، في حين أعلنت الشرطة إصابة 64 من أفرادها.
انقسام سياسي
وسرعان ما تحولت القضية إلى أزمة سياسية.
وأكدت رئيسة الوزراء جورجا ميلوني ضرورة الوصول إلى الحقيقة كاملة، متعهدة بتحديد "أي مسؤوليات بأقصى درجات الصرامة"، لكنها شددت في الوقت نفسه على ضرورة انتظار نتائج التحقيق وعدم إصدار أحكام مسبقة، كما أدانت أعمال العنف التي استهدفت قوات الأمن.
بدوره، دعا وزير الداخلية ماتيو بيانتيدوزي إلى انتظار نتائج التحقيق، مؤكدا أن "لا أحد فوق القانون".
في المقابل، اتهمت أحزاب المعارضة الحكومة بتشجيع مناخ أكثر تشددا في التعامل مع المهاجرين، وقالت النائبة إلاريا كوتشي، المنتمية إلى تحالف الخضر واليسار، إن سياسات الحكومة "المشبعة بالكراهية والعنصرية" أسهمت في خلق مناخ يغذي العنف.
كما أظهرت متابعات لمنشورات على منصات التواصل الاجتماعي انتشار خطاب يحرض ضد الأجانب ويربط الجاليات العربية والإسلامية بالجريمة، وهو ما اعتبره مراقبون مؤشرا على تصاعد التوتر حول ملف الهجرة في البلاد.
متابعة مغربية
في المغرب، تابعت وزارة الخارجية والسفارة المغربية في روما والقنصلية العامة في بولونيا القضية منذ الساعات الأولى.
ودعا السفير المغربي لدى إيطاليا يوسف بلا إلى كشف جميع ملابسات الوفاة في إطار من الحقيقة والعدالة واحترام الكرامة الإنسانية، كما ناشد أفراد الجالية المغربية عدم الانجرار وراء الاستفزازات أو محاولات استغلال المأساة، معربا في الوقت نفسه عن أسفه لبعض التصريحات التي استبقت نتائج التحقيق، ومؤكدا ثقته في المؤسسات القضائية الإيطالية.
كما أعلنت وزارة الخارجية المغربية أنها طلبت من السلطات الإيطالية الإسراع في إجراء تحقيق شامل لكشف جميع الملابسات، وتحديد المسؤوليات وضمان تطبيق الإجراءات القانونية اللازمة، مؤكدة أنها ستواصل متابعة الملف عن كثب في إطار حماية مصالح المواطنين المغاربة المقيمين بالخارج.
وبينما تنتظر إيطاليا نتائج الطب الشرعي واستكمال التحقيقات، يرى مراقبون أن القضية مرشحة لأن تتحول إلى محطة مفصلية في النقاش حول أساليب تدخل الشرطة، خصوصا إذا خلص التحقيق إلى وجود تجاوزات في استخدام القوة أو تقصير في التدخل الطبي خلال الدقائق الحاسمة التي سبقت وفاة عبد الرحيم فقير.

تعليقات الزوار
لا تعليقات