غادر رئيس الحكومة الإسبانية، بيدرو سانشيز، الجزائر بعد اختتام زيارة عمل وصداقة استمرت يوما واحدا، طغت عليها رسائل سياسية واقتصادية أكدت رغبة البلدين في فتح صفحة جديدة من التعاون، بعد سنوات من التوتر.
وشهدت الزيارة مباحثات موسعة مع الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، أعقبها تصريح صحافي مشترك كشف فيه الجانبان أولويات المرحلة المقبلة، سواء على مستوى العلاقات الثنائية أو بشأن أبرز القضايا الإقليمية والدولية.
واعتبر تبون أن زيارة سانشيز تمثل “محطة جوهرية” تعكس الإرادة السياسية المشتركة لإعطاء دفع جديد للشراكة الجزائرية الإسبانية، لاسيما أنها تسبق الدورة الثامنة للاجتماع رفيع المستوى بين حكومتي البلدين، المرتقب عقدها في أكتوبر المقبل.
وأوضح تبون أن المباحثات تناولت مختلف ملفات التعاون الثنائي، وفي مقدمتها الطاقة والطاقات المتجددة، وترقية المبادلات التجارية، وتشجيع الاستثمار، إلى جانب بعث التعاون في مجالات الأمن والقضاء والشؤون القنصلية.
وأكد الرئيس الجزائري أن بلاده تعول على تعزيز التعاون القضائي، خاصة في الملفات المتعلقة بمكافحة الفساد واسترجاع الأموال المنهوبة، داعياً السلطات الإسبانية إلى مواصلة التجاوب مع طلبات المساعدة القضائية المتبادلة، مع إشادته في الوقت نفسه بما وصفه بالتعاون الإيجابي الذي أفضى إلى نتائج مرضية في هذا المجال.
كما كشف أن المحادثات تناولت التنسيق في مكافحة الهجرة غير النظامية والاتجار بالبشر والجريمة المنظمة العابرة للحدود، إضافة إلى بحث سبل تسهيل تنقل الأشخاص بين البلدين.
وفي الجانب الاقتصادي، أكد تبون أن “النفس الجديد” الذي يطبع العلاقات الثنائية يشكل حافزاً لتوسيع التعاون القطاعي وتشجيع رجال الأعمال والمتعاملين الاقتصاديين، معتبراً أن المرحلة المقبلة ستفتح آفاقاً جديدة للاستثمار والشراكات ذات المنفعة المتبادلة.
كما دعا إسبانيا إلى استغلال مكانتها داخل الاتحاد الأوروبي للدفع نحو مزيد من التوازن في العلاقات الاقتصادية بين الجزائر والاتحاد الأوروبي، والعمل على إعادة تفعيل مجلس الشراكة الجزائري الأوروبي الذي لم ينعقد منذ عام 2020.
وفي ملف الطاقة، جدد الرئيس الجزائري التأكيد على التزام الجزائر بضمان الأمن الطاقوي لشركائها الأوروبيين، معرباً عن تطلع بلاده إلى توسيع التعاون مع مدريد في مجال الطاقات المتجددة، بالنظر إلى الإمكانات التي تمتلكها الجزائر في هذا القطاع.
وأشار كذلك إلى توافق البلدين على تنشيط التعاون العلمي والتكنولوجي والثقافي والإنساني، وتعزيز الآليات القائمة واستحداث أخرى جديدة لدعم العلاقات بين الشعبين.
وفي الشق السياسي، خصص تبون حيزاً مهماً للقضايا الإقليمية والدولية، موضحاً أن المحادثات تناولت تطورات الأوضاع في الشرق الأوسط والتوتر المتصاعد في منطقة الخليج وانعكاساته على الأمن الغذائي والطاقوي العالمي.
وأكد أن الجزائر تتمسك بأن الحلول السياسية والسلمية، وفق قواعد القانون الدولي، تبقى السبيل الوحيد لتسوية الأزمات، داعياً إلى استئناف المفاوضات وتغليب لغة الحوار، مع التشديد على ضرورة مراعاة المصالح الحيوية للدول العربية.
وبخصوص القضية الفلسطينية، عبر الرئيس الجزائري عن ارتياحه للموقف الإسباني، مؤكداً أنه أبلغ سانشيز ترحيب الجزائر بـ”الموقف المشرف” للحكومة الإسبانية تجاه القضية الفلسطينية.
كما تناولت المباحثات قضية الصحراء الغربية، إلى جانب تطورات الأوضاع في منطقة الساحل والأزمة الليبية، حيث أكد الرئيس الجزائري أن الجانبين اتفقا على مواصلة الحوار والتشاور ودعم الجهود الأممية ومتعددة الأطراف لتغليب الحلول السلمية وفق القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة.
من جانبه، أكد رئيس الحكومة الإسبانية أن الجزائر بالنسبة لإسبانيا ليست مجرد دولة مجاورة، بل “شريك استراتيجي وصديق عزيز”، معتبراً أن معاهدة الصداقة وحسن الجوار والتعاون تشكل الأساس المتين الذي تقوم عليه العلاقات الثنائية.
وأوضح أن زيارته ترمز إلى الإرادة المشتركة لتعميق الصداقة وتوسيع التعاون، معلناً أن حكومته حددت ثلاث أولويات رئيسية في المرحلة المقبلة.
وتتمثل الأولوية الأولى، بحسب سانشيز، في تعزيز الحوار السياسي بين البلدين، من خلال الإعداد الجيد للاجتماع رفيع المستوى المرتقب في الخريف المقبل، والذي ستسبقه مشاورات سياسية لضمان نجاحه، مؤكداً أنه كلف فريقه بالشروع فوراً في التنسيق مع الجانب الجزائري.
وأضاف أن هذا الاجتماع سيمنح زخماً للتعاون في مجالات الأمن، ومكافحة الهجرة غير النظامية، والتبادل الثقافي، مشيداً باختيار إسبانيا ضيف شرف في معرض الجزائر الدولي.
أما الأولوية الثانية فتتعلق بتطوير الشراكة الاقتصادية، حيث أكد أن بلاده تطمح إلى ترسيخ موقعها كشريك استراتيجي للجزائر في مسار التحديث الاقتصادي، خاصة في مجالات الطاقة والصناعة.
وأشار إلى أن وفداً من كبار مسؤولي الشركات الإسبانية في قطاع الطاقة رافقه خلال الزيارة، مؤكداً رغبة هذه الشركات في مواصلة الاستثمار بالجزائر، مع الإشارة إلى أن الجزائر كانت خلال عام 2026 المورد الأول لإسبانيا بالغاز الطبيعي، وهو ما يعكس، حسب قوله، مكانتها كشريك موثوق.
وأضاف أن التعاون الاقتصادي لا يقتصر على الغاز، بل يشمل أيضاً الانتقال الطاقوي والابتكار التكنولوجي ورقمنة البنى التحتية، فضلاً عن قطاعات الصناعة والصناعات الغذائية والخدمات.
أما الأولوية الثالثة فتتمثل، وفق سانشيز، في تعزيز التنسيق الدولي، معتبراً أن الجزائر وإسبانيا تمثلان جسراً بين إفريقيا وأوروبا، وأن البلدين قادران على لعب دور محوري في مواجهة التحديات المشتركة، من الأمن إلى الهجرة والتغير المناخي.
وأكد أن الجزائر تؤدي دوراً محورياً في استقرار منطقة الساحل، بينما تسعى إسبانيا إلى تعزيز حضورها في إفريقيا في إطار استراتيجيتها للفترة 2025-2027، مشيراً إلى أن مدريد ستواصل العمل من أجل تعزيز علاقات الاتحاد الأوروبي مع دول جنوب المتوسط.
وأنهى سانشيز تصريحاته بالتأكيد على أن الجزائر تحتل مكانة خاصة في السياسة الخارجية الإسبانية، قائلاً إن البلدين يقفان على أعتاب مرحلة جديدة من العلاقات الثنائية، وإن الجزائر “يمكنها دائماً الاعتماد على إسبانيا”، بالنظر إلى ثقلها الجيوسياسي، وموقعها المتوسطي والإفريقي، وأهمية العلاقات الاقتصادية والإنسانية التي تجمع الشعبين.
وتعد هذه الزيارة الأولى لرئيس الحكومة الإسبانية إلى الجزائر منذ أكتوبر 2020، كما تمثل أبرز محطة في العلاقات الثنائية منذ الأزمة التي اندلعت بين البلدين في ربيع عام 2022، إثر تغيير مدريد موقفها من قضية الصحراء الغربية.
وكانت هذه الأزمة قد دفعت الجزائر إلى سحب سفيرها من إسبانيا وتعليق معاهدة الصداقة وتجميد معظم المبادلات التجارية باستثناء صادرات الغاز الطبيعي.
وأدى ذلك إلى تراجع حاد في المبادلات التجارية بين البلدين، حيث انخفضت الصادرات الإسبانية إلى الجزائر بشكل كبير، كما تكبدت الشركات الإسبانية خسائر معتبرة نتيجة تعطل النشاط التجاري، قبل أن تبدأ العلاقات في التعافي تدريجيا مع استئناف التمثيل الدبلوماسي الكامل، ثم عودة المبادلات التجارية وإعادة تفعيل معاهدة الصداقة.
وتنظر الأوساط السياسية في البلدين إلى زيارة سانشيز باعتبارها تتويجا لمسار المصالحة الذي انطلق خلال الأشهر الماضية، وإعلانا فعليا عن عودة العلاقات الجزائرية الإسبانية إلى مستواها الطبيعي، بما يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التعاون السياسي والاقتصادي بين البلدين بعد واحدة من أعقد الأزمات التي شهدتها علاقاتهما خلال السنوات الأخيرة.

تعليقات الزوار
لا تعليقات