عاد ملف توحيد المؤسسة العسكرية الليبية إلى واجهة المشهد السياسي والأمني، بعدما عقد رئيس المجلس الرئاسي، محمد المنفي، الإثنين، اجتماعاً مع رئيس الأركان العامة المكلف صلاح الدين النمروش، غداة اللقاء العسكري الذي استضافته مدينة سرت وجمع النمروش وخالد حفتر برعاية بعثة الأمم المتحدة، في خطوة اعتبرها المجلس الرئاسي امتداداً لجهود توحيد المؤسسة العسكرية، بينما حظيت بترحيب أممي ورسمي باعتبارها خطوة لبناء الثقة بين الأطراف العسكرية.
وأكد المجلس الرئاسي، في بيان، أن المنفي تلقى خلال اجتماعه مع النمروش إحاطة عسكرية شاملة حول مخرجات اجتماع سرت، وما أسفر عنه من نتائج وخطوات عملية تستهدف توحيد المؤسسة العسكرية على أسس وطنية ومهنية، وفق الرؤية التي يقودها المجلس الرئاسي باعتباره القائد الأعلى للجيش الليبي.
وشدد المنفي، خلال اللقاء، على أن توحيد المؤسسة العسكرية يمثل «أولوية وطنية لا تحتمل التأجيل»، معتبراً أن بناء جيش موحد يعد الركيزة الأساسية لحماية سيادة البلاد وتأمين حدودها والحفاظ على أمن المواطنين واستقرار الدولة، في وقت تتواصل فيه التحركات السياسية والعسكرية الهادفة إلى تهيئة البيئة المناسبة للمسار الانتخابي.
وجاء اجتماع المنفي بعد أقل من يوم على انعقاد لقاء عسكري في مدينة سرت جمع رئيس الأركان العامة المكلف، صلاح الدين النمروش، مع خالد حفتر، بحضور نائبة المبعوثة الأممية إلى ليبيا ستيفاني خوري، وأعضاء اللجنة العسكرية المشتركة (5+5)، إضافة إلى لجنة (3+3)، حيث ناقش المجتمعون آليات الدفع بملف توحيد المؤسسة العسكرية، وسبل تعزيز التنسيق بين المؤسسات العسكرية في مختلف المناطق. وبحسب ما أعلنته رئاسة الأركان، اتفق المشاركون خلال اجتماع سرت على مواصلة العمل المشترك، إلى جانب تنظيم تمرين تعبوي مشترك في إحدى مناطق الجنوب الليبي، في خطوة وصفت بأنها تستهدف تعزيز التعاون الميداني وبناء الثقة بين الوحدات العسكرية المختلفة، ضمن مسار توحيد المؤسسة العسكرية.
وعقب انتهاء الاجتماع، أصدر المجلس الرئاسي بياناً رحب فيه بانعقاد اللقاء، معتبراً أنه يعكس استمرار الجهود الرامية إلى توحيد المؤسسة العسكرية وتعزيز الثقة بين مختلف المكونات العسكرية الليبية.
وأكد المجلس أن أي ترتيبات أو تفاهمات أمنية وعسكرية ينبغي أن تتم في إطار الشرعية والقوانين النافذة، مشدداً على ضرورة استمرار الحوار والتنسيق بين القيادات العسكرية، وتغليب المصلحة الوطنية بما يسهم في استكمال مشروع توحيد المؤسسة العسكرية وتعزيز أمن البلاد واستقرارها.
وفي السياق ذاته، رحبت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا بالاجتماع، واعتبرته «خطوة مهمة لبناء الثقة»، مؤكدة أن انعقاده يعكس التزام القيادات العسكرية الليبية بمواصلة العمل نحو توحيد المؤسسات العسكرية، وهو أحد الملفات التي ظلت الأمم المتحدة تضعها ضمن أولوياتها منذ توقيع اتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر/تشرين الأول 2020.
ورأت البعثة أن استمرار اللقاءات العسكرية بين الأطراف المختلفة يسهم في تقليص الانقسام داخل المؤسسة العسكرية، ويمهد لتوسيع مجالات التنسيق الأمني والعسكري، بما ينعكس على الاستقرار العام في البلاد.
ووصف صدام حفتر أجواء اجتماع سرت بأنها كانت «إيجابية»، معتبراً أن توحيد المؤسسة العسكرية يمثل هدفاً أساسياً لحماية ليبيا، ومؤكداً مواصلة العمل من أجل بناء مؤسسة عسكرية «قوية وفاعلة»، بحسب ما نشره عبر صفحته على فيسبوك.
ويأتي هذا الحراك العسكري في وقت يشهد فيه الملف الليبي زخماً سياسياً متصاعداً، مع استمرار المسارات التي تقودها الأمم المتحدة، إلى جانب التحركات الدولية الرامية إلى الدفع نحو تنفيذ خارطة طريق تقود إلى إجراء الانتخابات، وهو ما يجعل ملف توحيد المؤسسة العسكرية أحد أبرز الملفات المرتبطة بتهيئة البيئة الأمنية للاستحقاقات المقبلة.
وكانت اللجنة العسكرية المشتركة (5+5) قد لعبت خلال السنوات الماضية دوراً محورياً في تثبيت اتفاق وقف إطلاق النار، والإشراف على عدد من الترتيبات الأمنية، بما في ذلك فتح الطريق الساحلي، وتبادل المحتجزين، وإخراج بعض التشكيلات المسلحة من مناطق التماس، إلا أن ملف التوحيد الشامل للمؤسسة العسكرية ظل يواجه تحديات سياسية وعسكرية حالت دون تحقيق تقدم نهائي.
ويرى مراقبون أن اجتماع سرت يحمل دلالة خاصة، كونه جمع قيادات عسكرية من المؤسستين العسكريتين في شرق البلاد وغربها، بحضور الأمم المتحدة، وهو ما يعكس استمرار الرهان على المسار العسكري باعتباره أحد المسارات القليلة التي حافظت على قنوات التواصل بين الأطراف الليبية، رغم تعثر عدد من المسارات السياسية في مراحل سابقة.
كما يأتي الاجتماع بالتزامن مع استمرار النقاشات حول مخرجات الحوار السياسي، والجهود المبذولة لاستكمال التوافقات المتعلقة بالعملية الانتخابية، حيث تؤكد الأطراف الدولية باستمرار أن توفير بيئة أمنية مستقرة يمثل شرطاً أساسياً لإنجاح أي استحقاق انتخابي، ومنع العودة إلى المواجهات المسلحة.
ورغم الترحيب الرسمي والأممي باجتماع سرت، لا تزال الأنظار تتجه إلى الخطوات العملية التي يمكن أن تترجم ما تم الاتفاق عليه، وفي مقدمتها تنفيذ التمرين التعبوي المشترك، واستمرار الاجتماعات بين القيادات العسكرية، ومدى انعكاس ذلك على استكمال مشروع توحيد المؤسسة العسكرية، الذي ظل لسنوات أحد أكثر الملفات تعقيداً في المشهد الليبي، بالنظر إلى ارتباطه بالتوازنات السياسية والأمنية القائمة في البلاد.
وتشير التطورات الأخيرة إلى أن ملف توحيد المؤسسة العسكرية عاد مجدداً ليحتل موقعاً متقدماً في أجندة المجلس الرئاسي وبعثة الأمم المتحدة، وسط تأكيدات متكررة بأن تحقيق تقدم في هذا المسار قد يشكل إحدى الركائز الأساسية لدعم الاستقرار، وتعزيز الثقة بين المؤسسات، وتهيئة الظروف لإطلاق المرحلة التالية من العملية السياسية.
المنفي يؤكد أولوية توحيد المؤسسة العسكرية وسط ترحيب أممي ورسمي بالمسار

تعليقات الزوار
لا تعليقات