أخبار عاجلة

عصابة الجنرالات التي قتلت بوضياف فانتظر منها أيّ شيء

34 سنة مرت الإثنين الماضي على يوم 29 حزيران (يونيو) 1992. صادف 29 حزيران (يونيو) 1992 يوم إثنين أيضا. يوم مفصلي في تاريخ الجزائر الحديث.
يوم اغتيال الرئيس محمد بوضياف.
كانت الساعة تقترب من منتصف النهار في ذلك اليوم الصيفي المشمس المائل إلى الحار، عندما تسرّب إلى غرف الأخبار في العاصمة أن «مكروها ما» أصاب الرئيس محمد بوضياف في مدينة عنابة (أقصى شمال شرق الجزائر) التي كان قد وصلها صباح اليوم نفسه في زيارة رسمية. تذكّروا، لا وجود آنذاك لهواتف جوالة تلتقط الشاردة والواردة وتوزعها على العالم في رمشة العين كما هو الحال اليوم.
سبق لي في ذلك الوقت أن غطيت أنشطة الرئيس بوضياف، وقبله الشاذلي بن جديد، ورؤساء حكومات ووزراء كثر. آخر تلك التغطيات كانت لزيارة بوضياف إلى معرض الجزائر الدولي، في قصر المعارض قرب العاصمة، قبل أقل من أسبوعين من يوم اغتياله.
في قصر المعارض وقفت قريبا من بوضياف حوالي ساعة. كان هو يجلس على أريكة وثيرة ونحن متحلّقون من حوله نتسابق في طرح الأسئلة عليه. كنت أحد أقرب الحاضرين إليه، بيننا ما لا يزيد عن مترين.
في العادة يغطي الكثير من الصحافيين نشاطات الرئيس الميدانية. لكن الذهنية الجزائرية تضعف أمام سطوة الكاميرا (عندما تقول لأحدهم أنك تعمل صحافيا يرد مستغربا: بالصح ما شفتكش فالتلفزيون!). هذا أيضا لأن المسؤولين في كل المستويات يفضلون دائما فريق التلفزيون عن بقية الصحافيين. حتى صحافيو التلفزيون يمكنهم الاستغناء عنهم، لكنهم جاهزون لتأخير أو حتى إلغاء نشاطهم إذا لم تحضر كاميرا التلفزيون وذلك الساحر الذي يحملها أو يقف وراءها.
في ذلك الإثنين كنت في مقر جريدة المساء اليومية. لم تكن هناك تغطيات أو تكليفات فبقينا نثرثر ونمضي الوقت كيفما كان.
كان للجريدة مكتب في عنابة يديره مراسل اسمه عمار صافي. كان عمار بعيدا عن «المكروه الذي أصاب بوضياف» لأنه لم يُمنح تصريح تغطية رئاسية، مثل مراسلين آخرين. لا أعرف هل كانت صدفة أم شيئا آخر ذلك التقليص المفاجئ للصحافيين والمراسلين في تلك الزيارة على عكس العادة، من التخمة إلى الحد الأدنى. إذ تردد لاحقا أن صحافية واحدة رافقت بوضياف من العاصمة إلى عنابة، هي نادية قربوعة من صحيفة لوماتان الناطقة بالفرنسية. كما لم يرافقه مسؤولون كبار مثل وزير الداخلية ووزراء القطاعات التي كانت ضمن جدول أعمال زيارته.
لم يفدنا عمار كثيرا لأنه كان بعيدا عن مسرح «المكروه». فبقينا على أعصابنا نخمّن وننتظر تأكيدا رسميا أو نفيا في زمن لا وجود فيه إلا الهاتف الأرضي والفاكس، ووسط تعتيم شامل متعمد. بقي الأمل معلقا على نشرة الواحدة ظهرا في التلفزيون. مرت الدقائق ثقيلة كأنها دهر. ثم حل وقت النشرة وأعلنوا أن بوضياف تعرض لعملية اغتيال أودت به. ذهول وصدمة تبعهما طوفان من الإشاعات والقيل والقال.
على عكس ما يتكرر باستمرار عن خطأ، لم تكن عملية الاغتيال منقولة على الهواء مباشرة. اغتيل المسكين في مسرح مكتظ بالناس نعم. أما على الهواء مباشرة، لا. لم يكن هناك بث مباشر، لا أرضي ولا فضائي لأن القنوات محدودة بثها محلي محدود يخضع لرقابة وفحص دقيق عندما يتعلق الأمر بالنشاطات الرئاسية والرسمية. كانت كاميرات فريق الإعلام الرئاسي وكاميرات التلفزيون تصوّر. الثانية تسجل وتبعث الصور إلى العاصمة، وفي الاستقبال فريق يُعد العمل التحريري والفني لما يستحق النشر. أحد من كانوا في فريق استقبال الصور صديق لي إلى اليوم.

لم يرَ العالم الوحشية التي مزّقت أحد أسود الجزائر إلا في نشرة الثامنة مساءً ذلك اليوم، لكن بعد مونتاج وتصرف في الصور.
لحظتان لن أنساهما لِما سببتا لي من صدمة وخوف. لحظة إعلان استقالة الرئيس الشاذلي بن جديد، ولحظة تأكد اغتيال الرئيس بوضياف. الجهل بحقيقة ما يجري، العجز عن التأثير فيه، الشعور بنوع من الشلل وبفقدان الأمان، تشكّل لديك حالة نفسية مركّبة تُعاش ولا توصف. ذلك ما عشته. يوم استقالة الشاذلي كان دماغي يخمن أن الفراغ الرئاسي في مثل تلك الظروف السياسية والاقتصادية المعقّدة نوع من الانتحار. وعندما تأكد اغتيال بوضياف كان يخمن أن البلاد التي تتوسل لبوضياف، أن يقبل بأن يرأسها، وهو فوق السبعين، ثم تقتله بعد ستة أشهر، فانتظر منها أيّ شيء.
كانت الأيام والسنوات اللاحقة مرَّة علقم لنا جميعا. نادرا ما شاهدت الجزائر العاصمة كئيبة وحزينة كما رأيتها يوم تشييع جنازة بوضياف. كانت أيضا موحشة ومخيفة.
في تلك الظروف العصيبة كان من الصعب أن تجد جزائريا يؤمن بأن القاتل الحقيقي هو مَن وجهت له السلطات الاتهام، المبارك بومعرافي، الضابط في القوات الخاصة الذي اتضح لاحقا أنه أُلحق بفريق الحماية الرئاسية استثناءً في الليلة التي سبقت زيارة بوضياف إلى عنابة. وإذا وجدت فمن الصعب أن يُصدّق أن بومعرافي تصرف بمزاجه وبلا هدف. رئيس الحكومة الأسبق سيد أحمد غزالي أفضل من عبّر عن هذه الحالة. قال: كان الموكب الجنائزي يمر في شوارع العاصمة فنسمع من الحشود الغاضبة تجاه الرسميين: يا قتّالين جبتوه وقتلتوه!
أتيح لي أن أشارك في تغطية محاكمة المتهم بومعرافي، بمجلس قضاء العاصمة، في ربيع 1995. لكن المحاكمة طرحت أسئلة أكثر مما قدمت إجابات. بدأت لغزاً وانتهت ألغارا. عجيب من أين أتى بومعرافي بكل تلك القدرة على الصمت. كأنه ابتلع لسانه وصوته. لو كان أبكم لأنطقته الأسئلة وإلحاح القضاة والنيابة وتلك الظروف المحيطة به. ظل حاضرا في قفص الاتهام يوزع نظرات حادة على الحضور، لكنه كمن لا يسمع ولا يرى.
بين يوم قتل بوضياف ويوم محاكمة بومعرافي جرت دماء، ودموع، كثيرة تحت الجسور.
لم أدرك فداحة الخسارة إلا لاحقا عندما بدأت أهتم بتاريخ الثورة الجزائرية وألتقي بعض رموزها. الرجل الذي كان يجب أن تبني له الجزائر تماثيل في كبريات مدنها مزقت جسمه الهزيل برصاصات غادرة من الخلف. مصالي الحاج أوجد فكرة الاستقلال وبوضياف نفذ لها بشجاعة وعناد يُحسد عليهما. هو الذي يُنسب له القول لبعض الذين جادلوا في موعد تفجير الثورة: سأبدأها ولو بقِـرَدة الشفة (الشفة منطقة في جنوب العاصمة تشتهر بطبيعتها الجميلة والقردة التي تتسلق أشجارها).
ارتاح بوضياف، وما تزال الجزائر تبحث عن الراحة.

توفيق رباحي

اضف تليق

Leave this empty:

شارك

تعليقات الزوار

لا تعليقات