شيعت قطر، مساء الأحد، الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني إلى مثواه الأخير في مقبرة لوسيل.
وأُديت صلاة الجنازة على الشيخ حمد في جامع الإمام محمد بن عبد الوهاب بالدوحة، بحضور أمير دولة قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، وأفراد من الأسرة الحاكمة، وكبار المسؤولين، وجموع غفيرة من المواطنين والمقيمين.
وعقب الصلاة، شُيّع جثمان الأمير الوالد إلى مثواه الأخير، وسط مشاعر من الحزن والدعاء بأن يتغمده الله بواسع رحمته ومغفرته، وأن يسكنه فسيح جناته.
وشهدت مراسم التشييع حضور عدد من كبار الشخصيات، الذين قدموا لتقديم واجب العزاء، فيما خيمت أجواء الحزن على البلاد مع استمرار الحداد الرسمي على فقيد الوطن الكبير.
وأعلن الديوان الأميري القطري وفاة الأمير الوالد، صباح اليوم الأحد، عن عمر ناهز 74 عامًا.
وقال الديوان الأميري، في بيان، إنه ينعى بقلوب مؤمنة بقضاء الله وقدره “فقيد الوطن الكبير”، سائلًا الله تعالى أن يتغمده بواسع رحمته ومغفرته، وأن يسكنه فسيح جناته مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.
وأشاد البيان بما قدمه الأمير الوالد من أعمال جليلة وخالدة لوطنه وأمته العربية والإسلامية، داعيًا الله أن يجزيه خير الجزاء، وأن يلهم الجميع الصبر والسلوان.
وأعلن الديوان الأميري الحداد العام في كافة أنحاء الدولة على رحيل الأمير الوالد لمدة أربعة أيام، اعتبارا من اليوم الأحد.
وأفادت وكالة الأنباء القطرية (قنا) بتعطيل العمل في الوزارات والأجهزة الحكومية الأخرى والهيئات والمؤسسات العامة اعتبارا من غد الاثنين، على أن يباشر الموظفون أعمالهم يوم الأحد المقبل.
وفي عام 1995، تولى الشيخ حمد الحكم. وفي 25 يونيو/ حزيران 2013، سلّم مقاليد الحكم إلى ولي عهده آنذاك الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير قطر الحالي.
الأمير الراحل.. مسيرة تاريخية قادت نهضة قطر
ويعد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني أحد القادة التاريخيين لدولة قطر، وباني نهضتها الحديثة، إذ تبوأت البلاد في عهده مقاما عاليا عربيا ودوليا، وانطلقت نهضة اقتصادية واجتماعية وثقافية واسعة.
وخلال فترة حكمه تضاعف الناتج المحلي الإجمالي للبلاد أكثر من 24 مرة، وارتفع نصيب الفرد من الناتج المحلي بنحو ست مرات، فيما قفزت القيمة المضافة لقطاع الهيدروكربونات من 11 مليار ريال قطري إلى 403 مليارات ريال.
كما صدر في عهده الدستور الدائم للبلاد، ووُضعت “رؤية قطر الوطنية 2030″، الهادفة إلى التحول نحو اقتصاد معرفي وبناء دولة متقدمة تحقق التنمية المستدامة وتأمين استمرار العيش الكريم لشعبها جيلا بعد جيل، وفق المعلومات الرسمية.
ولد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني في يناير/ كانون الثاني 1952 بالدوحة، وفيها نشأ وتعلم، ثم التحق بكلية “ساندهيرست” العسكرية في بريطانيا، وتخرج منها سنة 1971.
وبعد عودته إلى البلاد، التحق بالقوات المسلحة وترقى في الرتب العسكرية حتى أصبح لواء، وكان للشيخ حمد بن خليفة آل ثاني “دور أساسي في تطوير القوات المسلحة القطرية عدة وعتادا”، بحسب المعلومات ذاتها.
وفي 31 مايو/ أيار 1977، بويع وليا للعهد، وعُين وزيرا للدفاع، ثم أصبح في 10 مايو/ أيار 1989 رئيسا للمجلس الأعلى للتخطيط، المسؤول عن رسم السياسات الاقتصادية والاجتماعية للدولة.
توليه الحكم
تولى الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني مقاليد الحكم في 27 يونيو/ حزيران 1995، وشرع في تنفيذ خطط إصلاحية وتنموية شاملة أحدثت نقلة نوعية في مختلف القطاعات.
وشهدت البلاد في عهده نهضة واسعة شملت التعليم والصحة والرياضة والثقافة والإعلام والبنية التحتية، إلى جانب طفرة كبيرة في الاقتصاد والطاقة.
ومع بدء تصدير الغاز الطبيعي المسال من حقل الشمال عام 1996، ارتفعت إيرادات الدولة بصورة متسارعة، لتصبح قطر عام 2006 أكبر مصدر للغاز الطبيعي المسال في العالم، قبل أن تصل طاقتها الإنتاجية إلى 77 مليون طن سنويا في عام 2010.
وفي أكتوبر/ تشرين الأول 2001، أُنشئ المجلس الأعلى للشؤون الاقتصادية والاستثمار، وتولى الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني رئاسته، ليشرف بصفة عامة على شؤون الاقتصاد والطاقة والاستثمار، من أجل تنويع الاستثمارات المحلية والخارجية، بغرض تطوير احتياطيات قطر المالية وتنويع مصادر الدخل.
وكان من أولى القرارات التي اتخذها بعد توليه الحكم إنشاء “مؤسسة قطر للتربية والعلوم وتنمية المجتمع” في أغسطس/ آب 1995، لدعم النهضة العلمية والثقافية في البلاد.
وفي عهد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، “رُفعت الرقابة عن الصحافة المحلية في أكتوبر/ تشرين الأول 1995، وأُلغيت وزارة الإعلام سنة 1998، ما فتح آفاقا واسعة لحرية الرأي والتعبير وازدهار الإعلام. كما تأسست قناة الجزيرة وانطلقت سنة 1996″، بحسب المعلومات ذاتها.
قيادة “تاريخية”
في عام 1996، بدأت قطر، بتوجيهات من الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، “تنفيذ خطوات ديمقراطية تمثلت في إجراء أول انتخابات لغرفة تجارة وصناعة قطر في العام نفسه، ثم أُجريت أول انتخابات للمجالس البلدية في مارس/ آذار 1999، وقد حظيت فيها المرأة بحقها في الترشح والتصويت لأول مرة في تاريخ قطر”.
وفي 8 يونيو/ حزيران 2004، صدر أول دستور دائم لدولة قطر بعد استفتاء شعبي تاريخي في 29 أبريل/ نيسان 2003، تحقيقا للأهداف السامية في استكمال أسباب الحكم الديمقراطي للدولة، بإقرار دستور دائم للبلاد يرسي الدعائم الأساسية للمجتمع، ويجسد المشاركة الشعبية في اتخاذ القرار، ويضمن الحقوق والحريات لأبناء الوطن، وفق معلومات الديوان الأميري.
وبموجب الدستور الجديد، أصبح الشعب مصدرا للسلطات، وأصبح نظام الحكم قائما على الفصل بين السلطات، وإن بقيت متعاونة يكمل بعضها بعضا.
وشهدت البلاد في عهد الشيخ حمد “انفتاحا اقتصاديا وحضاريا وثقافيا واسعا، وأصبحت قبلة للمؤتمرات السياسية والاقتصادية والثقافية والعلمية، وتبوأت مكانة عالية إقليميا ودوليا، وكان للدبلوماسية القطرية دور رائد في حل النزاعات واحتواء الصراعات في مناطق مختلفة من العالم”.
وكان من نتائج الاستثمارات الطموحة وغير التقليدية التي انتهجتها البلاد في ظل حكم الشيخ حمد أن “أصبحت قطر أول دولة عربية وإسلامية تفوز باستضافة كأس العالم لكرة القدم 2022، التي أُعلن عنها في ديسمبر/ كانون الأول 2010″، وفق الديوان الأميري.
وحصل الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني على العديد من الأوسمة من دول عربية وأجنبية، تقديرا لجهوده في تقوية العلاقات الثنائية وتطوير مجالات التعاون بين الدول والشعوب.
وأعلن الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، في 25 يونيو/ حزيران 2013، تسليم مقاليد الحكم لولي عهده الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير قطر الحالي.
وبرحيل الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، تفقد قطر أحد قادتها التاريخيين، الذي ارتبط اسمه بمرحلة التحول الكبرى في تاريخ البلاد، والتي لا تزال آثارها ممتدة في مسيرة التنمية التي تواصلها الدولة بقيادة الشيخ تميم.


تعليقات الزوار
لا تعليقات