لا تزال مبادرة مسعد بولس كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون الإفريقية، الهادفة إلى تسوية الأزمة الليبية تثير جدلا واسعا، حيث يرى منتقدو خارطة الطريق أن جوهرها يتجاوز مسألة بناء الدولة إلى صياغة نموذج "استقرار مضبوط" يضمن المصالح الأميركية في بلد يمثل أحد أهم مصادر الطاقة ومواقع النفوذ الاستراتيجي في شمال إفريقيا.
وتهدف المبادرة إلى تثبيت مؤسسات الدولة قبل إعادة تشكيل المشهد السياسي، وهو ترتيب يثير مخاوف قوى سياسية تخشى أن يتحول توحيد المؤسسات إلى آلية لإدارة الأزمة بدل حلها، وأن يؤدي إلى إعادة تدوير النخب ومراكز القوة التي استفادت من الانقسام طوال السنوات الماضية.
وبحسب التصريحات والتسريبات، فإن الخطة تركز على توحيد الحكومة والمؤسسات السيادية، وضمان استقرار قطاع النفط، وفتح المجال أمام الاستثمارات الأميركية، إلى جانب بناء قنوات تعاون أمنية بين شرق البلاد وغربها.
وتحدث بولس عن مسار بدأ قبل أكثر من عام، مشيراً إلى تفاهمات قال إن بعضها دخل حيز التنفيذ، من بينها الموازنة الموحدة، ومناورات عسكرية مشتركة، وإنشاء غرف عمليات أمنية تضم ممثلين عن الأطراف المختلفة.
وتمنح هذه الخطوات المبادرة مظهراً عملياً، لكنها تكشف في الوقت ذاته طبيعة أولوياتها؛ إذ يبدو أن ترتيب ملفي المال والأمن يسبق الوصول إلى تسوية سياسية شاملة تمنح الليبيين دوراً مركزياً في تحديد شكل السلطة المقبلة.
وتتمحور الخطة حول دمج تدريجي للمؤسسات المنقسمة، وفي مقدمتها مصرف ليبيا المركزي والمؤسسة الوطنية للنفط، ثم الانتقال إلى إعادة تشكيل السلطة التنفيذية عبر حكومة موحدة ومجلس رئاسي جديد.
غير أن أكثر النقاط إثارة للجدل تتعلق بما يتردد عن إعادة توزيع المواقع التنفيذية والسيادية بين مراكز النفوذ القائمة، في إطار تفاهمات داخلية وخارجية، بدلاً من ربط تشكيل السلطة الجديدة بمسار انتخابي واضح وتفويض شعبي مباشر.
ويرى معارضون لهذا النهج أن الصيغة المقترحة قد تؤدي إلى إنتاج نسخة جديدة من الأزمة، لأنها تمنح الأولوية للاستقرار الأمني والإداري على حساب الشرعية السياسية، وتحول عملية توحيد المؤسسات إلى إعادة تنظيم لموازين القوى بدل بناء دولة قائمة على المساءلة والانتخاب.
كما أن الجدول الزمني المتداول حول المبادرة يزيد من المخاوف، إذ يتحدث عن تشكيل حكومة توافقية في ديسمبر/كانون الأول 2026، وإجراء انتخابات برلمانية في منتصف 2027، مع تأجيل الانتخابات الرئاسية إلى حين معالجة الخلافات الدستورية.
وبالنسبة لكثير من الليبيين، تمثل الانتخابات الرئاسية الحلقة الأساسية في أي انتقال سياسي، باعتبارها الوسيلة التي تمنح الشعب فرصة لاختيار قيادته وإنهاء شرعية الأمر الواقع. لذلك فإن تأجيلها قد يُنظر إليه باعتباره تمديداً للمرحلة الانتقالية ومنحاً إضافياً للفاعلين السياسيين والعسكريين الحاليين.
وتحتل الموازنة الموحدة موقعاً مركزياً في التحرك الأميركي، باعتبارها أحد أبرز مظاهر التقارب بين المؤسسات الليبية المتنافسة. فقد شهد أبريل/نيسان 2026 إقرار أول موازنة موحدة منذ عام 2013 بقيمة 190 مليار دينار ليبي، أي ما يقارب 30 مليار دولار، مع توزيع بنود الإنفاق بين الرواتب والتنمية والدعم وتمويل المؤسسة الوطنية للنفط.
لكن أهمية هذه الخطوة تبقى مرتبطة بقدرة الدولة على فرض رقابة حقيقية على المال العام. فالموازنة الموحدة لا تعني بالضرورة توحيد الدولة إذا ظلت آليات الإنفاق خاضعة للتجاذبات السياسية أو استخدمت الموارد المالية كأداة للحفاظ على التوازنات بين القوى المتنافسة.
وتنظر الولايات المتحدة إلى ليبيا من ثلاث زوايا رئيسية: مصدر للطاقة، وساحة نفوذ إقليمي، وموقع استراتيجي في مواجهة منافسين دوليين يسعون إلى توسيع حضورهم في المنطقة. ومن هذا المنطلق، تبدو مقاربة بولس أقرب إلى منطق إدارة المصالح الاقتصادية والأمنية منها إلى مشروع متكامل لبناء الدولة.
ويتركز الرهان الأميركي على حماية تدفقات النفط، واستقرار المؤسسات المالية، وتهيئة البيئة المناسبة للاستثمار، خصوصاً في قطاع الطاقة، حيث تراهن شركات أميركية كبرى على فرص مستقبلية في السوق الليبية.
ولا شك أن استقرار قطاع النفط يمثل حاجة ليبية أساسية، باعتبار أن الاقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على العائدات النفطية، وأن أي اضطراب في الإنتاج أو في عمل المؤسسات المالية ينعكس مباشرة على حياة المواطنين.
لكن الإشكالية تكمن في اختلاف الأولويات؛ فبينما ترى واشنطن في النفط مدخلاً لترتيب الاستقرار السياسي والأمني، يرى كثير من الليبيين أن المطلوب هو بناء نظام سياسي شرعي يضع الموارد النفطية تحت سلطة مؤسسات منتخبة وقواعد رقابة واضحة.
وتكشف مبادرة بولس عن صراع بين رؤيتين لمستقبل ليبيا؛ الأولى تركز على تثبيت الاستقرار عبر التفاهم مع القوى القائمة، وتأمين المصالح الاقتصادية والأمنية، خصوصاً في قطاع الطاقة. أما الثانية فتطالب بانتقال سياسي حقيقي يعيد تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع ويضع نهاية لمرحلة المؤسسات المؤقتة.
وبين المسارين، يبقى التحدي الأكبر أمام أي مبادرة خارجية هو تجاوز منطق إدارة الأزمة إلى معالجة جذورها. فليبيا لا تعاني فقط من انقسام المؤسسات، بل من أزمة شرعية، وتعدد مراكز القوة، وضعف آليات المحاسبة.

تعليقات الزوار
لا تعليقات