كشف استطلاع أجرته بعثة الأمم المتحدة، عن أولويات الليبيين وتطلعاتهم بشأن مستقبل العملية السياسية، بالتركيز على مكافحة الفساد، وإجراء الانتخابات، وتوحيد المؤسسات، والحد من نفوذ التشكيلات المسلحة أبرز أولويات المرحلة المقبلة. ليشكل مؤشراً مهماً على المزاج العام في البلاد، بعد سنوات من الانقسام السياسي والصراع المسلح.
ولا تقتصر أهمية نتائج الاستبيان على الأرقام، بل تكمن في الرسائل السياسية التي يحملها إلى الأطراف الليبية والجهات الدولية المنخرطة في جهود التسوية، خصوصاً أنه يأتي في مرحلة تسعى فيها البعثة إلى بلورة خارطة طريق جديدة لإنهاء المرحلة الانتقالية.
وتُظهر النتائج أن الليبيين باتوا أكثر اهتماماً ببناء مؤسسات الدولة واستعادة الاستقرار، بدلاً من استمرار الصراع على السلطة، وهو ما يضع القوى السياسية أمام اختبار حقيقي للاستجابة لهذه المطالب.
وأوضحت البعثة أن الاستطلاع استند إلى استبيانات أُجريت عبر الإنترنت والهاتف خلال الفترة بين ديسمبر/كانون الأول 2025 وأبريل/نيسان 2026، إضافة إلى نقاشات شبابية عبر منصتها الرقمية، وأسهمت نتائجه في دعم مسارات الحوار المُهيكل الأربعة.
وأكد 90 بالمئة دعمهم لإجراء انتخابات وطنية نزيهة وذات مصداقية، مع إبراز أولويات النساء والشباب وتطلعاتهم. ويبرز بالمئة من المشاركين لإجراء انتخابات وطنية نزيهة باعتباره أهم رسالة سياسية في الاستطلاع، إذ يعكس وجود توافق شعبي واسع على إنهاء المراحل الانتقالية الطويلة عبر الاحتكام إلى صناديق الاقتراع.
وتشير هذه النسبة إلى أن غالبية الليبيين باتوا ينظرون إلى الانتخابات باعتبارها المدخل الأساسي لإنتاج سلطة شرعية وموحدة، في مقابل تراجع القبول باستمرار الأجسام السياسية الحالية التي تعرضت لانتقادات واسعة بسبب تمديد ولاياتها وتعثرها في التوصل إلى توافقات دستورية.
وفي الجانب الأمني، أفادت البعثة بأن 79 بالمئة من المشاركين في الاستطلاع الهاتفي قالوا إنهم يشعرون بالأمان في حياتهم اليومية، مع تسجيل أعلى نسبة في المنطقة الشرقية 92 بالمئة، تلتها المنطقة الجنوبية 84 بالمئة، ثم المنطقة الغربية 62 بالمئة. كما أظهرت النتائج أن الرجال يشعرون بالأمان أكثر من النساء بفارق سبع نقاط مئوية.
لكن هذا المؤشر لا يعني انتهاء الأزمة الأمنية، بل يعكس تحسناً نسبياً مقارنة بسنوات الصراع المفتوح. ويبرز التفاوت بين المناطق، حيث سجل الشرق أعلى مستويات الشعور بالأمان، يليه الجنوب، ثم الغرب الذي ما يزال يشهد توترات متكررة، بما يعكس استمرار تأثير الانقسام السياسي على الواقع الأمني.
وفي المقابل، أظهر الاستطلاع أن أكبر التحديات الأمنية لا ترتبط بالجريمة التقليدية بقدر ما ترتبط باستمرار الانقسام السياسي وعدم توحيد المؤسستين العسكرية والأمنية، وهو ما يعني أن الليبيين ينظرون إلى الاستقرار باعتباره قضية سياسية قبل أن يكون قضية أمنية.
ويكشف إبداء 82 بالمئة من المشاركين تأييدهم لاستبعاد المتورطين في قضايا الفساد وانتهاكات حقوق الإنسان من المناصب العامة، عن تراجع ثقة الشارع بالنخب السياسية والإدارية التي أدارت المرحلة الماضية. وتعكس هذه النتيجة رغبة واضحة في ربط أي عملية سياسية جديدة بمبدأ المساءلة، وعدم إعادة تدوير الشخصيات المتهمة بإهدار المال العام أو انتهاك القانون، بما يعزز شرعية المؤسسات المقبلة.
كما تمثل الرسالة ضغطاً على الأطراف الليبية لإدراج معايير النزاهة والشفافية ضمن أي ترتيبات انتخابية أو حكومية مستقبلية.
وجاءت الاشتباكات المتكررة بين الجماعات المسلحة، والاعتقالات خارج إطار القانون، ضمن أبرز المخاوف التي أشار إليها المشاركون، وهو ما يدل على أن ملف التشكيلات المسلحة لا يزال يمثل العقبة الأكبر أمام بناء دولة مستقرة.
وتكشف هذه النتائج أن المواطنين لا يطالبون فقط بوقف القتال، وإنما بإخضاع السلاح لسلطة الدولة وإنهاء تعدد مراكز القوة الأمنية.
كما دعا المشاركون إلى نقل المعسكرات والمسلحين خارج المدن، ونزع السلاح، وتعزيز قدرات الأجهزة الأمنية الرسمية، وتطبيق مدونة سلوك صارمة مع فرض عقوبات على المخالفات، إلى جانب توفير فرص التعليم والتدريب المهني وخلق مسارات للعمل المدني، باعتبارها خطوات أساسية لتحقيق الاستقرار طويل الأمد.
وطالب 100 بالمئة من المشاركين الشباب بـ"نظام لامركزي" للحكم في ليبيا، فيما دعا 20 بالمئة منهم إلى تطبيق "لامركزية" موسعة، على أن تتخذ فيها جميع القرارات على مستوى محلي.
وجرى الاستطلاع بالتزامن مع الحوار المهيكل الذي سيرته البعثة، بجانب النقاشات التي قادها الشباب عبر منصة رقمية للبعثة.
وفيما يخص الانتخابات، قال 56 بالمئة من المشاركين في المنصة الرقمية للشباب إنه لا يمكن إجراء الانتخابات في ظل فراغ قانوني دستوري، مطالبين بإيجاد إطار دستوري. وأشار معظمهم إلى ضرورة أن تكون مسودة مشروع 2017 أساساً لأي قاعدة دستورية.
أما الاشتراطات الأساسية التي حددها المشاركون للوصول للانتخابات، فهي: أساس دستوري واضح، وقوانين انتخابية متفق عليها، وتأمين مراكز الاقتراع، وإخراج القوات الأجنبية، وكذلك حكومة موحدة، وسجل ناخبين محدّث وشفاف، وإشراك حقيقي للشباب والمجتمع المدني في خريطة الطريق.
وفيما يخص النمو الاقتصادي، فرأى 43 بالمئة من المشاركين في المنصة الرقمية للشباب أن العدالة الاجتماعية شرط أساسي للنمو الاقتصادي، بينما رفض 36 بالمئة من المشاركين التفرقة بينهما، ودعوا إلى نمو اقتصادي منظم ومتزن اجتماعياً.

تعليقات الزوار
لا تعليقات