أعاد البيان التحذيري الأخير الصادر عن السلطة الجزائرية للانتخابات إلى الواجهة النقاش حول طبيعة المسار الديمقراطي في البلاد، بعدما ركز بشكل لافت على ضبط الجوانب الشكلية للحملة الانتخابية، من تنظيم فضاءات الإشهار الانتخابي إلى منع استخدام الوسائل والإمكانيات العمومية في الدعاية السياسية.
ورغم أن هذه الإجراءات تقدم باعتبارها آليات لضمان تكافؤ الفرص بين المترشحين والأحزاب، إلا أن مراقبين يرون أنها تعكس اهتماما مفرطا بالشكليات التنظيمية على حساب القضايا الجوهرية المرتبطة بتعزيز التنافس السياسي الحقيقي وتوسيع هامش المشاركة السياسية.
وتشدد السلطات على منع التعليق العشوائي للملصقات الانتخابية، وحظر استغلال السيارات والإمكانيات الرسمية أو القاعات المخصصة للدولة في الحملات الانتخابية، غير أن هذه التدابير، بحسب متابعين، لا تكفي وحدها لضمان انتخابات قادرة على تعزيز الثقة في المؤسسات التمثيلية، ما دامت الإشكالات الأعمق المرتبطة بالممارسة السياسية والشفافية لا تزال مطروحة.
كما تكشف بعض الممارسات المسجلة ميدانيا، من استغلال رموز الدولة إلى النزاعات بين الفاعلين السياسيين حول الفضاءات الإشهارية، عن استمرار تداخلات بين المجالين الحزبي والإداري، وهو ما يطرح تساؤلات بشأن مدى ترسخ ثقافة سياسية قائمة على الفصل الواضح بين السلطة والتنافس الانتخابي.
وفي المقابل، لوّحت السلطات بعقوبات قد تصل إلى الحبس والغرامات المالية في مواجهة المخالفات المرتبطة بما تصفه بـ”الفوضى الإشهارية”، في خطوة تهدف إلى فرض الانضباط خلال الحملة الانتخابية.
غير أن خبراء يعتبرون أن الإفراط في التركيز على الجوانب التقنية والتنظيمية قد يفضي إلى انتخابات منظمة من الناحية الإدارية، دون أن ينعكس بالضرورة على جودة التمثيل السياسي أو على مستوى ثقة المواطنين في العملية الانتخابية.
ويرى متابعون أن بناء ديمقراطية فعالة لا يرتبط فقط بمراقبة الملصقات الانتخابية أو تتبع المخالفات الإجرائية، بل يستوجب قبل ذلك توفير مناخ سياسي يضمن التعددية الفعلية وتكافؤ الفرص في التعبير والتنافس حول البرامج والتوجهات، باعتبارها الأساس الحقيقي لأي ممارسة ديمقراطية قادرة على كسب ثقة الناخبين وإضفاء المصداقية على المؤسسات المنتخبة.

تعليقات الزوار
لا تعليقات