أخبار عاجلة

فشل الجزائريون في بناء وسط حضري وطني بعد الاستقلال

هي إحدى الخلاصات الأساسية التي توصلت لها بعد اهتمام علمي بالمجتمع الجزائري، دام لسنوات من وجهة نظر علم الاجتماع، لفهم وتفسير ما يحصل في هذا المجتمع ـ هذه الأيام ـ من اضطراب مسّ الأفراد والجماعات، ظهر على شكل تشنج في العلاقات الاجتماعية، أبرزه ذلك التنابز الواسع الحاضر على الوسائط الاجتماعية، مسّ مواضيع التاريخ، الثقافة، اللغة، الدين، السياسة والمرأة، بكل ما يرتبط بها من لباس وخروج للفضاء العام وسلوك يومي، كمواضيع تفرق الجزائريين، ولا توحدهم، ما جعلني أتوجه نحو ما يمكن تسميته بالأسس الموضوعية لهذا الاختلاف، الذي بدأ البعض يتخوف منه بشكل واضح، بما يمكن أن يفرزه على استقرار البلد ومصيره في هذا الظرف الدولي والإقليمي المضطرب.
اهتماماتي العلمية في ميدان السوسيولوجيا،، قراءاتي وملاحظاتي اليومية، أوصلتني إلى المعطى الجغرافي كعامل رئيسي ـ ليس الوحيد بالطبع – لتفسير هذه الاختلافات بين الجزائريين، لم يسمح لهم بالتعارف الكافي بينهم، نقطة يشير لها الجزائريون بافتخار وهم يصفون أنفسهم بأنهم أبناء بلد – قارة، من دون الذهاب بعيدا لتفسير نتائج هذا المعطى الجغرافي على سلوكهم وثقافتهم وعلاقتهم ببعضهم، بالنظرة التي يملكونها لأنفسهم وللآخر، خاصة ونحن نربط هذا المعطى الجغرافي الموضوعي بتاريخ البلد بما ميزه من استعمار استيطاني طويل، وما أفرزه من تحولات اجتماعية سريعة وعنيفة في الكثير من المحطات، قبل وبعد الاستقلال، في مجتمع لم ينجح دائما في إنتاج نخب متنوعة ومؤسسات ثقافية على وجه الخصوص، كان يمكن أن تقوم بمهامها في تفادي نقاط ضعف هذا التاريخ والجغرافيا البشرية.

ضمن هذا الإطار التاريخي العام احتك الجزائريون ببعضهم بعضا في محطات تاريخية أكثر من غيرها، كما كان الحال خلال الفترة الاستعمارية، بداية من عشرينيات القرن الماضي، لتكون المدينة أحد اهم الفضاءات ـ لن أتكلم عن المدرسة التي كانت ضعيفة التأثير خلال هذه الفترة – والتي تعرف داخلها الجزائريون إلى بعضهم، بعد دخولها الجماعي بالشكل الذي توسع بعد الاستقلال، تميزت فيه بعض الأحياء الشعبية كالقصبة – العاصمة كمثال – ومراكز المدن التقليدية المعروفة بمقاومتها لمنطق العمران الاستعماري، بثنائيته العنصرية المعروفة، بما انتجته من أنواع تعارف وعيش مشترك بين الجزائريين، مثّل الاستثناء الديموغرافي، ليفشل الجزائريون في بناء وسط حضري وطني بعد الاستقلال، كان من الممكن أن يحولوه إلى فضاء مدني للتعارف والعيش المشترك، عبر خلق مؤسسات مدنية يستأنسون بها، كما تبرزه حالة العنف المستشري التي تعرفها الأحياء الشعبية في المدن الكبرى والمتوسطة، عكس حالهم لوقت طويل عندما كانوا يعيشون في مناطقهم الريفية في جهاتهم المختلفة، التي وجدوا صعوبات جمة في تجاوز حدودها الفعلية والمتخيلة وهم يدخلون المدن للعيش فيها جماعيا بعد الاستقلال-67 % من الجزائريين يعيشون في الوقت الحالي في المدن، باختصار وكخلاصة جزئية، علاقة الجزائري بالمدينة تفسر الكثير مما نعيشه من حالات تشنج وصراع يتخوف منها البعض، لدرجة تشبيهها بما حصل في سنوات التسعينيات من القرن الماضي، برفض الجميع العودة إليها بعد أن اكتوى بنارها. تفسير آخر نجده على المستوى السياسي هذه المرة ويتعلق الأمر بخصوصيات ما ميز النظام السياسي من غلق لفضاءات التعارف والحوار كالإعلام- تلفزيون -إذاعة صحافة مكتوبة ـ زيادة على العمل الحزبي والجمعوي، كان يمكن أن يستعملها الجزائريون كمجال للتعارف والنقاش، تفسر هي الأخرى الكثير من هذا الجهل بالآخر ـ استغل في بعض الأحيان لتصفية الحسابات بين الأشخاص – خاصة عندما نربطه بذلك التوجه المحموم نحو الوسائط الاجتماعية في مجتمع شاب، عرف انتشارا سريعا وواسعا للتعليم، لم يكن دائما بالمستوى النوعي المطلوب، لدى أبناء أوساط اجتماعية خرجت للتو من أميتها.
في مجتمع ما زال يعرف كل مرة اندلاع نوع من «الحروب الأهلية» حول مكانة وأدوار المنظومة التعليمية، بما فيها لغة التدريس، كما هو حاصل هذه الأيام في ما يخص الصراع المفتعل بين الفرنسية والإنكليزية والعربية، الذي أقحمت فيه الفلسفة كمادة علمية كانت في الحقيقة قد فقدت منذ زمن طويل طابعها النقدي لصالح طابع تلقيني وتلفيقي، داخل هذه المنظومة التعليمية المعروفة بصراعاتها حول محتويات برامجها، القابلة للاشتعال في كل مرة.
تتمكن في كل فترة بعض القوى والأوساط من تجنيد أجيال من الجزائريين المتحفزين للتمترس وراء وجوه سياسية في المعارضة والسلطة، تطفو على السطح في هذا الجو المشحون، تعودت على حسم صراعاتها بعيدا عن المجتمع، الذي تتكلم باسمه كل مرة، انطلاقا من المواقع السياسية، أو الاجتماعية، التي تحتلها، خلافات وصلت هذه السنة إلى موضوع تحديد تاريخ الدخول المدرسي في 6 سبتمبر، الذي رفضه أبناء الجنوب بحجة استمرار درجات الحرارة في مناطقهم، عكس مناطق الشمال، ما أدى إلى تأخيره لاحقا إلى تاريخ 21 من الشهر نفسه بتدخل من الوزير الأول مباشرة، وليس الوزير المتواري عن الأنظار. خلافات تعيدنا مرة أخرى إلى تلك القطيعة الموجودة بين المعطيات الجغرافية وصناعة القرار في هذا البلد ـ القارة، الذي ما زالت تسيطر على نخبه الحاكمة نظرة يعقوبية لم تنجح دائما في التعامل الذكي مع معطيات الواقع الملموس، كما حصل ذات مرة عندما اتخذت قيادات الثورة في مؤتمر الصومام -1956- قرار تكييف حدود الولايات الست، التي قسم لها التراب الوطني مع المعطيات الثقافية واللغوية، نجحت فيه من تحويل نقاط الضعف الناتجة عن اتساع رقعة التراب الوطني وعدم التجانس الثقافي ـ اللغوي لسكانه إلى نقاط قوة دوخت الفكر الاستراتيجي الفرنسي.
أنهي موضوعي هذا بنقطة تفاؤل تحيل إلى ذلك التجانس الديموغرافي، الذي تعيشه الجزائر منذ عقود، تلعب فيه مؤسسة الزواج بين أبناء البلد من مختلف المناطق دورا محوريا، ساهم فيه ذلك التعارف الذي حصل بعد الاستقلال بين الجزائريين دورا مركزيا، تعارف أنجز داخل مؤسسات الدولة الوطنية، كالإدارة والمؤسسة التعليمية والعسكرية، الخ، لدرجة أصبح فيه من الصعب حتى على الملاحظ المهتم أن يتعرف فيها على الأصل الجغرافي للجزائري، وهو يتعامل معه حتى وهو يتكلم معه في بعض الأحيان، خاصة عندما يتعلق الأمر بسكان المدن من الأجيال الصغيرة في السن، كما هو حال أبناء البيروقراطية الإدارية أو رجال المؤسسة العسكرية والأمنية، الذين يتنقلون كثيرا بين عدة مناطق من البلاد وهم يؤدون مهامهم الوظيفية خلال مسيرتهم المهنية.
نجاحات ذات عمق ديموغرافي يعيشها المجتمع الجزائري كاتجاهات ثقيلة لا تمنع ظهور بعض العوائق التي تمثلها بعض القوى الاجتماعية والثقافات الهامشية، التي تطفو كل مرة على السطح للتشويش على هذه الاتجاهات الثقيلة الإيجابية التي يعيشها المجتمع الجزائري، تمنحها الوسائط الاجتماعية حجما أكبر من حجمها الفعلي، كما حصل عندما الترويج لما تفوه به ذلك الشاب الطرقي – اعتذر عنه لاحقا – حول لباس المرأة القبائلية وهو يزور منطقة القبائل لأول مرة في حياته، قادما من الجنوب الكبير المعروف بلباس ساكنته المختلف.

ناصر جابي

اضف تليق

Leave this empty:

شارك

تعليقات الزوار

لا تعليقات