أخبار عاجلة

حمس' تشكو من الاقصاءات في الانتخابات التشريعية المقبلة

بدأت أجواء التوتر السياسي تتصاعد مبكراً في الجزائر مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية المقبلة، بعدما فجّرت حركة مجتمع السلم أول احتجاج حزبي علني ضد ما وصفته بـ"الإقصاءات" التي قالت إنها طالت عدداً من المترشحين، في خطوة أعادت إلى الواجهة الجدل المزمن حول قانون الانتخابات وحدود تدخل الإدارة في المسار السياسي، وسط مخاوف من أن تتحول المعركة الانتخابية إلى ساحة جديدة للشد والجذب بين السلطة والمعارضة.

وحركة مجتمع السلم المعروفة اختصارا باسم 'حمس' لم يسبق أن ثبتت على موقف فكانت حينا في سفينة النظام ضمن أحزاب الموالاة وحينا خارجها في حراك براغماتي سلط الضوء على حالة التشرذم التي طبعت مسيرة سياسية متقلبة للإسلاميين البحثين عن العودة الى المشهد السياسي في مقارعة حزب جبهة التحرير الوطني الحزب الحاكم منذ الاستقلال، بعد أن فشلت في أكثر من مناسبة في تشكيل تحالف للأحزاب الإسلامية.

وبقدر ما يشكل هذا المشهد خارطة حراك ديمقراطي في 'الجزائر الجديدة' (ما بعد بوتفليقة)، إلا أن التشظي الحزبي والانقسامات تشكل تحديا ماثلا.  

وجاء موقف الحركة الإسلامية عقب اجتماع ترأسه رئيسها عبدالعالي حساني شريف، حيث عبّرت في بيان رسمي عن "قلقها" من التوسع في التطبيق الذي وصفته بـ"التعسفي" للمادة 200 الخاصة بمعالجة ملفات المترشحين، معتبرة أن استعمالها يتم بطريقة "انتقائية" ومن دون الاستناد إلى أحكام قضائية نهائية أو أدلة قانونية واضحة.

وترى الحركة أن هذا المسار قد يمس بالحقوق السياسية والدستورية للمواطنين، ويضرب مبدأ تكافؤ الفرص بين المتنافسين، خصوصاً مع اقتراب انطلاق الحملة الانتخابية التي يُفترض أن تشكل محطة لإعادة تنشيط الحياة السياسية واستعادة ثقة الناخبين بالمؤسسات المنتخبة.

ويحمل احتجاج 'حمس' دلالات سياسية مهمة، ليس فقط لأنها أول قوة حزبية تعلن اعتراضها بشكل واضح على آليات إدارة العملية الانتخابية، بل أيضاً لأنها تأتي في ظرف حساس تحاول فيه السلطة الجزائرية تقديم الانتخابات المقبلة باعتبارها جزءاً من مسار "تجديد المؤسسات" وتعزيز الشرعية السياسية بعد سنوات من الحراك الشعبي والأزمات المتلاحقة.

ويرى مراقبون أنه بغض النظر عن هنات محتملة في قانون الانتخابات، فإن اسلاميي الجزائر أو التيار الاخواني دأب على مثل هذه المناورات ليس من باب الإصلاح بقدر ما هو محاولة للعودة للمشهد من بوابة اثارة الجدل والظهور بمظهر المعارض والمبادر في مواجهة السلطة.

ومنذ إقرار قانون الانتخابات الجديد، ظل الجدل قائماً حول عدد من مواده، وعلى رأسها المادة 200 التي تمنح سلطة الانتخابات والإدارة صلاحيات واسعة في فحص ملفات المترشحين وإقصاء بعضهم وفق معايير تتعلق بالنزاهة أو الارتباط بالمال الفاسد أو قضايا أخرى. وبينما تؤكد السلطات أن هذه الإجراءات تهدف إلى حماية العملية الانتخابية من الاختراقات المشبوهة، ترى أطراف معارضة أن غموض بعض البنود يفتح الباب أمام التأويل السياسي والاستعمال الإداري الانتقائي.

ولا ينفصل هذا الجدل عن النقاش الأوسع المرتبط بقانون الأحزاب والحياة السياسية في الجزائر، حيث تواجه الأحزاب تحديات متزايدة تتعلق بضعف الحضور الشعبي، وتراجع الثقة في العمل الحزبي، فضلاً عن القيود التنظيمية والإدارية التي ترى قوى سياسية أنها تحد من قدرة الأحزاب على التحرك بحرية وبناء قواعد انتخابية حقيقية.

كما أن المشهد السياسي الجزائري ما زال يعيش على وقع حالة من الحذر المتبادل بين السلطة والمعارضة، إذ تحاول الدولة الحفاظ على الاستقرار والتحكم في المجال السياسي في ظل بيئة إقليمية مضطربة، بينما تطالب أحزاب وشخصيات سياسية بهامش أوسع من الانفتاح السياسي وضمانات أكبر لنزاهة الانتخابات.

وفي هذا السياق، حذّرت حركة مجتمع السلم من اتساع دائرة العزوف الانتخابي، معتبرة أن ضعف المشاركة الشعبية قد ينعكس سلباً على الاستقرار الداخلي وحيوية المجتمع والمسار الديمقراطي. ويكتسب هذا التحذير أهمية خاصة بالنظر إلى أن نسب المشاركة في الاستحقاقات السابقة ظلت محل جدل واسع، في ظل شعور متنامٍ لدى قطاعات من الجزائريين بأن نتائج الانتخابات لا تعكس دائماً ميزان القوى الحقيقي داخل الشارع.

ويبدو أن المعركة الانتخابية المقبلة لن تقتصر على التنافس التقليدي بين الأحزاب حول المقاعد البرلمانية، بل ستتحول أيضاً إلى اختبار سياسي يتعلق بمدى قدرة السلطة على إدارة استحقاق انتخابي يحظى بحد أدنى من التوافق والثقة، خاصة مع تصاعد الحديث عن ضرورة تعزيز الشفافية وتحييد الإدارة وإبعاد الشبهات عن سلطة الانتخابات.

كما تكشف التطورات الأخيرة أن ملف الانتخابات ما زال يمثل إحدى أكثر القضايا حساسية في الجزائر، نظراً لارتباطه المباشر بمسألة الشرعية السياسية وإعادة تشكيل العلاقة بين الدولة والمجتمع. ولذلك، فإن أي جدل حول "الإقصاءات" أو حياد الإدارة قد يتحول سريعاً إلى عنصر توتر سياسي يؤثر على صورة الاستحقاق برمته.

وفي خضم هذه الأجواء، تبدو السلطة مطالبة بإدارة دقيقة للتوازنات السياسية والقانونية، بما يضمن الحفاظ على الاستقرار من جهة، وتعزيز الثقة في العملية الديمقراطية من جهة أخرى، في وقت تدرك فيه مختلف الأطراف أن الانتخابات المقبلة ستكون محطة مفصلية في رسم ملامح المرحلة السياسية القادمة في الجزائر.

اضف تليق

Leave this empty:

شارك

تعليقات الزوار

لا تعليقات