في وقت تتزايد فيه الضغوط المناخية والاقتصادية والأمنية على منطقة الساحل الإفريقي، أطلقت الحكومة الموريتانية من نواكشوط طاولة مستديرة مخصصة لتعبئة شركائها الدوليين إزاء إكمال تمويل لخطتها الوطنية الخاصة بالاستجابة للأزمات الغذائية لعام 2026.
وجاءت هذه الخطوة لتعكس تصاعد المخاوف من تفاقم الهشاشة الغذائية، ليس فقط داخل موريتانيا بل على امتداد الحزام الساحلي الإفريقي الذي يواجه واحدة من أعقد الأزمات الإنسانية والغذائية في العالم.
وحمل حضور وزير الشؤون الاقتصادية والتنمية الموريتاني عبد الله سليمان الشيخ سيديا، والمفوضة الحكومية للأمن الغذائي فاطمة بنت خطري، إلى جانب سفراء وشركاء فنيين وماليين لهذه الندوة، رسائل تتجاوز البعد المحلي، إذ إن هذه المشاركة المكثفة تعكس إدراكاً متزايداً بأن الأمن الغذائي أصبح اليوم قضية أمن إقليمي واستقرار سياسي واجتماعي في منطقة الساحل وغرب إفريقيا.
وأكد وزير الشؤون الاقتصادية الموريتاني في مداخلة أمام الندوة «أن موريتانيا وضعت مكافحة انعدام الأمن الغذائي ضمن أولوياتها الوطنية القصوى»، مشيراً إلى أن التغيرات المناخية المتسارعة ألحقت أضراراً عميقة بالموارد الطبيعية والإنتاج الزراعي والرعوي خلال العقود الأخيرة.
وشدد الوزير على أن السلطات الموريتانية أنشأت سنة 2021 «الآلية الوطنية للاستجابة للأزمات الغذائية والتغذوية» بهدف تعزيز التنسيق والتدخل المبكر خلال فترات الشح والجفاف، مبرزا «أن هذه الآلية تقوم على نظام إنذار مبكر يعتمد على المعطيات المناخية والزراعية والأسعار والمسوح الميدانية، بما يسمح بتحديد المناطق الأكثر هشاشة وتوجيه المساعدات بشكل استباقي».
وحذر المسؤولون الموريتانيون خلال الطاولة المستديرة من الوضع الغذائي «المقلق»، خاصة لدى الأطفال دون سن الخامسة والنساء الحوامل والمرضعات.
ويأتي هذا التحذير في سياق إقليمي شديد التعقيد، حيث تواجه دول الساحل، خصوصاً مالي والنيجر وبوركينا فاسو وتشاد، أزمات غذائية متشابكة تغذيها عوامل الجفاف، والتصحر، والاضطرابات الأمنية، والنزوح السكاني، وارتفاع الأسعار العالمية. وتُظهر بيانات المنظمات الإنسانية أن سوء التغذية الحاد لا يزال من أبرز التحديات الصحية في أجزاء واسعة من الساحل، حيث تتسبب موجات الجفاف وارتفاع أسعار الغذاء وضعف الخدمات الصحية في زيادة معدلات الهزال لدى الأطفال.
ويؤكد خبراء التغذية المتابعون لهذا الشأن أن الاستثمار في التغذية المبكرة يمثل إحدى أكثر أدوات التنمية فعالية، نظراً لما يترتب على سوء التغذية من آثار بعيدة المدى على التعليم والإنتاجية والاستقرار الاجتماعي.
ووفق تقديرات أممية حديثة، فإن عشرات الملايين في منطقة الساحل وغرب إفريقيا يواجهون مستويات متفاوتة من انعدام الأمن الغذائي الحاد، بينما يظل الأطفال والنساء الأكثر عرضة لسوء التغذية، خاصة في البيئات الهشة والمتأثرة بالنزاعات.
ورغم أن موريتانيا تُعد من أقل دول المنطقة من حيث الكثافة السكانية، فإنها تواجه تحديات غذائية معقدة بسبب طبيعتها الصحراوية واعتماد جزء واسع من سكانها على الزراعة المطرية والرعي التقليدي.
وتشير تقارير دولية إلى أن أكثر من ثلثي الأراضي الموريتانية تقع ضمن المجال الصحراوي، ما يجعل البلاد شديدة التأثر باختلال المواسم المطرية والتغير المناخي؛ كما أدى التوزيع غير المنتظم للأمطار خلال موسم 2025، وفق ما أكدته الحكومة، إلى تراجع الإنتاج الزراعي والمراعي في عدد من المناطق الهشة. وتزداد هذه التحديات مع الارتفاع المستمر في أسعار المواد الغذائية عالمياً، واضطراب سلاسل التوريد الدولية، وهي عوامل تضغط بشكل مباشر على القدرة الشرائية للأسر الفقيرة في البلاد. كما تواجه موريتانيا عبئاً إضافياً مرتبطاً باستقبال اللاجئين الفارين من النزاعات في الساحل، خصوصاً من مالي، حيث أكدت مفوضة الأمن الغذائي أن اللاجئين يشكلون جزءاً «بنيوياً» من خطة الاستجابة الوطنية لعام 2026، في إشارة إلى تحوّل الملف الإنساني إلى مكون دائم في السياسات العمومية الموريتانية.
ويرى مراقبون أن تبني حكومة موريتانيا لمقاربة «الاستجابة المبكرة» يمثل تحولاً في السياسات الحكومية، خصوصاً أن العديد من دول الساحل كانت تعتمد في السابق على التدخل بعد تفجر الأزمات، وهو ما كان يرفع التكلفة الإنسانية والمالية بشكل كبير.
كما تراهن الحكومة الموريتانية على صندوق خاص لتعبئة التمويلات المشتركة بين الدولة والشركاء الدوليين، في محاولة لضمان استدامة تمويل برامج الغذاء والتغذية والحماية الاجتماعية.
أبعاد دولية للأزمة
ولا تنفصل التحركات الموريتانية عن الاهتمام الدولي المتزايد بمنطقة الساحل باعتبارها إحدى أكثر مناطق العالم هشاشة أمام تغير المناخ وانعدام الأمن الغذائي.
فقد حذرت منظمات دولية عدة، بينها برنامج الأغذية العالمي ومنظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة واليونيسف، خلال السنوات الأخيرة من أن تداخل الأزمات الأمنية والمناخية والاقتصادية قد يدفع بملايين إضافية نحو الفقر وسوء التغذية في الساحل.
كما أصبحت قضية الأمن الغذائي مرتبطة بشكل مباشر بالهجرة غير النظامية، إذ يدفع تدهور الظروف المعيشية آلاف الشباب إلى سلوك طرق الهجرة نحو شمال إفريقيا وأوروبا، وهو ما يفسر الاهتمام الأوروبي المتزايد بدعم مشاريع الصمود الغذائي والتنمية الريفية في دول الساحل.
ويرى خبراء أن المجتمع الدولي ينظر إلى موريتانيا بوصفها إحدى الدول الأكثر استقراراً نسبياً في الساحل، ما يمنحها موقعاً خاصاً في استراتيجيات الشركاء الدوليين المتعلقة بالاستقرار الإقليمي ومكافحة الهجرة والتطرف.
تعبئة دولية عاجلة
ودعت الحكومة الموريتانية خلال الندوة شركاءها الدوليين إلى تعبئة التمويلات الضرورية لخطة 2026، لضمان إيصال المساعدات الإنسانية والدعم الغذائي إلى الفئات المستهدفة في الوقت المناسب.
ويؤكد مراقبون لهذا الشأن أن نجاح هذه الخطة لن يعتمد فقط على حجم التمويلات، بل أيضاً على قدرة الدولة وشركائها على بناء استراتيجيات طويلة الأمد تعزز الاكتفاء الغذائي المحلي، وتدعم الزراعة المقاومة للمناخ، وتطوّر شبكات الحماية الاجتماعية، في منطقة باتت الأزمات فيها تتكرر بوتيرة أسرع من قدرة الحكومات على الاحتواء.
وبين ضغوط المناخ، وارتدادات الأزمات الدولية، وتحديات النزوح والفقر، تبدو معركة الأمن الغذائي في موريتانيا والساحل أكثر من مجرد ملف إنساني، بل رهاناً استراتيجياً على الاستقرار الإقليمي ومستقبل ملايين السكان.

تعليقات الزوار
لا تعليقات