كشفت تقارير صحفية غربية عن تحركات سياسية جديدة تتعلق بالملف الليبي، تتضمن تعاقدات مع شركات ضغط في الولايات المتحدة ولقاءات غير معلنة بين شخصيات من الشرق والغرب الليبي، وسط تساؤلات متزايدة حول أهداف هذه التحركات وتوقيتها في ظل تعثر المسار الانتخابي واستمرار حالة الانقسام السياسي في البلاد.
فقد كشف تقرير لصحيفة «واشنطن بوست» عن توقيع شركة الضغط الأمريكية «بالارد بارتنرز» عقداً بقيمة مليوني دولار لتمثيل القائد العسكري في شرق ليبيا ونجله في الولايات المتحدة، بهدف التأثير على صناع القرار وتعزيز موقعهما السياسي داخل دوائر الحكم في واشنطن.
وبحسب التقرير، تشمل مهام الشركة تقديم استشارات استراتيجية، وبناء علاقات مع المؤسسات السياسية في الولايات المتحدة، إضافة إلى متابعة السياسات والتشريعات الأمريكية ذات الصلة بالملف الليبي، والتواصل مع الجهات التنفيذية والتشريعية.
وأشار تقرير «واشنطن بوست» إلى أن هذه الشركة تعد من أبرز مجموعات الضغط في واشنطن، ولديها علاقات وثيقة مع دوائر سياسية نافذة داخل الإدارة الأمريكية، ما يمنح هذا التحرك بعداً سياسياً يتجاوز العمل التقليدي لجماعات الضغط.
ويرى مراقبون أن هذا التعاقد يعكس محاولة لإعادة التموضع على المستوى الدولي، في وقت ما تزال فيه القيادة العسكرية في شرق ليبيا تواجه انتقادات حقوقية مرتبطة بسجل العمليات العسكرية خلال السنوات الماضية، في حين يبرز نجل القائد العسكري كشخصية سياسية صاعدة من خلال اتصالات ولقاءات مع مسؤولين غربيين.
ويشير مراقبون إلى أن الاستعانة بشركات الضغط في واشنطن أصبحت أداة شائعة في الصراعات الدولية، غير أن خصوصية الحالة الليبية تكمن في توقيت هذه الخطوة، التي تأتي في مرحلة تتصاعد فيها النقاشات الدولية حول مستقبل السلطة في البلاد، في ظل استمرار تعثر العملية السياسية.
بالتوازي مع هذه التحركات في الولايات المتحدة، كشف تقرير لموقع «أفريكا إنتليجنس» الفرنسي عن اتصالات ولقاءات سياسية غير معلنة جرت خلال الأشهر الماضية بين شخصيات من الشرق والغرب الليبي، برعاية أو تسهيل من أطراف دولية.
وذكر الموقع الفرنسي أن لقاءً جديداً قد يعقد في العاصمة الأمريكية واشنطن بين مستشار في حكومة الوحدة الوطنية ونجل القائد العسكري في شرق ليبيا، بعد لقاءين سابقين جريا في مدينتي روما وباريس خلال الفترة الماضية.
وحسب تقرير «أفريكا إنتليجنس»، فإن هذه اللقاءات تهدف إلى بحث نتائج الاجتماعات السابقة ومناقشة ترتيبات المرحلة السياسية المقبلة، في ظل استمرار حالة الجمود التي تشهدها العملية السياسية في ليبيا منذ تعثر الانتخابات التي كان من المفترض تنظيمها في نهاية عام 2021.
ويرى مراقبون أن عقد مثل هذه اللقاءات في واشنطن يعكس اهتماماً متزايداً من بعض الدوائر الدولية بإعادة ترتيب التوازنات السياسية في ليبيا، خاصة بعد سنوات من تعثر المبادرات السياسية المتعاقبة.
وأشار تقرير «أفريكا إنتليجنس» إلى أن هذه التحركات قد ترتبط بمناقشة أفكار تتعلق بتشكيل حكومة موحدة جديدة في ليبيا، ضمن ترتيبات قد تسمح باستمرار القيادات الحالية في مواقعها خلال مرحلة انتقالية جديدة دون تحديد موعد واضح لإجراء الانتخابات.
وبحسب التقرير، فإن هذه الاتصالات تجري منذ أشهر بين ممثلين عن الأطراف الرئيسية في الشرق والغرب الليبي، وتركز على قضايا تتعلق بالمناصب السيادية وتشكيل حكومة جديدة وإدارة المرحلة الانتقالية المقبلة.
ويرى مراقبون أن مثل هذه التفاهمات، في حال صحت، قد تعكس توجهاً نحو صيغة تقاسم للسلطة بين الأطراف المتنافسة بدلاً من الدفع نحو انتخابات قد تفرز نتائج غير مضمونة لبعض القوى المحلية والدولية.
ويشير مراقبون إلى أن هذا النوع من التفاهمات السياسية غالباً ما يُطرح في سياقات الأزمات المعقدة بهدف تخفيف التوترات العسكرية وتثبيت الاستقرار الأمني على المدى القصير، إلا أنه قد يؤدي في المقابل إلى إطالة عمر المراحل الانتقالية.
وتثير هذه التحركات تساؤلات أيضاً حول تأثيرها المحتمل على المسار الذي تقوده بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، والتي تسعى منذ سنوات إلى دفع الأطراف الليبية نحو اتفاق سياسي يقود إلى إجراء انتخابات عامة.
ويرى مراقبون أن تعدد المسارات الدولية والإقليمية في الملف الليبي قد يضعف في بعض الأحيان مركزية الدور الأممي، خاصة عندما تظهر مبادرات تفاوض أو تفاهمات خارج الإطار الذي ترعاه الأمم المتحدة.
ويشير مراقبون إلى أن بعض القوى الدولية باتت تتعامل مع الأزمة الليبية بمنطق إدارة التوازنات القائمة أكثر من البحث عن تسوية سياسية شاملة، وهو ما يفسر الاهتمام بترتيبات مؤقتة تهدف إلى تثبيت الاستقرار الأمني حتى وإن أدى ذلك إلى تأجيل الاستحقاقات الانتخابية.
وفي المقابل، يرى مراقبون أن أي ترتيبات سياسية تُبنى خارج مسار دستوري وانتخابي واضح قد تواجه صعوبات في اكتساب الشرعية داخل ليبيا، خاصة في ظل مطالب متزايدة بإنهاء المراحل الانتقالية التي استمرت سنوات.
ويرى مراقبون أن المشهد الليبي يقف اليوم أمام خيارين رئيسيين، يتمثل الأول في الاستمرار في إنتاج ترتيبات انتقالية جديدة قائمة على التوافق بين النخب السياسية، وهو خيار قد يوفر قدراً من الاستقرار المؤقت، بينما يتمثل الخيار الثاني في الدفع نحو مسار انتخابي شامل يتطلب توافقاً وطنياً أوسع وتنازلات سياسية بين مختلف الأطراف.
ويؤكد مراقبون أن مستقبل العملية السياسية في ليبيا سيظل مرتبطاً بمدى قدرة الأطراف الداخلية والداعمين الدوليين على التوصل إلى صيغة توازن بين متطلبات الاستقرار السياسي وضرورة استعادة المسار الديمقراطي عبر انتخابات تنهي المراحل الانتقالية المتعاقبة في البلاد.
تقارير غربية تكشف تحركات ضغط في واشنطن تتعلق بالملف الليبي

تعليقات الزوار
لا تعليقات