أخبار عاجلة

الحرب الأمريكية على إيران… فتًش عن إسرائيل

من المستحيل فهم ما يحصل من اضطراب أمني – سياسي في منطقة الشرق الأوسط والخليج، بعد الحرب المعلنة ضد إيران من قبل الرئيس الأمريكي وقبلها العدوان على غزة، من دون العودة إلى فهم ما تريده إسرائيل، ورئيس وزرائها الحالي نتنياهو تحديدا، لأسباب متعلقة بملفات الفساد التي تنتظره في بلده إذا عادت الأمور إلى الهدوء. إسرائيل التي ترى في وجود الرئيس ترامب في البيت الأبيض للمرة الثانية والأخيرة، بالتهور المعروف عنه وافكاره اليمينية المتطرفة، فرصة تاريخية، من الصعب أن تعود بسهولة، للتخلص من التهديد الإيراني الذي انتقل من الملف النووي إلى الصواريخ الباليستية.
يتم هذا في وقت استطاعت فيه إسرائيل تحييد ما سمي بالأذرع المسلحة المساندة لإيران، كما حصل مع حزب الله والنظام السوري، في انتظار حوثي اليمن وما تبقى من قوى شيعية في العراق، فضلت تحالفاتها المذهبية الضيقة على العمق الوطني العراقي الأوسع.

باختصار استطاعت إسرائيل أن تصل أخيرا إلى مواجهة مع إيران وهي مسلحة بالدعم الأمريكي العسكري والسياسي المباشر، لأول مرة في تاريخ المواجهة، في هذه المنطقة الاستراتيجية، التي يريد ترامب ضمها إلى المنطق الذي فرضته في فنزويلا بعد تحييد الرئيس مادورو، الذي نسيه العالم بسرعة هائلة، نجحت الدعاية الإعلامية والسياسية الأمريكية في تقديمه كرئيس عصابة، وليس رئيس دولة منتخبا – مهما كان موقفنا من نظامه السياسي، الذي لم ينجح في القيام بقراءة جديدة للتحولات السياسية التي فرضها وصول ترامب إلى السلطة بالنسبة لهذا البلد البترولي الغني بثرواته القريب من البرّ الأمريكي. منطق سياسي أمريكي بأبعاد استراتيجية، لم ينس الرئيس ترامب وهو يدخل فيه، صراعه الجدي الأكثر أهمية مع القوى السياسية والاقتصادية العالمية، على غرار الصين التي تعتمد على هذه المنطقة في مجال الطاقة، ما زالت أمريكا تنظر لها كمنافس جدي على أكثر من صعيد وروسيا الغارقة في الحرب الأوكرانية، وأوروبا المتذمرة من هذه السياسية كما هو حاصل مع إسبانيا بعمقها الجنوب -أمريكي باللون اليساري الغالب، كثقافة ضد الهيمنة الامريكية داخل مجالها الحيوي التقليدي، أو فرنسا التي تريد أن تكون لها قراءة مختلفة ليست بالضرورة تلك السائدة أمريكيا. كما يظهر لدى الرئيس ماكرون، الذي يريد أن يكون له دور في ما يحصل عندما يتعلق الأمر بتبعات هذه الحرب على لبنان، الذي ما زال يتعامل معه الطرف الرسمي الفرنسي كمحمية قديمة، لم يعد قادرا على حمايتها على أرض الواقع. اكتفى بالتركيز فيه على البعدين الديني المسيحي والثقافي -اللغوي، الذي مازالت هذه القراءة الفرنسية التقليدية تركز عليها. الحرب على لبنان التي أكدت من جهة أخرى نقاط الضعف القاتلة التي تنخر الجسم العربي، الذي تدور هذه الحرب على أراضيه. عالم عربي لم تعد إسرائيل تخفي حوله طموحاتها السياسية، تجاوزت مرحلة التطبيع مع دوله، أو حتى مجتمعاته ونخبه، كما عبر عنه بوضوح السفير الأمريكي الحالي في تل ابيب مايك هاكابي، وهو يتكلم عن إسرائيل الكبرى، التي لم نعد في حاجة إلى خبراء ومحللين للكشف عنها وتبيان خطورتها، بعد ظهورها على شكل خرائط مفصلة على مكاتب السفراء والرؤساء الإسرائيليين والأمريكيين، وهم يخططون معا في حروبهم يوميا وعلى مدار الساعة لتجسيدها، كما تدل على ذلك الزيارات المنتظمة للمسؤولين الامريكيين إلى إسرائيل والعكس.
إسرائيل التي لا تريد الدخول في حرب طويلة مع إيران، يتم استنزافها فيها، في وقت لم تعد قادرة على إنجاز حرب خاطفة، كما تعودت عليه مع الأنظمة العربية في أوقات سابقة، في ظل استمرار الغموض حول أهداف الحرب الحقيقية مع حليفها الأمريكي، الذي ليس من مصلحته هو الآخر إطالة أمد هذه الحرب التي يمكن أن يخسر فيها الرئيس الأمريكي الكثير على مستوى الرأي العام الداخلي والخارجي، إذا استمرت لوقت طويل كما يخطط الطرف الإيراني لذلك، رغم هول التدمير الذي يطاله وبكم المفاجآت التي يمكن أن تحصل فيها مازالت قائمة.
حرب يمكن أن تنطلق بسرعة محطتها البرية، اعتمادا على قوى إيرانية من الداخل وليس الجيش الأمريكي، تستغل فيها إسرائيل أخطاء النظام السياسي الإيراني، ونقاط ضعف الجغرافية السياسية الإيرانية بتفاصيلها الإثنية والعرقية، سيتم التركيز فيها على قضم هامش الجغرافية الإيرانية الإثنية الذي تسكنه أقليات عرقية ـ سياسية عابرة للحدود لم تنتظر إسرائيل هذه الحرب الأخيرة للعمل والتنسيق معها ضد نظام طهران، كما بينه كم الاختراقات من كل نوع التي عاشها ويعيشها النظام الإيراني. كما هو حال البلوش، الأذاريين والكرد الذين لم ينجح النظام الإيراني، بما ميزه من خصوصيات تسيير سياسي وأيديولوجي في دمجهم كليا داخل الجسم الإيراني الكبير والمتنوع تاريخيا.
ثغرات ظهرت قبل الحرب الأخيرة، سيزيد منطق المواجهة العسكرية في التركيز على استغلالها، كما ظهر في الموقف من المرأة والكثير من النخب، بما يحيل إليه من حريات فردية وجماعية لم يكن احترامها من شيم هذا النظام، الذي تآكلت شرعيته مع الوقت، وهو يفشل في اقتراح نموذج سياسي قابل للتسويق خارج عمقه المذهبي الذي لم يعرف كيف يتجاوزه، نحو آفاق أرحب، رغم مرور عقود على انطلاق التجربة في نهاية سبعينيات القرن الماضي. شهد فيها العالم تغييرات كثيرة، لم تعرف النخب الدينية الحاكمة في طهران كيف تتعامل معها وهي تعيش حالة عزلة داخلية وخارجية، في مجتمع إيراني يتميز بالكثير من الحيوية الثقافية والسياسية ميزته على الدوام.
ميزات لصالح الطرف الإيراني لن تكون كافية لحسم الحرب، التي يمكن أن تؤدي إلى القضاء على النظام الإيراني بالشكل المعروف به. سترتكب أمريكا ومن ورائها إسرائيل خطأ استراتيجيا قاتلا قد يورط كل المنطقة والعالم، إذا أصرت على محاولة تفكيك البلد بعد تفكيك النظام السياسي وتصفية قيادته الروحية والعسكرية. منطق قد يؤدي إلى عدم استقرار هيكلي يمس كل منطقة الشرق الأوسط والخليج بتبعات غير محسوبة قد تكون أحد تجلياتها اندلاع حروب أهلية -معلنة أو مستترة – داخل الكثير من بلدان المنطقة كمرحلة جديدة من تبعات السابع من أكتوبر 2023 التي مازالت لم تقل كلمتها الأخيرة كما يظهر مع هذه الحرب الإسرائيلية – الامريكية الثانية ضد إيران.

ناصر جابي

اضف تليق

Leave this empty:

شارك

تعليقات الزوار

لا تعليقات