من حقّ كلّ فضائية أن تُحدث ضجّة إعلامية، فينتشر صداها وتصير حديث النّاس، فالضّجة جزء من مهنة الإعلام، وكلّ مؤسسة من شأنها البحث عن السبق، وأن تحتكر خبرًا حصريًا من أجل أن ترفع أسهمها بين المشاهدين، فتتحوّل إلى مصدر للخبر والمعلومة، وكذلك مصدر ثقة للمتفرّجين.
لكن انقضت سنين ولم نشهد فيها ضجّة واحدة بين الفضائيات في الجزائر، لقد زاد عددها، لكنها لم تنعم بحقّ أخبار حصرية، لأنّ ما يجري تداوله في نشراتها الإخبارية إنما أنباء يعرفها النّاس في الغالب، وما تبقى من أنباء فهي أخبار عادية، لا تحرّك شيئًا من حياة المتابعين.
يبدو أنها فضائيات مكتفية بنفسها، يرضيها أن تواصل عملها وكأنها تحصيل حاصل، يهمّها أنها موجودة وأنّها تبثّ وأنها تواصل نشاطها، من غير أن تكسر جمود أيّامها.
فهذه القنوات لم تعد تتسابق صوب الخبر، ليست في منافسة في ما بينها، بل تنتظر أن يصل إليها الخبر، وبعد أن يتأكّد منه الجميع تقوم بثّه في شاشتها.
من الطبيعي أن الخبر مقدّس، لا تهاون في بثّ أخبار غير مؤكدة، بما يفتح الباب أمام تضليل أو الزّيف، ولكن كذلك من المقدّس في المهنة أن تسارع الفضائيات في كسب الخبر طازجًا، أن تراهن على جديتها وسرعتها في العمل واقتناص الأنباء بما يخدم المشاهد، ويقرّبها منه، وأن تكون بوابة له في الأخبار قبل أن يسمعها من مكان آخر، لا سيما من مواقع التواصل الاجتماعي أو من المقاهي أو من أرصفة الشوارع.
مع ذلك يبدو أن الفضائيات في الجزائر تنازلت عن حقّها الإخباري، تصر على بثّ ما يعرفه الآخرون، ولا تغامر بأنباء حصرية، بل إنها تلتزم بدورها في مقعد المشاهد.
كما إن غالبية الأخبار التي نتابعها في شاشاتها تتعلّق بوقائع وأحداث محلية، لأن الخبر الدّولي غائب عن القنوات في الجزائر.
لم تفلح الجزائر في تأسيس قناة تصير واجهة لها في الخارج، رغم المحاولات التي عرفتها السنين الأخيرة، في إنشاء محطات دولية، لكنها محطات إخبارية لم تبلغ درجة الإقناع، بل في بعض المرات قد نصادف قناة تحمل صيغة «دولية»، لكنّها تتكل في نشراتها على أخبار محلية، بينما أخبارها الدّولية فإنها مستوحاة من برقيات وكالات الأنباء الأجنبية، ويرجع الأمر إلى افتقارها إلى مراسلين دوليين، في العواصم العالمية، فإذا استثنيا مراسلًا من فلسطين، لم يسبق أن شاهدنا نشرات أخبار في فضائيات جزائرية تتمتع بشبكة مراسلين من واشنطن أو دبي أو بيروت أو روما أو غيرها من مراكز السياسة والاقتصاد. وكأن هذه الفضائيات يهمّها المشاهد في الدّاخل لا في الخارج، ومن أجل التغطية على عجزها في إتاحة أخبار دولية فإنّها تلجأ إلى ابتكار برامج وبلاتوهات يلتقي فيها ما يطلق عليه محللون استراتيجيون، إنهم فئة تستقي بدورها معلوماتها من وكالات أنباء أجنبية ومن الـ»سوشيال ميديا» قصد مناقشة قضايا الساعة، على غرار العدوان الإيراني على دول الخليج والأردن أو التهديد الإسرائيلي على جنوب لبنان، وغيرها من القضايا الأخرى.
في ظلّ هذا الافتقار للخبر وعدم السعي إليه، وكذلك في ظلّ الانكفاء على الذات وعدم التوافر على مراسلين دوليين، كيف بوسع هذه الفضائيات المحلية أن تقنع المشاهدين بمتابعتها؟ إنّها فضائيات تبحث عن جمهور بحكم أن الجمهور ينصرف إلى مشاهدة القنوات التي تتيح له أخبارًا طازجة وحصرية، لا مجرد أخبار يعرفها الجميع ولا فائدة من تكرارها. وقصد تجاوز هذه الفجوة اهتدت الفضائيات إلى فكرة من شأنها استقطاب الحدّ الأدنى من الجمهور، بتخصيص حصص تناقش الأخبار الجارية في الحين، وعلى الرّغم من أنها حصص لا تفيد الخبر في شيء، لا تقدّم معلومة ولا تمتلك نشر أمر حصري، فإنها تجاري الأحداث، مع أنها حصص تطغى عليها الأنانية على حساب المنطق، يتبارى فيها أساتذة العلوم السياسية أو ساسة أو من المنتمين إلى أحزاب في مناقشة الرّاهن من منطق محلي لا يتطابق مع مجريات الأحداث في العالم. وكلامهم لا ينضوي على براهين أو مستندات أو مراجع، لأنهم ببساطة لا يصلون إلى القناة بعد تحضير العدّة، بل يهمهم إبداء وجهة نظرهم الشخصية إزاء الحدث، هكذا يطغو الرّأي الذّاتي على التحليل المنطقي، يطغى الكلام على العقل، فتصير حصصا من شأنها ملأ ساعة فراغ في الفضائية، لكن عقب الانتهاء منها لن يتذكّر المشاهد سوى وجه الضيوف وينسى كلامهم.
هكذا تبدو الجزائر غائبة عن المشهد الدّولي في وسائل الإعلام، تريد أن يكون له موطئ قدم في ما يحصل، لكن من غير أن تهيئ لمسعاها أرضية، لأن الأمر لا ينحصر في نوايا حسنة ولا في رغبة إعلامية، بل يستلزم خطّة ودعما وصرف أموال. والأموال هي المسألة الحساسة في هذه الفضائيات المحلية، إنها تريد الرّيادة من غير أن تصرف دينارًا، وفي حالات أخرى تريد الرّيادة بصرف الحدّ الأدنى من الأموال.
نعلم أن الإعلام صار صناعة قائمة بحدّ ذاتها، في حاجة إلى استثمار وقت ورؤوس أموال، ولن تتحقق لأي فضائية مكانة بالاعتماد على الرّغبات، بل بالاعتماد على الجهد وما يجود به المعلنون، لكن هذه المعادلة لم تدخل عقلية ملّاك الفضائيات في الجزائر. إنهم مكتفون بما يتيحه لهم مراسلون محليون من أخبار عادية، فيركضون في البحث عن جمهور، مع أنّهم لا يبادرون الى السبق الصحافي ولا في توسيع شبكات مراسلين دوليين، ينتظرون أن ينزل عليهم الخبر مثل تفاحة تنزل على رأس رجل نائم!
سعيد خطيبي

تعليقات الزوار
لا تعليقات