أخبار عاجلة

وزير الفلاحة ياسين وليد يثير نقاشا واسعا بحديثه عن “غول” البيروقراطية

أثارَت تدوينة نشرها وزير الفلاحة الجزائري ياسين وليد تفاعلاً واسعاً على منصات التواصل الاجتماعي بعد أن تناول فيها ما وصفه بثقافة “عُد غدا” المرتبطة بالبيروقراطية داخل الإدارة، وهي الظاهرة التي يشتكي منها الفلاحون والمتعاملون مع المصالح الإدارية منذ سنوات بسبب ما تسببه من تأخر في معالجة الملفات وتعطيل للمشاريع.

وقال الوزير في تدوينته إن بناء اقتصاد قوي لا يمكن أن يتم في ظل ثقافة “ولي لغدوة”، معتبراً أن دور الإدارة، لا سيما في قطاع الفلاحة، يجب أن يتمثل في إيجاد حلول للمواطنين وليس البحث عن مبررات لتعطيل مصالحهم. وأضاف أن الجميع يعلم أن البيروقراطيين يتقنون جيداً مهارة “التحجّج”، في إشارة إلى ما يصفه كثير من الفاعلين في القطاع بتعقيدات إدارية وإجراءات مطولة تؤخر دراسة الملفات.

وأوضح ياسين وليد أن من أولويات القطاع حالياً التقليل من ثقل الإدارة على الفلاحين، مشيراً إلى مجموعة من الإجراءات التي يجري العمل عليها في هذا الاتجاه، من بينها تبسيط الإجراءات الإدارية وإلغاء ما يعتبر غير ضروري منها، إلى جانب رقمنة المسارات الإدارية بالكامل، وتحديد آجال واضحة لدراسة الملفات حتى لا تبقى عالقة لفترات طويلة. كما تحدث عن اعتماد مؤشرات أداء رئيسية لتقييم عمل المسؤولين على المستوى المحلي، إضافة إلى توسيع فرص تولي الكفاءات الشابة لمسؤوليات داخل القطاع.

وأشار من عرف بكونه أصغر وزير في الجزائر عندما تولى حقيبة المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، إلى أن الفلاحة تساهم حالياً بنحو 15 بالمائة من الناتج الداخلي الخام، معتبراً أن أي عرقلة لمصالح الفلاحين بسبب التعقيدات الإدارية تمثل في النهاية ضرراً مباشراً للاقتصاد الوطني.

وكان ما دفع الوزير إلى نشر هذه التدوينة حادثة وقعت له قبل أيام خلال زيارة ميدانية قادته إلى ولاية البليدة، حيث برزت أمامه إحدى مظاهر التعقيد الإداري التي يشتكي منها الفلاحون. فقد رفض أحد الإداريين تسليم بطاقة فلاح لأحد المتعاملين في اليوم نفسه رغم توجيهات الوزير بتسوية الوضعية فوراً، متمسكاً بإجراءات إدارية حالت دون معالجة الملف في الحين.

وأثار الموقف استغراب الوزير الذي انتقد سلوك المسؤول الإداري علناً أمام الكاميرات بقوله “لقد هلكتنا البيروقراطية”، متسائلاً كيف يمكن أن تبقى مثل هذه العراقيل قائمة إلى درجة أنه، بصفته وزيراً، لم يتمكن من حل المشكلة في اللحظة نفسها، فكيف سيكون حال الفلاح البسيط الذي يضطر لمواجهة الإدارة بمفرده.

وقد فتحت هذه الواقعة ثم التدوينة التي تلتها، نقاشاً واسعاً في التعليقات حول جذور البيروقراطية داخل الإدارة العمومية وكيفية معالجتها، خاصة في ظل حديث المسؤولين المتكرر عن محاربة هذه الظاهرة دون أن تختفي فعليا من واقع الجزائريين في كل القطاعات وليس الفلاحة فقط.

وفي هذا السياق، اعتبر الخبير الاقتصادي مجيد سجال أن الظاهرة لا تتعلق فقط بالإجراءات، بل ترتبط أيضاً بثقافة إدارية راسخة. وكتب في تعليقه أن سلوك الموظف البيروقراطي غالباً ما يكون نتيجة تربيته على “الثقافة الإجرائية” وفكرة أن عدم الاجتهاد في النصوص هو الطريق الأكثر أماناً لتجنب المساءلة، إذ يعتقد في كثير من الأحيان أنه يطبق القانون بصرامة ويحافظ بذلك على هيبة الدولة، حتى وإن أدى ذلك إلى تعطيل المصالح.

وأضاف سجال أن هذا السلوك قد يتفاقم أحياناً بسبب الخوف من اتهامات بتقديم امتيازات غير مستحقة، وهو ما يدفع بعض الموظفين إلى التشدد المفرط في تفسير النصوص، فضلاً عن احتمال وجود حالات مرتبطة بالابتزاز أو الفساد. واقترح في هذا الإطار إنشاء هيئة للاجتهاد الإداري والتقني داخل القطاع تتولى دراسة الحالات التي لا ينسجم فيها التطبيق الحرفي للنصوص مع تحقيق المصلحة العامة.

كما دعا إلى تطوير أدوات التسيير داخل القطاع عبر دمج نظم المعلومات الجغرافية مع نظام معلومات فلاحي متكامل يسمح للوزارة بالحصول على معطيات دقيقة ومحيّنة حول مساحات الزرع واستهلاك المياه والإنتاج المتوقع والحقيقي، إضافة إلى تتبع مسار الملفات الإدارية منذ تقديم الطلب الأول.

وفي تعليقات أخرى، أشار بعض الفلاحين إلى أن التعقيدات الإدارية ما تزال حاضرة في الميدان رغم الخطاب الرسمي الداعي إلى تبسيط الإجراءات. وكتب أحد المتفاعلين من ولاية جانت جنوب البلاد أن الشباب الفلاحين في المنطقة ما زالوا يواجهون صعوبات مرتبطة بتأخر دراسة الملفات وتكرار الإجراءات الإدارية، معتبراً أن المشكلة لا تتعلق بالقوانين فقط بل أيضاً بما سماه “العقليات التي لم تتغير بعد”.

وأضاف صاحب التعليق أن بعض المصالح الإدارية ما تزال تنظر إلى المبادرات الجديدة بنوع من التحفظ، خاصة عندما يتعلق الأمر بمشاريع يقودها شباب، داعياً إلى زيارة ميدانية للاطلاع على الواقع بعيداً عن التقارير الإدارية، والاستماع مباشرة إلى انشغالات الفلاحين.

كما تضمنت التعليقات مقترحات لتقليص التعقيدات الإدارية، من بينها إنشاء شباك موحد فعلي في الدوائر الفلاحية يتكفل بجميع الإجراءات المتعلقة بالمستثمرين الفلاحيين، من تسجيل المشاريع إلى الاستفادة من الدعم والقروض، بما يقلل من التنقل بين المصالح المختلفة. ودعا بعض المتفاعلين أيضاً إلى رقمنة شاملة وشفافة تسمح للفلاح بتتبع ملفه خطوة بخطوة، مع تحديد أجل أقصاه خمسة عشر يوماً لدراسة الملفات.

وفي رأي آخر، دعا أحد المتابعين إلى مراجعة النصوص القانونية والتنظيمية وتبسيط الإجراءات بما يتماشى مع التحولات الاقتصادية، إلى جانب إعادة تنظيم العلاقات بين الهيئات المختلفة مثل مديريات المصالح الفلاحية والديوان الوطني للأراضي الفلاحية والغرف الفلاحية، لتفادي تداخل الصلاحيات. كما أشار إلى ضرورة مراجعة آليات الدعم وربطها بالإنتاج الفعلي والمردودية، وتعزيز التكوين المستمر للإطارات، مع الاعتماد بشكل أكبر على الرقمنة والفلاحة الذكية وتطوير سلاسل القيمة.

ويعكس النقاش الذي أثارته تدوينة وزير الفلاحة حجم الانتقادات الموجهة لظاهرة البيروقراطية في الجزائر حيث يرى كثير من الفاعلين أن تعقيد الإجراءات الإدارية وتأخر معالجة الملفات ما يزالان من بين أبرز العوائق التي تواجه المستثمرين، رغم الحديث المتكرر عن إصلاح الإدارة وتبسيط مسارات العمل.

وتتبنى الجزائر منذ فترة سياسة رقمنة الوثائق الإدارية ونجحت نسبيا في دوائر الحالة المدنية والعدالة في تسهيل استخراج الوثائق عن بعد، لكن تبقى قطاعات أخرى عصية على التكنولوجيا بسبب الثقل الإداري الكبير الذي يميزها.

اضف تليق

Leave this empty:

شارك

تعليقات الزوار

لا تعليقات