أخبار عاجلة

صور جميلة تتكرر كل سنة من القرارة بمناسبة صلاة العيد

صورة جميلة تتكرر كل سنة، تأتينا من ولاية غرداية، بمناسبة صلاة العيد، من عند إخواننا بني ميزاب. تعكس كل ما يميز هذه الجهة الجزائرية من خصائص، على غرار اللباس الأبيض الجماعي الجميل، الذي يلبسه أبناء المنطقة بالجزائر بالمناسبة، يشبه إلى حد كبير لباس أبناء الجبل الليبي، الذين يشترك معهم أبناء غرداية في ميزتين. المذهب الإباضي من الناحية الدينية، والعمق الثقافي بلسانه الأمازيغي. كما هو حال سكان جزيرة جربة التونسية في المنطقة المغاربية. احتفالات بقدوم عيد الفطر، تمت هذه السنة في بلدة القرارة 60 ألف ساكن – تبعد عن العاصمة حوالي 600كلم – التي تكوّن مع بلدات أخرى النسيج الاجتماعي الجغرافي في بلاد الشبكة، بمنطقة بني ميزاب كالعطف ومليكة وبني يزقن بولاية غرداية. ينسى الكثير بمن فيهم الجزائريون أن يضيفوا لها جزءا مهما من أبناء ولاية ورقلة، التي يعيش على أرضها جزء من أبناء المذهب. يتمركزون تقليديا في قصر مدينة ورقلة عاصمة الولاية، كدليل على تاريخية هذا الوجود الإباضي في الجنوب الجزائري، الذي انطلق منه، قبل التوجه شمالا نحو منطقة غرداية. احتفالات عرفت هذه السنة حضور وفد عُماني، إذ يشترك جزء مهم من سكانها مع أبناء غرداية في الانتماء للمذهبي الإباضي.
صور جميلة لا تقتصر على ما يميز صلاة العيد، فهي تشمل ما هو أهم من هذه الاحتفالات، التي يصر على حضورها أبناء المنطقة، قادمين إليها من مختلف جهات الوطن، كدليل على الارتباط بمسقط الرأس بكل ما يحيل إليه من روابط قوية ما زالت تميز أبناء المذهب الإباضي الذين لا يمنعهم انتقالهم للعمل في مدن التل كتجار تجزئة في الغالب، حتى ونحن نلاحظ ذلك التنوع السوسيولوجي الذي بدأ في البروز لدى أبناء المنطقة، وهم يتوجهون نحوالعديد من المهن بعد التحولات النوعية التي عرفها المجتمع الميزابي، كجزء من المجتمع الجزائري الكلي، للعودة بانتظام إلى منطقتهم في كل المناسبات، ساعد عليه تطور النقل البري والجوي الذي يربط المنطقة بكل جهات الجزائر ساعد عليه تنظيم العمل التجاري الذي اختاره أبناء المنطقة بما ميزه من طابع عائلي.
ارتباط مع الجهة ساعد عليه من جهة أخرى الزواج الداخلي، الذي ما زال يسيطر على أبناء المنطقة، مقارنة مع أبناء جهات أخرى من الجزائر. زواج داخلي ابتعد عنه أبناء مناطق أمازيغية مشابهة، كما هو حال منطقة الشاوية والقبائل. يمكن أن يحيل إلى المذهبية الدينية لتفسير حضوره القوى بين بني ميزاب دون غيرهم.

زواج داخلي قد يفسر من جهة أخرى قوة أشكال الضبط الاجتماعي التي تميز أساليب التنشئة الاجتماعية داخل الوسط العائلي الميزابي، كما يظهر في السلوكيات اليومية لمواطني هذه الجهة، عبر الجدية البارزة التي قد يصعب تحملها، من دون هذا الزواج الداخلي، بما يضمنه من عدم الابتعاد عن مسقط الرأس والحضور القوي للعائلة، وقيمها الضابط للسلوك، تعلق الأمر بالرجل أو المرأة، التي تعتمد عليها الثقافة المحلية – كما يحصل عادة في كل المجتمعات في إدامة أساليب هذا الضبط الاجتماعي وإعادة إنتاجها، الذي اعتمد عليه المجتمع الميزابي تاريخيا، رغم الهجرات خارج المنطقة التي عرف بها أبناؤه.
مجتمع ميزابي يمنح الجزائر الكثير من مظاهر القوة الناعمة، التي لم تستغل بالقدر الكافي للترويج إعلاميا للجزائر كبلد ومجتمع، بكل التنوع الذي يعرفه، رغم ما اشتهرت به الجهة من انفتاح على السياحة الوطنية والدولية. عرف الميزابون كيف يتعاملون معها بذكاء جعلهم لا يفقدون روحهم، كما يقال، على غرار ما حصل في تجارب دولية أخرى، رغم ما اعترى هذا النشاط السياحي من انتكاسة في السنوات الأخرى، عرف أبناء المنطقة كيف يتجاوزونها. عبر التنويع في نشاطاتهم الاقتصادية التي انطلقت تاريخيا من العمل الزراعي – زراعة الواحة – نحو تجارة التجزئة، لتصل في السنوات الأخيرة إلى العمل الصناعي، الذي تمكن أبناء المنطقة اعتمادا عليه، من بناء نواة بورجوازية صناعية مملوكة للخواص، انطلقت من الجهة نحو آفاق أرحب، اعتمادا على النسيج الصناعي الذي بنته الدولة الوطنية بداية من فترة السبعينيات، خلال حكم الرئيس بومدين. استفادوا في تطويره من نسيج الشبكة التجارية، التي يملكونها على المستوى الوطني تم تطويرها عبر سياسة نقل بري، لم تتوقف حتى في أحلك الظروف التي عرفتها الجزائر، كما حصل اثناء عشرية العنف في تسعينيات القرن الماضي.
عرف الميزابي المسالم، بحسه السياسي الرافض للعنف، وكل أنواع الاستقطاب السياسي كيف يبتعد عنها. استفاد فيها من تجربته التاريخية التي اكتوى فيها من الكثير من مظاهر العنف، وهو يهم ببناء الدولة التي أسسها داخل التراب الجزائري – الدولة الرستمية (160ـ 269هـ/777-909م). قبل القضاء عليها من قبل الدولة الفاطمية.
أبناء منطقة غرداية الذي كانوا قد عبروا عن تخوف عند انطلاق هذه التجربة الصناعية، التي بادرت بها دولة الاستقلال. لتنجح لاحقا البراغماتية الميزابية من الاستفادة منها. طورتها اعتمادا عليها صناعة تحويلية صغيرة في ميدان الحديد والبلاستيك، قام التاجر الميزابي بتسويقها في كل التراب الوطني، اعتمادا على الشبكة التجارية التي يملكها عبر الوطن، اعتمد فيها على النقل البري. استغل فيها انطلاق مشاريع السكن على المستوى الوطني، الذي زاد فيه الطلب على هذا النوع من الصناعات الصغيرة، التي دخلت في تنافس مع الصناعة التركية الحاضرة بقوة على حساب الصناعة الأوروبية.
استراتيجية ذكية كانت دائما حاضرة عند هذه البورجوازية التجارية والصناعية الميزابية، عرفت كيف تستغل فيها نقاط القوة والضعف التي ميزت القطاع الصناعي العمومي، بتسييره البيروقراطي الثقيل، منذ ظهوره خلال التجربة البومدينية في سبعينيات القرن الماضي، تماما كما حصل في قطاع التعليم والتربية الذي كانت وراءه الدولة الوطنية. استفاد منه أبناء المنطقة بقوة، من دون التخلي عن النظام التعليمي التقليدي، الذي عرفت به الجهة، حاولوا من خلاله الاحتفاظ بما يميزهم من خصوصيات مذهبية على وجه الخصوص، من دون الانعزال عن العمق الوطني، الذي يربطهم مع باقي الجزائريين، رغم ما اعترى في محطات تاريخية محدودة، العلاقات مع جيرانهم من أبناء المذهب المالكي، الذين يغلب عليهم الطابع البدوي من الناحية السوسيولوجية، عكس بني ميزاب، نتيجة الصراع على العقار في هذه المنطقة، التي يتعايش فيها الميزابي من سكان القصور مع أبناء المحيط البدوي، الذي يتجه نحو التحضر ودخول المدن بكثافة.
اتجاهات اقتصادية -اجتماعية ثقيلة بعمقها الديموغرافي، زادت في منسوب حدة الصراعات الاجتماعية، في وقت دخلت الجزائر ككل في مرحلة اضطراب سياسي وأمني وصلت آثاره في نهاية المطاف إلى هذه المناطق الجنوبية الهادئة تقليديا.

ناصر جابي

اضف تليق

Leave this empty:

شارك

تعليقات الزوار

لا تعليقات