أخبار عاجلة

الاحتلال يحرم المقدسيين حرية العبادة في المسجد الأقصى

على أعتاب باب العامود، حيث المكان الأكثر شعبية الذي يؤدي إلى المسجد الأقصى، وقف عشرات المصلين من كبار السن منتظرين وعلى أمل أن يسمح لهم الوصول إلى المسجد الأقصى. مر الوقت سريعا وهم في وضعية الانتظار، فيما كان عناصر الشرطة الاحتلالية المحتشدين أمام الأبواب القديمة وعلى أطراف الشوارع لهم بالمرصاد، منعوهم من الاقتراب.. وبعد وقت طويل سمعوا صوت الأذان قادما من بعيد يخرج من مكبرات الصوت الخاصة بالأقصى فاغرورقت أعينهم بالدموع وبدأوا بالدعاء والصلاة.
يقول الحاج المقدسي مؤمن: «للجمعة الثانية على التوالي نمنع من الصلاة في الأقصى، إنه حياتنا وبدونه فإن القلوب تموت، وكل ما نطلبه هو العودة إلى الصلاة في الأقصى، فهو حقنا الشرعي وكفل من الله سبحانه تعالى».
وأضاف الحاج: «أطلب ممن لديه القدرة على التأثير أن يفعل ذلك.. الجمعة العظيمة (اليتيمة/ الأخيرة) من شهر رمضان عادة ما يكون فيها عدد المصلين نحو800 ألف مصل، وقد يصل العدد إلى نحو مليون مصل، وفي المقابل نمنع من الدخول تماما».
وتابع من خلفه مجموعات من شرطة الاحتلال تراقب عشرات المصلين الذين تمكنوا من الاقتراب من أبواب المسجد: «نحن ننتظر شهر رمضان بانتظار العطش.. ونحن ككبار بالسن ننتظر شهر الايمان للتزود بالوقود الايماني والطاقة الايمانية».
ورأى الحاج مؤمن في سلوك الاحتلال الذي أفضى إلى إغلاق المسجد الأقصى والبلدة القديمة في القدس محاولة لإبعاد المسلمين عن الأقصى، إنها «محاولة لإضعاف ديننا.. ومع ذلك نحن هنا.. سنصلي حيث أمكن.. حتى لو صلينا في الشوارع لنا الأجر والرباط».
أما الشاب المقدسي عبد الله فتحدث عن منع المصلين من الوصول للأقصى في الجمعة الرابعة من شهر رمضان قائلا: «اليوم آخر جمعة من شهر رمضان، كل إنسان كان يتمنى أن يُصلي ركعتين في أخر جمعة في الأقصى.. إنها أيام فضيلة. أفضل أيام في عمر الإنسان وهي أيام تأتي مرة من العام للعام.. كل إنسان يطمح أن يصل للأقصى».
وأضاف: «لم نستطع الدخول بحجج كثيرة، وحجج الاحتلال دائماً موجودة، وكي لا نعود خائبين صلينا في الشارع، ربنا سيتقبل الأجر لكننا نتمنى مثل أي إنسان في العالم لديه عقيدة أن ننال حقنا وحريتنا. الجمعة اليتيمة كانت يتيمة حقا.. حسبي الله ونعم الوكيل».
وشدد على أن المسجد الأقصى ليس مكان للصلاة فقط كما يتخيل البعض بل «هو جزء من تكوين المقدسي، إنه في عروقنا، الأقصى جزء من نورنا ونفسنا. ومن دون الصلاة فيه هناك شيء ناقص في حياتنا اليومية».
وحسب المقدسي منير الغول فإن «المسجد الأقصى في الجمعة الأخيرة كان حزينا في رابع جمعة من شهر رمضان، لقد تحولت الجمعة اليتيمة إلى حزينة، لقد افتقد المصلون خصوصية وروحانية هذه الجمعة الأخيرة من الشهر الفضيل».
وتابع: «اضطرّ المصلون بأعداد محدودة وعلى شكل مجموعات متفرقة لأداء الصلوات خارج المسجد الأقصى المغلق لليوم الرابع عشر على التوالي، فيما هناك تخوف من استمرار إغلاقه حتى ليلة القدر».
ورأى الغول أن كل ذلك يأتي بسبب الإجراءات الاسرائيلية التي تغلق من خلالها الشرطة البلدة القديمة وتمنع الصلاة في المسجد الأقصى والكنائس وهذا الإجراء يشل الحركة التجارية في مدينة القدس.
واعتبر المقدسي صلاح أبو قطيش إغلاق الأقصى بمثابة حرمان المسلمين من حق العبادة والصلاة، لقد رأى الاحتلال في ذلك «فرصة لوقف النشاط الديني للمسلمين، حيث لا يسمحوا لأحد بالدخول إلى البلدة القديمة باستثناء سكانها».
وأضاف: «نحن نصلي في الشوارع بالرغم من أنهم يسمحوا للإسرائيليين بالدخول إلى حائط البراق للصلاة، أنا من سكان البلدة القديمة فيما أحفادي محرومين من الدخول للبلدة وزيارتي».
وفي منطقة قريبة كان المقدسي رائد مسودة يصلي على الشارع برفقة عشرات المقدسيين، كان يفرد سجادة الصلاة الخاصة به ويدعو على أمل فتح الطريق لدخول الأقصى.
وقال متحدثا عن شعوره: «إنه شعور مؤلم وحزين، فراق في أيام فضيلة ومقدسة، جمعة حزينة علينا وعلى جميع المسلمين في القدس واخواننا في الضفة والشمال لأنهم لم يسمحوا لنا بالصلاة في الأقصى».
وأضاف: «أن نصلي في الشوارع هذا سيء ومؤلم ومحزن، فيما القدس فارغة لا يوجد فيها أحد، كانت القدس بمثل هذه الأيام مليئة بالناس وعامرة بأهلها وبرواد المسجد الأقصى، لقد منعونا من الاعتكاف والصلاة لكننا نصلي وسنبقى نصلي ومتواجدين».
وبعد ساعات من منع صلوات الشارع في محيط البلدة القديمة في مدينة القدس تواصل المنع الإسرائيلي لساعات المساء، فيما انطلقت توشيحات رمضانية صدحت بها مآذن الأقصى لتضفي على المسجد مزيدا من الحزن والبرودة، فيما صدحت التكبيرات من مجموعات من الشباب المقدسي عند أقرب نقطة استطاعوا الوصول إليها، حيث أقاموا صلاة العشاء والتراويح، رغم المحاولات الكثيرة من الاحتلال لمنعهم.

بيان إدانة عاجز

ولم يثن الاحتلال الإسرائيلي عن ممارساته بحق المسجد الأقصى بيان الإدانة الصادر عن وزراء خارجية ثماني دول عربية وإسلامية قبل أيام، وجاء في بيانهم أن القيود الأمنية المفروضة على الوصول إلى البلدة القديمة في القدس وأماكن العبادة فيها، إلى جانب القيود التمييزية والتعسفية المفروضة على الوصول إلى أماكن العبادة الأخرى في البلدة القديمة، تشكّل انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي والقانون الدولي الإنساني، وللوضع التاريخي والقانوني القائم، ولمبدأ حرية الوصول غير المقيّد إلى أماكن العبادة.
وأكد الوزراء رفضهم المطلق وإدانتهم لهذه الإجراءات غير القانونية وغير المبررة، ولاستمرار إسرائيل في ممارساتها الاستفزازية في المسجد الأقصى/الحرم الشريف وضد المصلين، مشددين على أنه لا سيادة لإسرائيل على مدينة القدس المحتلة ومقدساتها الإسلامية والمسيحية.
كما جدد الوزراء التأكيد أن كامل مساحة المسجد الأقصى/الحرم القدسي الشريف، والبالغة 144 دونمًا، هي مكان عبادة خالص للمسلمين، وأن دائرة أوقاف القدس وشؤون المسجد الأقصى التابعة لوزارة الأوقاف والشؤون والمقدسات الإسلامية الأردنية هي الجهة القانونية صاحبة الاختصاص الحصري في إدارة شؤون المسجد الأقصى وتنظيم الدخول إليه.
وطالب الوزراء إسرائيل، بصفتها القوة القائمة بالاحتلال، بالتوقف فورًا عن إغلاق أبواب المسجد الأقصى، وعدم إعاقة وصول المصلين إليه، ورفع القيود المفروضة على الوصول إلى البلدة القديمة في القدس، والامتناع عن عرقلة وصول المسلمين إلى المسجد.
بدورها رأت محافظة القدس أن سياسات الاحتلال بحق الأقصى والقدس يقابلها تصعيد خطير في خطاب التحريض الذي تقوده ما تُسمّى «منظمات الهيكل» المتطرفة ضد الأقصى.
وأكدت أن ما يجري لا يمكن اعتباره إجراءات أمنية مؤقتة كما تدّعي سلطات الاحتلال، بل يندرج ضمن مسار سياسي وأيديولوجي يهدف إلى تغيير الواقع الديني والتاريخي والقانوني القائم في المسجد المبارك.
ويُشار إلى أن المسجد الأقصى أُغلق إغلاقًا كاملًا بقرار من سلطات الاحتلال، ومُنع أداء صلاة الجمعة فيه 6 مرات منذ احتلال القدس عام 1967 ـ بحسب مختصين.
الإغلاق الأول يوم الجمعة 9 حزيران/يونيو 1967، بعد يومين من احتلال القدس.
الإغلاق الثاني يوم الجمعة 14 تموز/يوليو 2017 عقب عملية إطلاق نار داخل الأقصى، حين حاولت سلطات الاحتلال فرض البوابات الإلكترونية على أبوابه.
الإغلاق الثالث يوم الجمعة 13 حزيران/يونيو 2025 بالتزامن مع الحرب الإسرائيلية الإيرانية التي استمرت 12 يومًا.
الإغلاق الرابع يوم الجمعة 20 حزيران/يونيو 2025 بالتزامن مع الحرب الإسرائيلية الإيرانية التي استمرت 12 يومًا.
الإغلاق الخامس يوم الجمعة 6 آذار/مارس 2026 بسبب الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران.
الإغلاق السادس يوم الجمعة 13/3/2026 بسبب الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران.
ويُذكر أنه خلال عام 2020، ومع انتشار وباء كورونا، لم تُقم صلوات الجمعة الأربع في شهر رمضان داخل المسجد الأقصى، بقرار من مجلس الأوقاف الإسلامية في القدس القاضي بتعليق الصلاة في المسجد للوقاية من الجائحة.
بدورها أصدرت وزارة الأوقاف والشؤون والمقدسات الإسلامية في المملكة الأردنية الهاشمية بيانا صحافيا أعربت فيه عن قلقها البالغ لاستمرار سلطات الاحتلال بإغلاق المسجد الأقصى متذرعة بالأحداث الجارية في المنطقة.
وجاء في البيان أن وزارة الأوقاف هي الجهة الوحيدة والمخولة بإدارة المسجد الأقصى بكافة مرافقه وتوابعه وجميع الأوقاف الإسلامية في القدس الشريف. وطالبت بضرورة العمل على وقف الانتهاكات التي يتعرض لها الأقصى وفتح أبواب المسجد الأقصى المبارك أمام المصلين واحترام قدسيته وحق المسلمين في الصلاة فيه وأداء العبادات دون تضييق أو اعتداء.
بدورها حذرت مؤسسة القدس الدولية من أن إغلاق الأقصى في الجمعة اليتيمة، ليست نهاية الطريق في ظل أن الاحتلال يريد المسجد الأقصى مغلقاً في ليلة 27 رمضان، وفي عيد الفطر أيضاً.
ورأت المؤسسة أنه ما دام الأقصى «مغلقاً بإرادة الاحتلال فواجب فتحه يلحّ علينا جميعاً، وطالبت الأوقاف والحكومة الأردنية أن تعلنا عن فتح الأقصى لتحمي ما تبقى من دورها في الأقصى، وكذلك المرابطين والمرابطات طالبتهم بعدم ترك الأقصى وحيداً ولذهاب للصلاة على الأعتاب.
وجاء في بيانها: «إن أصبحت المئات آلافاً يمكن للمعادلة أن تتغير، وعلى علماء القدس ومرجعياتها أن يدعوا جماهير القدس وفلسطين للصلاة في أقرب نقطة ممكنة من الأقصى، وعلى أئمة القدس أن يعلنوا إغلاق المساجد في الأحياء والتوجه للأقصى، وعلى شعوب الأمة ونخبها أن تتحرك في ساحاتها وشوارعها انتصاراً للأقصى المغلق في وجه الركع السجود في العشر الأخيرة من رمضان».

تناقض واضح

وبحسب منظمة عير عميم (مؤسسة حقوقية تنشط في مدينة القدس) فإن مواصلة سلطات الاحتلال إبقاء المسجد الأقصى مغلقة أمام المصلين، بذريعة «حالة الطوارئ» المرتبطة بالحرب مع إيران. من جهة أخرى، ورغم القيود الصارمة على الصلاة اليهودية في حائط البراق، إلا أن السلطات هناك نجحت في إيجاد ترتيب يسمح بدخول أعداد صغيرة جداً من المصلين لأداء الصلاة.
ورأت عير عميم أنه على مدار سنوات طويلة، شكّلت العشر الأواخر من رمضان في المسجد الأقصى مشهداً روحياً واجتماعياً مميزاً في مدينة القدس، حيث تمتلئ ساحات المسجد بالمصلين، وتقام صلوات التراويح والقيام، وتتحول البلدة القديمة إلى مساحة نابضة بالحياة الدينية والاجتماعية. غير أن الإغلاق الحالي يحرم الفلسطينيين من ممارسة شعائرهم الدينية في أحد أهم مواسم العبادة في الإسلام.
وشددت المؤسسة الحقوقية على أن الاستمرار بالإغلاق يأتي في وقت عادت فيه الحياة في إسرائيل إلى حد كبير إلى طبيعتها، حيث استأنفت المتاجر عملها، وتواصل الموانئ نشاطها، كما تعمل معظم المرافق العامة بشكل شبه اعتيادي. ومع ذلك، يستمر الإغلاق المفروض على المسجد الأقصى، ما يطرح تساؤلات جدية حول الدوافع الحقيقية وراء هذه السياسة.
واعتبرت استمرار إغلاق المسجد الأقصى بالأمر الذي لا يمكن فصله عن سياسة إسرائيلية طويلة الأمد تهدف إلى تقليص الوجود الفلسطيني في الحرم الشريف، وفرض قيود متزايدة على وصول المسلمين إليه، خصوصاً في الفترات الدينية الحساسة التي تشهد حضوراً واسعاً للمصلين.
وقالت المؤسسة أنه في مقابل إغلاق الأقصى، تمتلئ المساجد والكنس في مختلف أنحاء مدينة القدس بالمصلين الذين يمارسون شعائرهم الدينية بشكل طبيعي، في مشهد يبرز التناقض الواضح في السياسات المتبعة.
وتابعت: «إذا كانت السلطات الإسرائيلية تدّعي أن الإغلاق يأتي بدافع الحفاظ على سلامة المواطنين، فإن الواقع في الأحياء الفلسطينية في القدس الشرقية يكشف صورة مختلفة تماماً. فهذه الأحياء تعاني منذ سنوات من نقص حاد في البنية التحتية الأساسية للحماية المدنية، وعلى رأسها الملاجئ العامة، في ظل سياسات إهمال وتمييز ممنهجة».
وختمت قائلة في بيانها: «لو كانت سلامة السكان أولوية حقيقية، لكان من الأولى الاستثمار في توفير الملاجئ والبنية التحتية الوقائية لسكان القدس الشرقية، الذين يعيش مئات الآلاف منهم في أحياء تفتقر إلى الحد الأدنى من مرافق الحماية في حالات الطوارئ».
وبينما يستمر إغلاق الأقصى في العشر الأواخر من رمضان نشر الحاخام المتطرف باروخ مارزل صورة معدة بالذكاء الاصطناعي تظهر قاعدة طائرات تحت المسجد الأقصى معلقاً بسخرية: «لا تنشروا هذه الصورة حتى لا تكشفوا موقع القاعدة السرية لسلاح الجو في القدس».
وتعكس الصورة تحريضا على تنفيذ ما سبق أن دعا له الحاخام يوسف مزراحي بقصف المسجد الأقصى والادعاء بأنه قد دُمر بصاروخ إيراني.
ورأي الباحث المقدسي زياد بحيص أن النوايا واضحة، وإغلاق الأقصى عمل حربي على طريق تحقيق أسطورة الهيكل، وتساءل: «حتى متى نتركه مغلقاً؟».
يذكر أن الحاخام باروخ مارزل كان المساعد المقرب من الإرهابي الهالك مائير كاهانا، وهو أحد شركاء وزير الأمن القومي الصهيوني إيتمار بن غفير في تأسيس حزب «القوة اليهودية»، وهو مستوطن يعيش في «كريات أربع» في الخليل وأحد رفاق منفذ مجزرة المسجد الإبراهيمي باروخ جولدشتاين، وأحد أكبر المحرضين على العدوان المستمر على أهل الخليل.

اضف تليق

Leave this empty:

شارك

تعليقات الزوار

لا تعليقات