أخبار عاجلة

مسرحية تبون والأحزاب المساندة

في دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، ترشح الرئيس الحاكم لفترة أخرى تحصيل حاصل لا يحتاج إلى تكهنات أو جدل. ضمن هذا السياق يجب وضع إعلان عبد المجيد تبون ترشحه لفترة رئاسية ثانية في الجزائر. كان الأمر محسوما منذ شهور وسنوات ليس فيه أيّ مفاجأة أو تشويق.
المفاجأة كانت ستحدث والتشويق يأخذ مجراه لو أن تبون امتنع عن الترشح.
اختار تبون الكشف عن نيته الترشح عبر ما يسميه الإعلام الجزائري «اللقاء الدوري مع الصحافة الوطنية». لكن مع فرق أن هذه المرة اختُزلت الصحافة الوطنية في صحافي واحد يعمل في التلفزيون الحكومي. رتّبت الرئاسة «اللقاء الدوري» وكان الهدف الوحيد من ورائه الكشف عن ترشح تبون، خصوصا وأن نهاية آجال سحب وثائق الترشح اقتربت. لذلك كان سؤال الفترة الرئاسية الثانية الوحيد ذا جدوى طيلة نصف الساعة التي استغرقها «اللقاء الدوري» (عادة يتجاوز الساعة وبمشاركة أكثر من صحافي). بقية الأسئلة والأجوبة عليها كانت للتغطية.
أيضا، اختير «اللقاء الدوري مع الصحافة الوطنية» هذه المرة في اليوم التالي لزيارة تبون إلى ولاية تيزي وزو. احتفت الأوساط الرسمية الجزائرية طيلة أيام بالزيارة واعتبرتها نجاحا مظفرا، نظرا للحساسية (المسكوت عنها) في علاقة تيزي وز ومنطقة القبائل ككل مع منظومة الحكم في الجزائر.
كانت الزيارة إلى تيزي وزو بمثابة تحدّ لتبون ورسالة للداخل والخارج. ولأنها بدأت وانتهت كما خططت لها الرئاسة وأجهزة الدولة، كان لا بد من الاحتفاء بها من خلال إلحاقها بإعلان الترشح لتكتمل الفرحة ويصبح الفصل بين الحدثين صعبا.
اللافت في الأمر أن تبون قال إنه قرر الترشح نزولا عند رغبة الأحزاب والمنظمات والجمعيات. هذا بالضبط ما قاله عبد العزيز بوتفليقة وقبله اليمين زروال. حبذا لو خرج تبون عن المألوف وقال كلاما من قبيل أنه مؤمن بأنه حقق الكثير في الفترة الرئاسية الأولى ويستحق أن يُمنح فرصة ثانية لمواصلة عمله؛ أو أن لديه برنامجا طموحا سيرتقي بالجزائر إلى نادي الدول المتقدمة؛ أو أن السلطة الفعلية راضية عنه وتريده أن يستمر؛ أو، ببساطة، أنه يؤمن بأن الشعب يحبه وسينتخبه مرة ثانية؛ أو أي شيء آخر غير كلام الأحزاب والمنظمات.. أيّ كلام آخر يعطي الانطباع بأن التفكير السياسي في «الجزائر الجديدة» يحاول الخروج من سجنه ولغته المتجذرة منذ منتصف تسعينيات القرن الماضي.
بيد أن ما قاله تبون بصراحة ومن دون مواربة هو واقع الحال، فأثبت لمن يستمع إليه أن الجزائر الجديدة تستلهم من الجزائر القديمة ولا غنى لها عنها.

في الجزائر هناك مشكلة مع الأحزاب والمنظمات التي قال تبون إنه استجاب لرغبتها وقرر الترشح. هي جزء من الشلل السياسي في الجزائر ولا يمكنها أن تكون جزءا من الحل. باختصار هي التعبير الأسمى عن البؤس السياسي في الجزائر وأحد تجلياته.
هناك من يصف تلك الأحزاب والمنظمات بأنها العصابة السياسية في مقابل العصابة المالية التي يقبع الكثير من رموزها في السجون منذ سقوط بوتفليقة في ربيع 2019.
من المؤكد أن تبون يعرف هذا جيدا لأنه جزء من النظام ومُـلمًّا بأساليب عمله. ولا شك في أنه لم ينسَ أن الأحزاب والمنظمات التي ناشدته اليوم الترشح هي ذاتها التي ناشدت زروال قبل ثلاثين سنة من اليوم، ونظمت المسيرات والمهرجانات لإقناعه بالترشح ودعمته. وهي ذاتها التي تنافست على تقبيل صورة الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة ودعمته وهتفت باسمه في كل فتراته الرئاسية، حتى عندما ابتُلي بالمرض وأصبح كسيحا فاقدا لقدراته البدنية والذهنية. وهي ذات الأحزاب والمنظمات التي ستناشد من سيأتي بعد تبون، ولو بعد ثلاثين سنة، الترشح إلى ولاية رئاسية جديدة وتتسابق لدعمه وإعلان الولاء له كما فعلت مع من سبقوه.
الكلام هنا عن «الضغط» على زروال أو «إقناع» بوتفليقة و«مناشدة» تبون مجازي لا أكثر. فهذه الأحزاب هي التعبير الصوتي عن رغبة السلطة الفعلية. لا تملك أي إرادة أو قدرة على الضغط أو الإقناع، ولا تملك ثقافة ذلك. تُؤمر بأن تناشد فتفعل بمغالاة، وتؤمر بألا تناشد فتستجيب صاغرة. بعضها مجرد أجهزة بيروقراطية ضخمة تستنزف موارد الدولة وممتلكاتها وتوزع الغنائم المادية والنفوذ المعنوي على الماسكين بزمامها. وبعضها الآخر عبارة عن تجمعات زبائنية وعائلية تختفي مثل الدببة الشتوية وتظهر مرة في الأربع سنوات لـ«إقناع» مرشح السلطة الفعلية بالترشح، في مقابل فتات الغنائم المادية.
منذ 1992، أخذ البؤس السياسي في الجزائر وجهين: الأول السلطة، والثاني ما يسمى المعارضة ومنظمات المجتمع المدني.
السلطة لعبت دورها بالقمع السياسي وتكريس التصحر الذي مارسته ولا تزال فلم يبق هناك إلا الذين يدعمون مرشحها ويناشدونه الترشح عندما يُطلب منهم. وما يسمى المجتمع المدني والمعارضة لعبا دورهما من خلال تزكية القمع السياسي والمدني الذي تمارسه السلطة، والتواطؤ معها في ذلك.
عندما تبدأ الحملة الانتخابية في شهر آب (أغسطس) سيسمع الجزائريون عن تبون حرفيا نفس عبارات والتمجيد والتأليه التي سمعوها عن زروال ثم عن بوتفليقة. ولا غرابة لو تكررت مشاهد تقبيل صورته والتقاط الصور معها طالما أنه لن يستطيع حضور كل المهرجانات الانتخابية.
فوز تبون مضمون في كل الأحوال ولا نقاش فيه. تحالف العديد من الأحزاب لدعمه لا معنى له ومثير للاستغراب، إذ لا يوجد منافس قوي أو طرف سيقف في طريق فوزه بالولاية الثانية. لهذا كان في استطاعته أن يترشح بعيدا عن تلك الأحزاب والمنظمات ويبدأ تكريس واقع جديد من دونها ومن دون ثقافة التملق والمناشدات.. ثقافة «الكادر» لكن في مراحلها المبكرة.

توفيق رباحي

اضف تعليق

شارك

تعليقات الزوار

راضي

زريبة

في بلاد العجائب السبع الجنرالات سيتغلغلون في البلاد بشكل مفضوح مقابل إعطاء صك العهدة الثانية لدميتهم كذبون ابن كلبون لتجويع شعب الزريبة

غزاوي

مجرد تساؤل.

مجرد تساؤل. من فرض تبون ولماذا ترشح !!!؟؟؟ المقال أجبرني على العودة إلى لقاء تبون الأخير الذي أعلن فيه ترشحه، لأتأكد من الإجحاف الذي طاله في مقال الحال، الذي لم ينقل كل الحقيقة. وإليكموها في التوضيحات التالية: المقال كان يريد من تبون الراغب في عهدة ثانية أن يرفض أو يتجاهل مطالبة الأحزاب بترشحه. المقال تجاهل على أن تبون ذكر ببعض انجازاته ونسبها للشعب ووعد أنه مادام قد ترشح سيخصص لقاء خاص لتقديم انجازاته. المقال تجاهل أن تبون أكد رغبته في مواصلة عمله لتدعيم انجازاته وإتمامها، والقضاء على ما بقي من رواسب عهد العصابة، للوصول بالجزائر إلى "بر الأمان". المقال تجاهل أن تبون أكد أنه مترشح الجميع، لا سيما الشباب والمجتمع المدني. ومقال الحال وكثير من خصوم تبون يتجاهلون أن الجزائر، أصبحت بحلة جديدة والنفاق السياسي المعهود في السابق أصبح مرفوض، وأن تبون فرض نفسه أكاد أقول على عامة الشعب، ففرض الشعب ترشحه، وسيزكيه بنسبة مشاركة وفوز يحطمان أرقاما قياسية حقيقية ليست مزورة. والسبب إنجازاته، رغم أن كوفيد قلصت من عهدته الى النصف.