تلقى أعضاء غرفتي البرلمان في الجزائر استدعاء لاجتماع طارئ يوم الأحد، في خطوة لم يُكشف رسميا عن جدول أعمالها، وسط تخمينات بارتباطها بالتطورات الأمنية والعسكرية في منطقة الساحل، واحتمال طلب موافقة البرلمان على إرسال وحدات من الجيش إلى خارج البلاد، خاصة في سياق تعزيز التعاون العسكري بين الجزائر والنيجر.
وأفادت مصادر برلمانية بأن مكتب المجلس الشعبي الوطني استدعى النواب لحضور اجتماع طارئ، الأحد، على الساعة الثانية بعد الظهر، مع التشديد على ضرورة الحضور، دون تقديم توضيحات بشأن موضوع الاجتماع أو الملفات المدرجة على جدول أعماله. كما تقرر عقد اجتماع مماثل لأعضاء مجلس الأمة في اليوم نفسه، على الساعة العاشرة صباحا.
ولم يصدر، حتى الآن، بيان رسمي يوضح خلفيات هذا الاستدعاء أو طبيعة القرارات التي قد تُطرح خلاله، غير أن سياق الدعوة تزامن مع تحركات دبلوماسية وعسكرية متسارعة بين الجزائر والنيجر، أعقبتها زيارة وزير الدولة وزير الدفاع النيجري، الفريق أول سليفو مودي، إلى الجزائر، ولقاؤه الرئيس عبد المجيد تبون ورئيس أركان الجيش الوطني الشعبي الفريق أول السعيد شنقريحة.
وتأتي هذه التطورات في سياق تجدد الحديث عن إمكانية تفعيل المقتضيات الدستورية التي تسمح للجزائر بإرسال وحدات عسكرية إلى الخارج، بعد تصريحات للرئيس تبون أكد فيها أن الجزائر لن تتوان في الدفاع عن المصالح المشتركة التي تربطها بأصدقائها في منطقة الساحل، مشددا في الوقت نفسه على أن ذلك لا يعني التخلي عن العقيدة العسكرية الجزائرية القائمة على احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها.
وكان وزير الدفاع النيجري قد زار الجزائر الثلاثاء، حيث بحث مع المسؤولين الجزائريين سبل تعزيز التعاون العسكري والأمني بين البلدين، في وقت تشهد فيه النيجر ومنطقة الساحل عموما تحديات أمنية متزايدة، على خلفية نشاط الجماعات المسلحة والتنافس الإقليمي والدولي.
وقال رئيس أركان الجيش الجزائري الفريق أول السعيد شنقريحة، خلال استقباله المسؤول النيجري، إن الزيارة تندرج ضمن ما وصفه بـ”الديناميكية المتجددة” التي تعرفها العلاقات الثنائية، وتعكس إرادة قيادتي البلدين في تطوير التعاون، لا سيما في المجالين الدفاعي والأمني. من جهته، عبّر وزير الدفاع النيجري عن تطلعه إلى تعزيز التعاون العسكري، مشيدا بمستوى التنسيق القائم بين الجزائر وبلاده.
وكان التعاون العسكري بين الجزائر والنيجر قد شهد خلال الأشهر الماضية خطوات عملية، إذ قدمت الجزائر، مطلع أغسطس الماضي، هبة عسكرية للجيش النيجري شملت أربع مروحيات وذخائر وقطع غيار وتجهيزات للصيانة والدعم اللوجستي.
وفي 30 أغسطس، أرسلت الجزائر أربع مقاتلات من طراز “سوخوي سو-30″، مرفوقة بطائرة للتزود بالوقود جوا، إلى العاصمة نيامي، في أعقاب إحباط محاولة انقلابية شهدتها النيجر. وأثارت هذه الخطوة اهتماما بالنظر إلى طبيعة المعدات العسكرية المستخدمة وتوقيتها، وما قد تعكسه من مستوى التنسيق بين البلدين.
وكان الرئيس تبون قد تحدث، في تصريحات سابقة، عن قرار إرسال طائرات عسكرية إلى النيجر، رابطا الخطوة بتطورات قال إنها أعقبت عودة الوزير الأول النيجري علي محمد الأمين زين من زيارة إلى الجزائر، في إشارة لمحاولة الانقلاب التي تعتقد الجزائر أنها مدعومة من قوى خارج المنطقة.
وتنص المادة 91 من الدستور الجزائري، على أن رئيس الجمهورية، بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة والمسؤول عن الدفاع الوطني، يمكنه اتخاذ قرار بإرسال وحدات من الجيش الوطني الشعبي إلى خارج الوطن بعد مصادقة البرلمان بأغلبية ثلثي أعضاء كل غرفة من غرفتيه.
وفي هذا السياق، ربط مسؤول الإعلام في حركة مجتمع السلم الممثلة داخل البرلمان، عبد المنعم بن حمدة، بين الاجتماع البرلماني والتحولات الأمنية في منطقة الساحل، معتبرا أن جدول الأعمال يبدو مرتبطا بتعزيز التعاون الأمني والعسكري وحماية الأمن القومي الجزائري وتأمين عمق البلاد الجيوسياسي.
وطرح بن حمدة، في منشور بشأن العلاقات الجزائرية النيجرية، تساؤلات حول أهداف التحركات الأخيرة، مشيرا إلى أن التعاون العسكري مع النيجر قد تكون له أبعاد استراتيجية تتجاوز الدعم الدفاعي المباشر، لتشمل التطورات المحتملة في ليبيا والتوازنات الإقليمية المحيطة بالجزائر.
كما تحدث عن معطيات متداولة بشأن احتمال منح الجزائر حق استخدام قاعدة ماداما العسكرية في شمال النيجر، وهي فرضية لم تؤكدها البيانات الرسمية المعلنة عن زيارة وزير الدفاع النيجري أو الاتفاق العسكري الأخير. وربط المسؤول الحزبي هذا الاحتمال بأهمية الموقع الجغرافي للقاعدة وقربه من المجال الليبي ومناطق أخرى تشهد تنافسا إقليميا ودوليا.
وتناول بن حمدة، كذلك، ما اعتبره ضرورة استعداد الجزائر لمواجهة التهديدات المحتملة في محيطها الإقليمي، في ظل ما تشهده منطقة الساحل من تغيرات أمنية وتحالفات متحركة. غير أن ما أورده بشأن استخدام القاعدة العسكرية والأهداف الاستراتيجية المحتملة يظل ضمن قراءته للتطورات، وليس تأكيدا رسميا لوجود اتفاق بهذا الخصوص.
وظلت الجزائر في عقيدتها العسكرية متمسكة بمبدأ عدم إرسال قواتها إلى الخارج، مع استثناءات محدودة كان أبرزها مشاركتها في الحرب العربية الإسرائيلية عام 1973، حين قدمت دعما عسكريا فاعلا للجبهة المصرية.
غير أن التحولات الإقليمية فرضت مراجعة تدريجية لهذه الاستراتيجية، خصوصا مع تصاعد الاضطرابات في الجوار الجنوبي والشرقي للجزائر، على خلفية أزمتي مالي وليبيا، وما رافقهما من تهديدات أمنية متزايدة. ومهدت هذه التطورات لإدراج مادة في التعديل الدستوري سنة 2020 تتيح لرئيس الجمهورية، بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة ووزير الدفاع الوطني، إرسال وحدات من الجيش إلى الخارج، شريطة الحصول على موافقة البرلمان، بما يفتح المجال أمام مشاركة عسكرية خارج الحدود ضمن ضوابط دستورية محددة.

تعليقات الزوار
لا تعليقات