تتجه المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران نحو مرحلة أكثر خطورة، مع إجلاء واشنطن أفراداً من قواعد عسكرية في الشرق الأوسط تحسباً لهجمات إيرانية محتملة، بالتزامن مع استعداد سفنها الحربية لاحتمال تنفيذ ضربات جديدة ضد طهران، في وقت لا يزال فيه الرئيس الأميركي دونالد ترامب يدرس خيارات عسكرية تشمل منشآت نووية وجزراً خاضعة للسيطرة الإيرانية، من دون اتخاذ قرار نهائي حتى الآن.
ونقلت صحيفة 'وول ستريت جورنال'، مساء السبت عن مسؤولين أميركيين أن الاستعدادات الإيرانية لاستهداف أميركيين في الشرق الأوسط وصلت إلى مراحل متقدمة، الأمر الذي دفع واشنطن إلى اتخاذ تدابير احترازية لحماية قواتها، فيما تستعد السفن الحربية الأميركية في المنطقة لاحتمال تنفيذ ضربات خلال الأسابيع المقبلة. وأشار مسؤول في البحرية الأميركية إلى أن عدد السفن العاملة في المنطقة سيرتفع إلى أكثر من 24 سفينة.
وتشير هذه التحركات إلى أن واشنطن لا تكتفي باستخدام التهديد العسكري أداةً للضغط السياسي، بل تعمل أيضاً على تهيئة قواتها للتعامل مع احتمال اتساع المواجهة، غير أن الانتقال من الاستعداد العملياتي إلى قرار شن هجوم واسع يظل مرتبطاً بحسابات سياسية وعسكرية، وبمدى استعداد الإدارة الأميركية لتحمل تبعات رد إيراني قد يمتد إلى قواعدها ومصالحها وحلفائها في المنطقة.
استعدادات تتجاوز الضغط السياسي
وتفيد تقارير 'بلومبرغ' بأن إيران تستعد لاحتمال تعرضها لحملة قصف أميركية جديدة، وتعمل على تهيئة خيارات الرد في أنحاء المنطقة. وترى مصادر مطلعة أن الفترة الواقعة بين انتخابات التجديد النصفي الأميركية المقررة في 3 نوفمبر/تشرين الثاني وبداية عمل الكونغرس الجديد مطلع يناير/كانون الثاني قد تشهد تصاعداً في التوتر، في ظل تعثر المسارات السياسية واستمرار الاستعدادات العسكرية لدى الطرفين.
ويطرح توقيت التحركات الأميركية احتمالين متداخلين: الأول أن إدارة ترامب تسعى إلى رفع كلفة الرفض الإيراني وإجبار طهران على تقديم تنازلات، مستفيدة من الحشد العسكري وإظهار الجاهزية لضرب أهداف حساسة. والثاني أن واشنطن تستعد فعلياً لعملية عسكرية إذا خلصت إلى أن الضغط والاتصالات السياسية لم يحققا النتائج المطلوبة.
وتعزز زيادة عدد السفن الحربية وإجلاء بعض الأفراد من المواقع المعرضة للخطر فرضية الاستعداد الجدي، لكنها لا تعني بالضرورة أن الهجوم بات وشيكاً، فإعادة التموضع قد تكون أيضاً إجراءً دفاعياً لتقليل الخسائر المحتملة إذا اندلعت المواجهة، فيما يمنح نشر القوات والقدرات الإضافية القيادة الأميركية خيارات أوسع لتنفيذ عمليات محدودة أو حملة جوية أكثر اتساعاً.
مضيق هرمز في قلب التصعيد
وتتزامن هذه التطورات مع تصاعد المخاطر على الملاحة البحرية. ونقلت وكالة 'بلومبرغ' عن مسؤولين في قطاعي الشحن والأمن البحري أن إيران كثفت هجماتها على سفن في مضيق هرمز أو بالقرب منه، وأن الهجمات الأخيرة تسببت في أضرار أكبر مقارنة ببدايات الصراع، مع استخدام صواريخ موجهة بدلاً من الطائرات المسيّرة في بعض الهجمات.
ويمنح هذا التطور المواجهة بُعداً يتجاوز المنشآت العسكرية والنووية، إذ أن استهداف السفن يهدد حركة التجارة وإمدادات الطاقة ويرفع احتمالات اتساع الأزمة إلى مواجهة بحرية مباشرة. كما قد يدفع واشنطن إلى تبرير تحركات عسكرية إضافية باعتبارها ضرورية لحماية الملاحة، بينما يمكن لطهران استخدام الضغط على الممرات البحرية لتعزيز أوراقها التفاوضية ورفع كلفة أي هجوم عليها.
ثلاثة سيناريوهات للمواجهة
يتمثل السيناريو الأول في استمرار الضغط العسكري من دون شن هجوم واسع، عبر تعزيز الانتشار البحري ورفع الجاهزية وحماية القوات، بالتوازي مع إبقاء باب التسوية مفتوحاً. أما الثاني فيقوم على تنفيذ ضربات محدودة تستهدف منشآت أو قدرات عسكرية إيرانية، بهدف فرض معادلة ردع جديدة من دون الانزلاق مباشرة إلى حرب شاملة. ويتمثل السيناريو الثالث في إطلاق حملة عسكرية أوسع تستهدف منشآت نووية وعسكرية، بما قد يستدعي رداً إيرانياً على القوات الأميركية ومصالحها الإقليمية.
ويحمل السيناريو الأخير مخاطر أكبر، لأن الرد الإيراني قد لا يقتصر على القواعد الأميركية، بل يمكن أن يشمل الملاحة البحرية وأهدافاً أخرى في المنطقة، ما يوسع دائرة المواجهة ويهدد أمن الطاقة والاستقرار الإقليمي.
واستنادا لما سبق تبدو الاستعدادات الأميركية أكثر جدية من مجرد رسائل تهديد، لكنها لا تحسم أن قرار الحرب قد اتُّخذ. وستظل المؤشرات الأهم في المرحلة المقبلة مرتبطة بحجم التعزيزات العسكرية وطبيعة إعادة انتشار القوات، وما إذا كانت واشنطن ستواصل استخدام هذه التحركات لانتزاع تنازلات، أم ستنتقل إلى تنفيذ ضربات فعلية إذا تعثرت الحسابات السياسية. وتبقى قدرة الطرفين على تجنب سوء التقدير عاملاً حاسماً في منع تحول الاستعدادات المتبادلة إلى مواجهة أوسع.

تعليقات الزوار
لا تعليقات