انتخابات الجزائر المحلية، التي يقاطعها المرشح لها بعد المقترع فيها. تمثل خلاصة المشهد السياسي في البلد وهو على أبواب انتخابات محلية يفترض تنظيمها في 28 نوفمبر2026. آخر من تطرق لها كان رئيس الجمهورية في تصريح له تكلم فيه عن «نوع من العزوف»، عن الترشيحات للاستحقاق الانتخابي المحلي، تمس في المقام الأول الشباب المثقف المعول عليه لإنجاح تحدي هذه الانتخابات، كما وصفهم الرئيس وهو يعبر عن عدم فهمه لهذا السلوك لدى الشباب، رغم ما يضمنه له قانون الانتخابات من تمويل جزئي لحملاتهم الانتخابية. موقف أحال الرئيس في تفسيره إلى الخوف من المسؤولية التي تميز هذا الجيل، عكس الأجيال الكبيرة التي ارتبطت بالثورة والحركة الوطنية.
ليبقى المشهد الحزبي أكثر ارتيابا، وهو يعايش يوميا هذا العزوف، الذي مسّ كل أنواع الطيف السياسي، قد يتحول إلى محطة لاختفاء بعض الكيانات الحزبية الصغيرة، إذا تأكد فيها ما حصل في تجربة التشريعيات الأخيرة.
انتخابات تعيش آخر أيام إيداع الملفات هذه الأيام. كانت في السابق تعرف تزاحما وحالة تنافس لم تعد قائمة هذه المرة، إذا استثنيا البعد العائلي الضيق والتقليدي – الذي ما زال يغري بعض بقايا العروش والقبائل التي ما زالت تصر على إيصال أبنائها إلى هذه المناصب، في مناطق الداخل في الهضاب العليا والجنوب. مقارنة بما كان يحصل في السابق عندما كان الامر يتعلق بالانتخابات التشريعية على سبيل المقارنة.
حالة سأحاول الاعتماد لتفسيرها، على دراساتي التي أنجزتها عن الانتخابات بكل أنواعها في مرحلتي الأحادية والتعددية. زيادة على ما يمكن الوصول إليه من ملاحظات للمشهد السياسي الوطني وقراءات قد تساعدنا على فهم هذا المأزق الذي تعيشه الانتخابات في الجزائر. اعتمادا على نظرة للمشهد تعتمد على المدى الطويل وليس الحدثي القصير، التي يمكن الولوج لها من خلال تلك المكانة المتدنية التي تحتلها السلطة المحلية كمركز قرار في الهيكل العام للدولة، عند اتخاذ القرار، لم تعد صالحة ولا مقبولة من قبل الفئات المتعلمة التي يتوجه لها الخطاب الرسمي لحثها على الترشح للسلطة المحلية، اعتمادا على عاملي السن والتحصيل العلمي. لنكون أمام سوء تفاهم بين الطرفين، يعكسه المآزق الذي تعيشه هذه الانتخابات التي ترفض الكثير من النخب المتعلمة النظيفة التورط فيها حفاظا على سمعتها. مقارنة بالفرص التي تتوفر لديها في مجالات عمل أخرى. وكأن السلطة المحلية بالصلاحيات الضعيفة التي تمنحها في الغالب – إذا استثنينا المدن الكبرى ـ ليست كافية لإغراء الكثير من النخب دخول مغارة علي بابا التي تمثلها السلطة المحلية البلدية، التي تحولت الى ممر في اتجاه واحد يوصل نحو السجن والملاحقات القانونية من كل نوع، مباشرة، لم يعد يهتم بها إلا أصحاب المشاريع الملتوية في الوصول إلى المال العام، كما تظهره مستويات الرفض الكبير للترشيحات التي لا يضاهيها إلا أعداد المنتخبين المعاقبين بتهم الفساد بعد كل انتخاب، بكم العطالة التي تمس البلديات نتيجة عدم التفاهم بين أعضائها المنتخبين.
نحن أمام وضع لم تعد فيه السلطة المحلية البلدية والولائية مغرية للكثير من الفئات الشابة المتعلمة نظيفة اليد، التي ترى أن المجلس الشعبي الولائي والبلدي لم يعد حافزا كافيا لتبرير المشاركة في هذه الانتخابات، لذا أصبح من الضروري إصلاحها لأنها فقدت بريقها، ولم تعد تهم إلا الوجوه التي تملك فرصا للوصول لرئاسة المجلس ذاته، أو كممر للوصول إلى مجلس الأمة الذي ما زال يغري جزءا من المترشحين، تبقى أعدادهم محدودة في نهاية الأمر، رغم زيادة عدد الولايات في المدة الأخيرة، ما يستدعي إصلاح السلطة المحلية ومنحها صلاحيات أوسع إذا أردنا فعلا أن تكون مجالا للتنافس بالنسبة للشباب المتعلم الذي قد يهتم بالعمل السياسي، عبر الانتخابات المحلية. عمل إصلاحي جذري لمؤسسات الدولة ما زالت الجزائر في حاجة إليه يتخوف منه صاحب القرار، صاحب الثقافة السياسية اليعقوبية حتى الآن كجزء مما سميته أكثر من مرة بالإصلاحات النوعية التي تبقى الدولة الوطنية في حاجة إليها، بعد التحولات من كل نوع التي تعيشها الجزائر، على غرار انتشار التعليم الذي مس كل الفئات والجنسين كما تؤكده نسبة المهندسات في الجزائر التي تحتل المكانة الثانية دوليا في نسبة المهندسات. يمكن أن يسهمن في تأنيث السلطة المحلية وتحسين أدائها في الوقت نفسه، إذا انفتح الحزب السياسي أكثر على المرأة المتعلمة وقرر ترشيحها للسلطة المحلية.
إصلاح يمكن من جهة أخرى أن يؤدي إلى إغراء النخب المركزية بالترشح للانتخابات المحلية، كما هو حال الإطارات العليا المؤهلة، مثل الوزراء السابقين الذين لم يترشح منهم إلا وزير واحد حسب علمي، هو الدكتور عبد الحميد أبركان في بلدية الخروب الذي تبناه أهلها هو ابن العائلة القادمة من جيجل القريبة ـ عاد إلى السلطة المحلية بعد منصب الوزارة.. أنجز تجربة معقولة رغم العراقيل الهيكلية التي لم يسمح بها الإطار المؤسساتي، علما بأن توجه هذا النوع من النخب المركزية إلى العمل السياسي المحلي، سيؤدي حتما إلى توازنات جديدة داخل النخب كما بدأت بعض ملامحه في الظهور في السنوات الأخيرة، عبر ظهور وزيرات من صاحبات التجربة المحلية، الوزيرة المكلفة بالعلاقات مع البرلمان ورئيسة المجلس الشعبي الوطني الجديدة. في انتظار أن يتم توفير الشروط السياسية ليحصل العكس في الاتجاه، من الأعلى الوطني نحو الأسفل المحلي. وهو ما يتطلب حل عقدة التقسيم الإداري ـ الجغرافي، يتم فيه منح سلطات أوسع للمناطق – أكبر من الولايات – التي ما زالت تخيف صاحب القرار الغيور على صلاحياته المركزية، التي لا يريد أن ينازعه فيها مركز القرار المحلي بما يحيل إليه من خوف من «الشعب «والمواطن. المتهم بعدم معرفته بمصلحة الدولة والبلاد التي قررت هذه النخب الحاكمة أنها الوحيدة التي تعرفها وتدافع عنها عبر احتكار القرار. توسيع في صلاحيات المناطق وكل السلطة المحلية، كفيلة بجعل النخب الجديدة المتنوعة والمؤهلة التي أفرزتها التحولات الاجتماعية ـ الثقافية في البلد تهتم بل تتنافس من أجل الوصول على رأس مؤسساتها المنتخبة، تستطيع أن تعبر من خلالها على ما يزخر به التنوع الثقافي ـ الاجتماعي للجزائر، ليس على مستوى الرجال والنساء فقط، بل على مستوى المناطق في تنوعها الذي سيزيد في تمتين اللحمة الوطنية، إذا عرفنا كيف نولف بشكل جيد بين المحلي والوطني ونحن ننطلق من جديد في بناء الدولة الوطنية.
ناصر جابي

تعليقات الزوار
لا تعليقات