أخبار عاجلة

جدل إقصاء المترشحين يتصاعد بين رئيس سلطة الانتخابات و عدة أحزاب في الجزائر

 لم يهدأ الجدل بشأن إقصاء مترشحين من قوائم الانتخابات المحلية المقررة في الجزائر يوم 28 نوفمبر/ تشرين الثاني المقبل، رغم دفاع السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات عن قانونية عملها، إذ تواصل عدة أحزاب انتقاد ما تصفه بالتوسع في استخدام مبررات فضفاضة لرفض ملفات مترشحين.

وفي أحدث رد على الانتقادات، استبعد رئيس السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات، ساعد عروس، وجود عزوف عن الترشح للاستحقاق المقبل، معتبرا أن الأرقام المسجلة تدحض ما وصفها بـ”الادعاءات المروجة” بشأن تراجع المشاركة السياسية، ومؤكدا أن الهيئة تعتمد القانون مرجعا وحيدا في دراسة الملفات واتخاذ القرارات.

وفي مقطع فيديو نشرته الصفحة الرسمية للسلطة على “فيسبوك”، الأربعاء، أوضح عروس أن عدد المترشحين لانتخابات المجالس الشعبية البلدية بلغ 141 ألفا و388 مترشحا، مقابل 115 ألفا و230 مترشحا في انتخابات 2021، بزيادة قدرها 26 ألفا و158 مترشحا، أي بنسبة 22.7 بالمائة. كما بلغ عدد المترشحين للمجالس الشعبية الولائية 21 ألفا و476 مترشحا، مقابل 18 ألفا و910 مترشحين في الاستحقاق السابق، بارتفاع قدره 13.56 بالمائة.

وأشار إلى أن نسبة المترشحين الذين لا تتجاوز أعمارهم 40 سنة بلغت 54.02 بالمائة، بما يعادل 87 ألفا و995 مترشحا، فيما بلغ عدد الجامعيين 78 ألفا و959 مترشحا، بنسبة 48.48 بالمائة من الإجمالي. كما أحصت السلطة 19 ألفا و327 امرأة مترشحة، أي ما يمثل 11.86 بالمائة من مجموع المترشحين.

وبخصوص معالجة ملفات الترشح، قال عروس إن السلطة رفضت ثلاث قوائم بلدية من أصل 5631 قائمة مودعة، بنسبة 0.05 بالمائة، وست قوائم ولائية من أصل 434 قائمة، بنسبة 1.38 بالمائة، مرجعا هذه القرارات إلى عدم استيفاء شرط استمارات التوقيع ووجود ملفات ناقصة لم يتم استكمالها.

وشدد رئيس الهيئة على أن معالجة الملفات تمت وفق الشروط القانونية، وأن قرارات الرفض معللة، مع ضمان حق المعنيين في الطعن أمام الجهات القضائية المختصة. كما أكد أن السلطة تعمل في إطار الحياد والنزاهة والشفافية، مشيرا إلى عقد لقاءات مع رؤساء وممثلي الأحزاب السياسية للاستماع إلى انشغالاتهم وملاحظاتهم.

ويأتي هذا الرد بعد بيانين متتاليين أصدرتهما السلطة يومي 18 و19 أكتوبر/ تشرين الأول الجاري، في محاولة لتوضيح حصيلة الترشحات وشرح أسباب رفض بعض القوائم والملفات، في وقت تصر فيه تشكيلات سياسية على أن الإشكال لا يتعلق فقط بعدد القوائم المرفوضة، وإنما أيضا بقرارات إقصاء مترشحين أفراد وبالمعايير المعتمدة لتقييم أهليتهم السياسية.

وكان البيان الأول قد ركز على مقارنة أعداد المترشحين والقوائم والمقاعد مع انتخابات 2021، بينما عرض البيان الثاني حصيلة مؤقتة لقرارات الرفض، محددا أسبابا تتعلق باستيفاء الوثائق، والتسجيل في القوائم الانتخابية، والسن القانونية، والوضعية تجاه الخدمة الوطنية والإدارة الضريبية، إلى جانب الأحكام القضائية النهائية وبعض الحالات المرتبطة بالصلة بأوساط المال والأعمال المشبوهة وما يتعلق بأخلقة الحياة السياسية.

غير أن هذه التوضيحات لم تنه السجال، إذ انتقل الاعتراض إلى المطالبة بتدخل رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، بعدما اعتبر حزب العمال أن استمرار الإقصاءات يعيد إنتاج الممارسات التي أثارت جدلا خلال الانتخابات التشريعية في يوليو/ تموز الماضي.

وفي بيان صدر في 20 أكتوبر، قال حزب العمال إنه كان ينتظر معالجة أكثر تبصرا وتهدئة لملفات الترشح، بعد ما وصفه بالإقصاءات التعسفية التي طالت أكثر من ثلاثة آلاف مترشح خلال التشريعيات، على خلفية ما سمي بالتحريات الأمنية، معتبرا أن عددا من الحالات استند إلى اتهامات لم تدعمها أحكام قضائية نهائية تسقط الحقوق المدنية والسياسية.

وأضاف الحزب الذي تقوده لويزة حنون أن أسباب الرفض التي كانت متداولة خلال التشريعيات، ومنها الاشتباه في الصلة بأوساط المال والأعمال، استُبدلت في حالات عديدة خلال الانتخابات المحلية بتهمة “المساس بالأخلاق السياسية”، التي وصفها بالغامضة والقابلة لتأويلات واسعة، بما قد يسمح، وفق موقفه، بحرمان مترشحين من حقهم الدستوري في المشاركة السياسية دون أدلة واضحة.

ورأى حزب العمال أن قرارات الإقصاء لا تتعارض فقط مع مبدأ حرية الترشح، بل تمس أيضا حق الناخبين في اختيار ممثليهم، متسائلا عن جدوى تنظيم انتخابات إذا كانت المنافسة تتقلص قبل الوصول إلى صناديق الاقتراع. وأشار إلى حالات قال إنها شملت شبابا يخوضون تجربتهم الانتخابية الأولى، ونساء ومناضلين قدامى ومنتخبين سبق أن جددت لهم عهداتهم الشعبية.

وطالب الحزب الرئيس تبون، بصفته حامي الدستور، بالتدخل لإعادة المترشحين الذين قال إنهم حرموا ظلما من حقوقهم، ووضع حد لما اعتبره مسارا يهدد مصداقية الانتخابات ويضعف مؤسسات الدولة. كما استند إلى تحفظات سابقة للمحكمة الدستورية بشأن المادتين 184 و200 من قانون الانتخابات، بسبب عمومية بعض أحكامهما وما قد تتيحه من تأويلات تمس الحق في الترشح.

ودخل رئيس حزب جيل جديد، لخضر أمقران، على خط الجدل، محذرا من أن تتحول مكافحة الفساد وأخلقة الحياة السياسية إلى مبرر لإقصاء المترشحين بناء على مواقفهم السياسية أو شبهات لا تستند إلى أساس قانوني واضح.

وفي موقفه من القضية، تساءل أمقران عن مدى قانونية رفض ملفات مترشحين بسبب مشاركتهم في الحراك الشعبي، أو اتهامهم بعرقلة انتخابات رئاسية سابقة، أو انتمائهم المهني إلى إدارة الجماعات المحلية، مشددا على ضرورة التمييز بين ممارسة الحقوق السياسية المشروعة وبين الأفعال التي يترتب عليها قانونا الحرمان من الترشح.

وأكد رئيس جيل جديد أن المشاركة في الحراك السلمي أو تبني موقف معارض لا ينبغي أن يشكلا، في حد ذاتهما، سببا للإقصاء، كما أن مجرد الاتهام لا يعادل ثبوت المخالفة. وبشأن موظفي الجماعات المحلية، دعا إلى تحديد الوظائف التي ينص القانون صراحة على عدم توافقها مع الترشح، بدلا من تعميم القيود على فئات مهنية كاملة.

وشدد أمقران على أن كل قرار رفض ينبغي أن يتضمن تعليلا صريحا يحدد النص القانوني والوقائع التي استند إليها، بما يسمح للمترشح بفهم أسباب القرار وممارسة حقه في الطعن. واعتبر أن حماية استقرار المجالس المنتخبة لا تعني الخلط بين المعارضة السياسية والانسداد المؤسساتي، ولا يجوز أن تنشئ التعليمات الإدارية موانع جديدة للترشح خارج ما ينص عليه القانون.

وتتقاطع هذه الانتقادات مع مواقف سبق أن عبر عنها حزب جبهة القوى الاشتراكية، الذي وصف الإقصاءات التي طالت مترشحيه بالواسعة والتعسفية، وقال إنها مست متصدرين للقوائم وإطارات حزبية ومترشحين يتمتعون بامتداد شعبي. واعتبر الحزب أن التطبيق الانتقائي للمادتين الأولى و184 من قانون الانتخابات قد يحول النصوص القانونية إلى أداة للفرز السياسي، بدلا من تنظيم المنافسة وضمان حرية الاختيار.

وربط الأفافاس بين هذه الممارسات ومخاطر تعميق أزمة الثقة في المؤسسات، محذرا من أن يؤدي استمرارها إلى تراجع المشاركة السياسية وإضعاف دور الأحزاب في تمثيل المواطنين. وطالب بإعادة النظر في قرارات الرفض التي قال إنها لا تستند إلى مبررات قانونية وجيهة، وتمكين المترشحين المعنيين من استعادة حقوقهم.

من جهته، قدر رئيس حركة مجتمع السلم، عبد العالي حساني شريف، نسبة القوائم التي طالتها الإقصاءات بنحو 20 بالمائة، وفق تصريحاته، مشيرا إلى أن الأسباب المتداولة تشمل الصلة بأوساط المال الفاسد، والاشتباه في الارتباط بأوساط مشبوهة، وما يتعلق بأخلاقيات العمل السياسي.

وقال حساني شريف إن هذه المبررات تثير إشكالا بسبب غياب معايير واضحة وموحدة، بما يفتح المجال أمام التقدير الإداري في تطبيق القانون. وأكد دعمه مكافحة الفساد وإبعاد المال غير المشروع عن الحياة السياسية، لكنه رفض أن تتحول هذه الأهداف إلى مبرر لإقصاء مترشحين استنادا إلى شبهات لا ترقى، بحسبه، إلى مستوى الأدلة القانونية.

وتستند مخاوف الأحزاب إلى تجربة الانتخابات التشريعية التي جرت في 2 يوليو الماضي، حين أدى رفض ملفات عدد من المترشحين إلى اضطرار تشكيلات سياسية إلى إعادة ترتيب قوائمها والبحث عن بدائل في آجال محدودة. وقد أثارت تلك الإقصاءات اعتراضات بشأن استخدام المادتين 200، الخاصة بالتشريعيات، و184، المتعلقة بالانتخابات المحلية، ولا سيما ما يرتبط بالصلة بأوساط المال والأعمال المشبوهة والتأثير في حرية اختيار الناخبين.

وتكمن نقطة الخلاف الأساسية في تفسير هذه الأحكام وحدود تطبيقها، فالسلطة الانتخابية تؤكد أن القرارات تستند إلى القانون، بينما تطالب الأحزاب بتحديد أكثر دقة للمعايير التي تسمح باستبعاد المترشحين، وبالتمييز بين الموانع القانونية المثبتة والاشتباه أو التقدير الإداري.

وتجري هذه التطورات بينما تستمر إجراءات الطعن أمام المحاكم الإدارية، بالتوازي مع التحضير لعمليات استخلاف المترشحين الذين رفضت ملفاتهم، في انتظار أن يتحدد بصورة أوضح حجم الإقصاءات لدى الإعلان عن القوائم النهائية المعتمدة.

اضف تليق

Leave this empty:

شارك

تعليقات الزوار

لا تعليقات