أخبار عاجلة

مارد «الإعدام» يستيقظ في الجزائر بعد ثلاثة عقود

 أعادت الحرائق الواسعة في الجزائر صيف 2026، حكم الإعدام إلى صدارة النقاش، بعد أن ظل كامنا لأكثر من ثلاثة عقود تم فيها تجميد العقوبة في سياق الأزمة الأمنية التي عصفت بالبلاد نهاية القرن الماضي. لكن هذا القرار لم يمر بدون إحداث ضجة كبرى، أظهرت انقساما واضحا بين مؤيدين بقوة ومعارضين بشدة، في وقت تمضي الحكومة في طريقها متجاوزة هذا الجدل الذي وصل مداه للخارج بعد تدخل منظمات دولية معروفة بمناهضة الإعدام لممارسة ضغوط من أجل ثني السلطات عن هذا التوجه.
وتقترب الجزائر من العودة لتنفيذ حكم الإعدام، بعد أن مر المشروع الذي يوسع نطاق العقوبة بالغرفتين الأولى والثانية للبرلمان ووصل إلى مجلس الأمة. وكانت شرارة الفكرة قد انطلقت في 30 آب/أغسطس، حين وجه الرئيس عبد المجيد تبون وزير العدل بإعداد تعديلات على قانون العقوبات، في أعقاب حرائق ضربت ولايات شرق البلاد، من بينها جيجل، وخلفت قتلى وجرحى وخسائر كبيرة في الغابات والممتلكات والثروة الحيوانية. وقال الرئيس حينها إن من يصدر بحقه حكم بالإعدام سيُنفذ فيه الحكم بمجرد استنفاد حقه في الطعن. وبعد أيام، حدد مجلس الوزراء الجرائم المعنية، وهي «مفتعلو ومدبرو الحرائق عمدا» و«مختطفو القصر والمنكلون بهم».
وفي الخطاب الرسمي، لم تعد الحرائق مجرد كارثة طبيعية فاقمتها موجة الحر والتغير المناخي فحسب، بل هي وفق ما يصرح به المسؤولون من تدبير عناصر إجرامية «تحاول إضعاف الجزائر وتقويض وحدتها». فقد ذكر الرئيس الجزائري في تصريحاته الأخيرة أن التحقيقات كشفت أساليب مثل «إشعال النيران عن بعد» وافتعال بؤر الحرائق بالشموع، وإن بعض المشعلين أشخاص مختلون عقليا جرى استغلالهم، مضيفا أن الوقت سيأتي لكشف التفاصيل.
وسار وزير العدل لطفي بوجمعة في الاتجاه نفسه أمام نواب أعضاء البرلمان بغرفتيه، حين تحدث عن «اكتشاف خطير» أظهرته التحقيقات، وهو وجود أساليب متطورة لإشعال النيران عمدا، مع تورط جزائريين وأجانب. ووصف القرار بأنه «دستوري» وسيادي، يهدف إلى حماية أبناء الدولة وأملاكها، وقال إن الجزائر تبقى ملتزمة بتعهداتها الدولية في حقوق الإنسان، وإن من يتحدث عن هذه الحقوق عليه أن يلتزم بها أولا، في إشارة منه لازدواجية معايير الجهات الغربية المنتقدة.
وعلى الأرض، كانت النيابة تتحرك بالتوازي. ففي 10 أيلول/سبتمبر أودع تسعة أشخاص الحبس المؤقت في ثلاث قضايا بولاية جيجل. وبعدها بأيام أودع أربعة آخرون في تيزي وزو وسطيف، بتهمتي القيام بأفعال تخريبية تعرض حياة الأشخاص وممتلكاتهم للخطر ووضع النار عمدا في الأملاك الغابية للدولة. وقالت النيابة إن بعض القضايا قامت على خبرات علمية واعترافات صريحة وفيديوهات توثق الوقائع، وإن أحد الموقوفين في تيزي وزو قال إنه متعاطف مع حركة «الماك» المصنفة إرهابية في الجزائر. كما صدرت مؤخرا أولى أحكام الإعدام في قضايا الإتجار بالمخدرات والمهلوسات، وفق قانون جديد لمكافحة هذه السموم.

تعديل قانون العقوبات

وفي النص المعروض على البرلمان، وهو مشروع قانون يعدل ويتمم الأمر 66-156 المتضمن قانون العقوبات، تُرجمت الإرادة السياسية وفق محورين. الأول حماية الأطفال، إذ تنص المادة 291، على المعاقبة بالإعدام لكل من يخطف طفلا بأي وسيلة، أو يعذبه أو يعتدي عليه جنسيا أو ينكل به. والثاني الحرائق، من خلال المادة 395 مكرر التي تنص على الإعدام لمن يضع النار عمدا في الغابات والحقول والأشجار والأخشاب المكدسة داخل الغابات.
وتوسع المادة 396 مكرر 1 العقوبة لتشمل الحرائق التي تتم بإيعاز من دولة أو طرف أجنبي، أو في إطار الخيانة والتخابر أو جماعة إجرامية منظمة، أو التي تستهدف الأمن العام والوحدة الوطنية واستقرار المؤسسات والاقتصاد الوطني، أو تضر بالبيئة والثروة الغابية والنباتية والحيوانية والزراعية. وتمد المادة 396 مكرر 2 المسؤولية إلى كل من يحرض على هذه الأفعال أو يشجعها أو يمولها أو يدبرها أو يسهلها بأي وسيلة، بما فيها مواقع التواصل الاجتماعي. وتحرم المواد الجديدة كلها المدانين من الظروف المخففة.
وفي عرض الأسباب المتعلقة بمشروع القانون، برّرت وزارة العدل التشديد بتغير أساليب ارتكاب هذه الجرائم، وبأن آثارها صارت تمس الأرواح والتوازن البيئي والاقتصاد الوطني، وبأنه يجسد «الإرادة السياسية الصارمة للسلطات العليا»، وذكرت أن بعض الحرائق يتم «بإيعاز أجنبي أحيانا».

إحياء
عقوبة لم تلغ

وفي الواقع الميداني، يثبت المسار القضائي في الجزائر أن عقوبة الإعدام لم تُلغ يوما من قانون العقوبات، كما أن المحاكم لم تتوقف عن إصدارها، لكن مع الفارق في أن الجزائر لم تنفذ أي حكم منه منذ 1993. وبحسب منظمة العفو الدولية، يوجد في البلاد نحو ألف محكوم بالإعدام ينتظرون مصيرهم منذ سنوات طويلة. وتشير أرقام المنظمة المعروفة بمناهضتها للإعدام والتي تمتلك مقرا لها في الجزائر، فإن الأحكام تراجعت من 62 حكما في 2015 إلى 50 في 2016 ثم 27 في 2017، لتصل إلى حكم واحد في 2018، قبل أن تعاود الارتفاع.
وتذكّر المنظمة باستمرار بأن الجزائر صوّتت منذ 2007 لصالح قرارات الأمم المتحدة الداعية إلى وقف تنفيذ الإعدام، وبأن المادة 38 من الدستور تنص على أن الحق في الحياة «لصيق بالإنسان يحميه القانون». لذلك، في بيانها الصادر في 15 أيلول/سبتمبر الماضي، وصفت أمنستي القرار بأنه «ضربة قاسية لحقوق الإنسان»، ودعت إلى التخلي فورا عن خطط توسيع العقوبة أو استئناف التنفيذ، وإلى إعلان وقف رسمي لها كخطوة نحو الإلغاء. وقالت إن حجم الدمار والخسائر البشرية «مأساة عميقة» تستدعي التركيز على الوقاية والمساءلة، وإن العودة إلى الإعدام «نكوص شديد».
ولم يكن الجدل في الداخل أقل حدة. ففي المجلس الشعبي الوطني، أيد المشروع جبهة التحرير الوطني وجبهة المستقبل والتجمع الوطني الديمقراطي وحركة البناء الوطني وصوت الشعب، وهي من أحزاب الموالاة التي اعتبرت أن تشديد العقوبة رادع ضروري. كما أيدته حركة مجتمع السلم (معارضة ذات توجه إسلامي) مع شروط، إذ طالبت الحكومة بحصيلة شاملة لأسباب الحرائق ومدى جاهزية الوقاية والإنذار المبكر والتدخل، ودعت إلى عدم اختزال المسألة في التشديد. وقال نائب رئيس الحركة ناصر حمدادوش لـ «القدس العربي» إن «قسوة العقوبة من حجم الجريمة»، وإن الإعدام للردع أكثر منه للتنفيذ، وإنه معمول به في «أعرق الديمقراطيات».
وذهب رئيس جبهة العدالة والتنمية عبد الله جاب الله أحد أبرز الشخصيات الإسلامية أبعد من ذلك، فهاجم المعارضين في تدوينة عنوانها «الشيء من مأتاه لا يستغرب»، ووصفهم بـ«أعداء الشريعة»، وربط موقفهم بالعلمانية التي اعتبرها من «أسوأ المصائب» التي عرفتها الأمة. وردّ عليه الحقوقي سعيد صالحي قائلا إن المطالبين بالإعدام «تجار دين» صمتوا عن العقوبة في سنوات العشرية السوداء، محذرا من من عودة البلاد إلى أجواء التوتر والانقسام.
وفي الجهة المقابلة التي تمثل لفيف «التيار الديمقراطي»، رفضت جبهة القوى الاشتراكية العودة إلى التنفيذ، وقال رئيس كتلتها عبد النور درقيني إن الملف كان يستحق نقاشا وطنيا واسعا بعيدا عن الاستعجال، وإن رفض الإعدام لا يعني التساهل مع الجريمة. وأعلن سكرتيرها الأول يوسف أوشيش أن الجرائم لا ينبغي أن تعالج كرد فعل على الغضب والصدمة. وعارض التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية القرار أيضا على لسان رئيسه عثمان معزوز وتوسيع للعقوبة. كما رفضت القرار لويزة حنون، الأمينة العامة لحزب العمال، بينما دعا حزب جيل جديد إلى البحث في أسباب الحرائق بدل تطبيق الإعدام.
وفي تعبير عن هذا التيار، قال محمد لبدوسي النائب عن التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية في تصريح لـ«القدس العربي»، إن الدولة يجب ألا تخلط بين العدالة والانتقام، وإن هيبة العدالة تقاس بقدرتها على الوقاية من الجرائم وكشف مرتكبيها لا بقدرتها على إزهاق الأرواح، وإن العقوبة «لا رجعة فيها» بينما العدالة البشرية «غير معصومة من الخطأ»، مستشهدا بقضايا صدرت فيها أحكام بالإعدام ثم نقضت.

انتقادات لمشروع القانون

وخارج المواقف الحزبية، يرى المحامي والحقوقي بوجمعة في حديثه مع «القدس العربي» أن قانون العقوبات يتضمن أصلا ما طالب به الرئيس، لأن المادة 399 تنص على الإعدام إذا أدى الحريق العمدي إلى موت شخص أو أكثر. ويضيف أن النصوص الجديدة، حتى لو أقرت، لن تطبق على الحرائق الأخيرة بسبب مبدأ عدم رجعية القوانين، ما يطرح سؤال جدوى التعديل في نظره.
وبالنسبة للرئيس السابق للرابطة الجزائرية لحقوق الإنسان، فإن الجديد الفعلي الذي جاء به القانون هو تطبيق العقوبة على مختطفي الأطفال وإدراج تهم التحريض والتمويل والتسهيل عبر وسائل الاتصال المتعلقة بالحرائق ضمن التهم المشمولة بالإعدام. وهنا حذّر من أن الصياغة الواسعة لبعض الأفعال، مثل التشجيع والمشاركة والتحضير والتسهيل، قد تسمح بالحكم بالإعدام بدون وقوع وفاة وبدون إثبات القصد الجنائي، وهو ما يخالف العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الذي يحصر العقوبة، في الدول التي تبقي عليها، في «أشد الجرائم خطورة» المنطوية على القتل العمد.
وذكّر غشير بأن الجزائر صادقت على العهد، وأن المصادقة تضعه في مرتبة أعلى من القانون الداخلي، ولذلك يتوقع أن يكون للمحكمة الدستورية رأي. وقد أيدت هذه المخاوف رسالة وجهها في 30 أيلول/سبتمبر 2026 مقرران أمميان، أحدهما معني بالإعدام خارج القضاء أو بإجراءات موجزة، والآخر بالتعذيب، إلى الحكومة الجزائرية، حيث قالا إن «الصياغة الواسعة قد تسمح بأحكام إعدام بدون وفاة أو إثبات القصد، وإن حماية الحق في الحياة لا تقتصر على تشديد العقوبات، بل تتطلب تحقيقات فعالة ومستقلة وشفافة لتحديد أسباب الوفيات والمسؤوليات».
ويعيد كل ذلك استحضار سؤال الضمانات واستقلالية القضاء. فوزير العدل يؤكد أن الإعدام لا ينفذ إلا بعد حكم نهائي ورفض طلب العفو من الرئيس، وأن المتهمين يستفيدون من التحقيق الوجوبي وتشكيلة محكمة الجنايات ورقابة غرفة الاتهام والخبرة العقلية والبحث الاجتماعي، وتعدد درجات التقاضي حتى الطعن بالنقض أمام المحكمة العليا. وقال إن نتائج الخبرات والمعاينات في قضايا الحرائق تكون ضمن الملفات القضائية ومتاحة للدفاع.
غير أن المنتقدين يشككون في كفاية هذه الضمانات، وهو ما بدأ يبرز مع احتجاج عائلات بعض الموقوفين في جيجل، الذين طالبوا باحترام قرينة البراءة بعد تداول أسماء أبنائهم وصورهم قبل أي حكم قضائي.
ويدافع الخبير في علم الاجتماع نوري دريس عن تطبيق عقوبة الإعدام، مشيرا إلى أنه لا يرى الإعدام في الجزائر قابلا للاستغلال سياسيا، لأن القانون خصه بقضايا محددة جدا.
وقال نوري دريس لـ«القدس العربي»، إن هناك «طلبا اجتماعيا» على تفعيل عقوبة الإعدام في الجزائر، في ظل تصاعد جرائم خطف الأطفال وترويج المخدرات. وأوضح أن المبررات المقدمة لتعليق تنفيذ عقوبة الإعدام لم تعد، برأيه، قادرة على الصمود أمام تفشي هذه الجرائم، مشيرا إلى أن عددا من البلدان الديمقراطية لا تزال تعمل بهذه العقوبة. وأضاف أن «خطاب حقوق الإنسان قد سقط ولم يعد يقنع أحدا».
وفي سياق الحديث عن العودة لتطبيق حكم الإعدام، طُرح نقاش يتعلق بمسألة التنفيذ نفسها، وكيف ستتم؟ وبحسب ما ذكره المحامي والسياسي عبد الرحمن صالح في تصريح لـ«القدس العربي»، فإن نصوص قانون تنظيم السجون والمراسيم المرتبطة به تاريخيا، تشير إلى أنه لا ينفذ الحكم قبل رفض طلب العفو، ويبلغ وكيل الجمهورية المحكوم عليه برفض التماسه صباح يوم التنفيذ. ويكون التنفيذ رميا بالرصاص بحضور رئيس الجهة القضائية التي أصدرت الحكم وممثل النيابة العامة التي طلبت الحكم بها وموظف عن وزارة الداخلية، والمحامي أو المدافعون عن المحكوم عليه، رئيس السجن وكاتب الضبط ورجل دين وطبيب. ويضيف المحامي أن المحكوم عليه كان ينقل إلى مؤسسات محددة قانونا، ويخضع للسجن الانفرادي ليلا ونهارا إلى حين التنفيذ، الذي يجري عادة بعد منتصف الليل في سرية تامة. ويمنع القانون نشر أي بيان عنه غير محضر التنفيذ وبلاغ وزارة العدل، تحت طائلة الحبس والغرامة.
ويلفت غشير هنا إلى جانب إنساني، فقد عاش المحكومون بالإعدام لسنوات فيما يسميه «أروقة الموت»، وهي في نظره موت بطيء، وطالب مرارا بتخفيف أحكامهم إلى عشرين سنة أو المؤبد دون جدوى، وروى أن رئيس المحكمة العليا عرض عليه طلبات من محكومين يطالبون بالتنفيذ لأن الحياة في هذه الأروقة «أقسى من الموت».

الإعدام والردع

أما عن جدوى العقوبة في الردع، فتبدو المواقف متباعدة. فالمؤيدون يرون أن الإعدام يلجم المجرمين ويحقق الأمن الاستباقي، ويستندون إلى ما يصفونه بطلب اجتماعي متزايد على التفعيل كلما اشتدت الجريمة. وفي هذا الاتجاه يقول نوري دريس إن هذا الطلب قائم بسبب تصاعد جرائم خطف الأطفال وترويج المخدرات، وإن خطاب حقوق الإنسان لم يعد يقنع كثيرين، لكنه يقر بأن خطف الأطفال مشكلة أعمق، لأن كثيرا من مرتكبيه يعانون اضطرابات في الشخصية يصعب معها ردعهم.
أما المعارضون فيذكّرون بأن الإعدام لا يعيد الضحية إلى الحياة ولا يعالج اختلالات الدولة ونقائص منظومتها القضائية، وتؤكد أمنستي أنه لا يتمتع بأثر ردعي استثنائي في مكافحة الجريمة. ويضيف غشير بعدا عمليا، إذ يتوقع أن تصبح العودة إلى التنفيذ ذريعة لدول ترفض ترحيل المحكوم عليهم من القضاء الجزائري، ما قد يعرقل استرجاع الأموال المنهوبة.
وبين هذه المواقف، تبدو الحكومة ماضية في طريقها. فالنص مر بأغلبية مريحة في الغرفة الأولى ثم الثانية، مع أصوات رافضة داخلها وفي صفوف النخبة والحركة الحقوقية، وعرض الآن على مجلس الأمة حيث التصويت عليه مسألة وقت فقط. وتبقى أسئلة كثيرة مفتوحة، منها ما إذا كانت المحكمة الدستورية ستقول كلمتها في تعارض النص مع التزامات الجزائر الدولية، وما إذا كان سيتم فعلا التوقيع على أول أمر بالتنفيذ، وما مصير المحكوم عليهم بالإعدام قبل هذا القانون، وكيف ستتعامل الجزائر مع ضغط المنظمات والهيئات الأممية التي رفضت هذا المسار؟

محمد سيدمو

اضف تليق

Leave this empty:

شارك

تعليقات الزوار

لا تعليقات