شهدت ليبيا خلال الأيام الأخيرة سلسلة من التحولات السياسية والمؤسسية المتسارعة، توحي بأن البلاد قد تكون أمام مرحلة جديدة من إعادة ترتيب موازين القوى والتفاهمات بين الأطراف المتنافسة، في ظل تغييرات طالت قيادة مصرف ليبيا المركزي، وتحولات لافتة في علاقات شرق البلاد مع تركيا، بالتزامن مع تصريحات لأنقرة تحدثت فيها عن الاقتراب من التوصل إلى حل دائم للأزمة الليبية.
وبرزت هذه التحولات بصورة خاصة خلال الساعات الماضية، بعدما انتهى خلاف بشأن قيادة المصرف المركزي بتسلم فوزي مصباح أبو خزام مهام المحافظ، عقب قبول هيئة رئاسة مجلس النواب استقالة ناجي عيسى من حيث المبدأ، وسط مواقف متضاربة داخل المجلس الأعلى للدولة، قبل أن تتجه الأمور نحو قبول التغيير بصورة مؤقتة.
وأعلن مصرف ليبيا المركزي، مساء الخميس، تسلم أبو خزام مهامه بتكليف من مجلس النواب وتأييد من المجلس الأعلى للدولة، مؤكدًا أن العمل يسير بصورة طبيعية ومنتظمة، وأن مراسم التسليم والتسلم جرت بحضور ممثلين عن المجلسين، في أجواء وصفها بالودية.
غير أن هذه النهاية الهادئة نسبيًا جاءت بعد ساعات من التوتر، إذ اتهم المصرف قوة وأطرافًا أخرى لم يسمها بالدخول إلى مقره وانتهاك حرمة مكتب المحافظ في غيابه، محملًا الجهات المشاركة المسؤولية عن تداعيات الواقعة، وفي مقدمتها وزارة الدفاع باعتبارها الجهة المسؤولة عن حماية المقر.
وتزامن ذلك مع اعتراض النائب الأول لرئيس المجلس الأعلى للدولة ناجي مختار على قرار هيئة رئاسة مجلس النواب، معتبرًا أنه إجراء أحادي لا تترتب عليه آثار قانونية، وداعيًا ناجي عيسى إلى الاستمرار في أداء مهامه، قبل أن يصدر رئيس المجلس، محمد تكالة، موقفًا مختلفًا، أعلن فيه عدم ممانعته تكليف أبو خزام بتسيير مهام المحافظ مؤقتًا إلى حين التوافق على تسمية محافظ جديد.
وعكس هذا التباين حجم التعقيدات المحيطة بإدارة المؤسسات السيادية، لكنه أظهر أيضًا إمكانية الانتقال السريع من الاعتراض إلى التفاهم، ولو بصورة مؤقتة، بعدما كانت الخلافات بشأن قيادة المصرف المركزي قد تسببت في أزمات سياسية ومالية حادة خلال السنوات الماضية.
وتعود استقالة عيسى إلى التاسع من أغسطس/ آب الماضي، عندما وجّه خطابين إلى رئيسي مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة، اعتذر فيهما عن الاستمرار في منصبه، من دون الإفصاح عن الأسباب، مكتفيًا بالإشارة إلى حساسيتها. وواجه طلبه حينها رفضًا من أطراف سياسية عدة، قبل أن تعود القضية إلى الواجهة في توقيت يشهد فيه الدينار الليبي تراجعًا حادًا أمام الدولار في السوق الموازية، الذي تجاوز سعره عشرة دنانير.
لكن التطورات لا تقف عند حدود المؤسسة النقدية، إذ جاءت بعد يومين فقط من قرار مجلس النواب اعتماد مذكرة التفاهم البحرية الموقعة بين ليبيا وتركيا عام 2019، وإلغاء قرارات سابقة اتخذها المجلس عام 2020 برفض الاتفاقيات الموقعة مع أنقرة وقطع العلاقات السياسية معها.
ويمثل هذا التحول أحد أبرز التغيرات في خريطة العلاقات الخارجية الليبية، بالنظر إلى أن تركيا كانت حتى سنوات قريبة من أبرز الداعمين العسكريين والسياسيين لخصوم اللواء المتقاعد خليفة حفتر في غرب البلاد، قبل أن تتوسع اتصالاتها تدريجيًا مع السلطات والقوى النافذة في الشرق.
وحظي قرار اعتماد الاتفاقية البحرية بترحيب من أطراف ليبية في الشرق والغرب، بينها الحكومتان المتنافستان، إلى جانب شخصيات بارزة في المعسكر الشرقي، في مؤشر على تراجع حدة الانقسام بشأن العلاقة مع أنقرة، رغم استمرار الخلافات السياسية الداخلية.
كما رحب الرئيس التركي، رجب طيب اردوغان، بقرار مجلس النواب، الذي أثار في المقابل اعتراضات من اليونان وقبرص والاتحاد الأوروبي ومصر، بسبب النزاع القائم بشأن حدود الصلاحيات البحرية وحقوق الدول المطلة على شرق البحر المتوسط.
وجاءت تصريحات وزير الخارجية التركي، هاكان فيدان، الجمعة، لتمنح هذه التطورات بعدًا سياسيًا أوسع، بعدما أعلن خلال مؤتمر إسطنبول التاسع للوساطة أن بلاده باتت قريبة من التوصل إلى حل دائم في ليبيا، وأنها أطلقت مسارًا يشمل جميع الأطراف الليبية.
وقال فيدان إن الجهود التركية تقوم على موافقة الأطراف والثقة المتبادلة والشمولية، موضحًا أن أنقرة تواصل حوارًا يستهدف تحقيق نتائج ملموسة مع الأطراف في شرق ليبيا وغربها، فضلًا عن الشركاء الدوليين.
وشدد على أن الحل الدائم يتطلب مسارًا يقوم على حوار حقيقي يتبناه الليبيون أنفسهم، معربًا عن أمله في أن تفضي هذه المقاربة إلى تسوية في مستقبل قريب.
وتكتسب هذه التصريحات أهميتها من تزامنها مع تقارب غير مسبوق بين أنقرة والقوى السياسية والعسكرية في شرق ليبيا، فضلًا عن التحولات التي تشهدها المؤسسات السيادية، وهو ما يفتح الباب أمام تساؤلات بشأن وجود تفاهمات أوسع يجري العمل على بلورتها بعيدًا عن الإعلانات الرسمية.
ومع ذلك، لا تتوافر حتى الآن معطيات معلنة تثبت ارتباط تغيير محافظ المصرف المركزي بصورة مباشرة بالتحركات التركية أو بترتيبات سياسية شاملة، خصوصًا أن استقالة ناجي عيسى سبقت هذه التطورات بأكثر من شهرين، وأن التسوية المتعلقة بالمنصب لا تزال مؤقتة من الناحية القانونية.
وتأتي هذه التطورات أيضًا في سياق أزمة ممتدة بشأن توحيد المؤسسات التنفيذية والأمنية والاقتصادية، وتعثر المسارات الرامية إلى إجراء الانتخابات، وسط استمرار الانقسام بين حكومتين في الشرق والغرب، وتنافس على الصلاحيات والموارد العامة. ويضع التقارب التركي مع الشرق الليبي، إلى جانب التفاهم النسبي بشأن إدارة المصرف المركزي، القوى المحلية أمام معادلة مختلفة، قد تتيح فرصًا لتفاهمات جديدة، لكنها لا تعني بالضرورة اقتراب إنهاء الانقسام السياسي أو الاتفاق على حكومة موحدة.
ويبقى السؤال الأبرز ما إذا كانت هذه التطورات مجرد تسويات منفصلة فرضتها المصالح والظروف الراهنة، أم إنها تمثل خطوات أولية ضمن عملية أوسع لإعادة تشكيل المشهد الليبي، تشمل المؤسسات السيادية والتحالفات الإقليمية ومستقبل السلطة التنفيذية.

تعليقات الزوار
لا تعليقات