أعلنت جماعة «أنصار الله» (الحوثيون)، استهداف مطار وقاعدة الملك خالد في الرياض وخميس مشيط، والقاعدة البحرية الجنوبية في جيزان بالمملكة العربية السعودية، بعشرات الصواريخ الباليستية، وذلك بعد ساعات على التحذير من استئناف تشغيل مطار الملك خالد الدولي.
وأوضح المتحدث العسكري باسم الجماعة، العميد يحيى سريع، في بيان، أن عملية استهداف مطار الملك خالد في الرياض حققت هدفها، فيما جاءت الإصابة دقيقة في استهداف مرابض الطائرات ومخازن التذخير ومراكز التحكم بالطائرات المسيّرة وعدد من المواقع المهمة في قاعدة الملك خالد الجوية في خميس مشيط، مؤكدًا دقة إصابة العملية الثالثة التي استهدفت القاعدة البحرية الجنوبية لقوات حرس الحدود في جيزان، والتي خلّفت، بحسب قوله، قتلى وجرحى من الجنود والضباط.
كما أكّد استمرار عملياتهم في فرض «معادلة الحصار بالحصار والتصعيد بالتصعيد»، مجددًا التحذير «لشركات الملاحة الجوية العالمية والإقليمية والموظفين والمسافرين من السفر عبر مطار الملك خالد الدولي في الرياض، لأنه غير آمن، وكذلك الأجواء السعودية، عدا الأجواء المقدسة في مكة المكرمة والمدينة المنورة».
تصعيد عابر واهتزاز اقتصادي
وسبق أن أعلنت سلطات التحالف والدفاع المدني السعودي تفاصيل ميدانية لعمليات الاعتراض الأخيرة والمتلاحقة والأضرار الناجمة عنها، بالتوازي مع ما أظهرته المؤشرات من تداعيات على قطاع الطيران وسوق الأسهم؛ إذ أعلن المتحدث الرسمي للتحالف، اللواء تركي المالكي، اعتراض وتدمير عشرة صواريخ باليستية أطلقها الحوثيون صوب المنطقة الجنوبية، إضافة إلى صاروخ طواف (كروز) باتجاه خميس مشيط، وصاروخ باليستي وطائرتين مسيّرتين في منطقة الرياض.
فيما أعلن الدفاع المدني السعودي سقوط شظايا نتيجة اعتراض صاروخين باليستيين قال إن الحوثيين أطلقوهما في محافظتي خميس مشيط وأحد رفيدة، ما نتج عنه إصابتان وأضرار مادية في ثلاثة مبانٍ سكنية وسبع مركبات.
وكان الدفاع المدني قد أصدر تحذيرًا من خطر وشيك على منطقة جازان ومحافظات الطائف وخميس مشيط والنماص وتنومة، بالإضافة إلى مدينتي الرياض وأبها، قبل أن يعلن لاحقًا زوال الخطر.
وأُعلن في وقت سابق عن سقوط شظايا صاروخين باليستيين قال إن الحوثيين أطلقوهما باتجاه منطقتي مكة المكرمة والمدينة المنورة.
وكانت وكالة أنباء «سبأ» التابعة لجماعة «أنصار الله» قد نقلت، في مستهل يوم الأحد، عن مصدر عسكري تحذيره للمستثمرين في شركة أرامكو السعودية من تكبد خسائر نتيجة استمرار امتلاكهم لأسهم الشركة. كما نبّه الموظفين والعاملين والمواطنين إلى ضرورة الابتعاد عن المنشآت النفطية السعودية. ودعا المسافرين وشركات الطيران إلى تجنب المطارات السعودية، باستثناء مطاري مكة المكرمة والمدينة المنورة.
وتأتي هذه التحذيرات والتحديات العسكرية المتواصلة في وقت تسعى فيه السلطات السعودية إلى الحد من آثار هذا التصعيد عبر إجراءات تشغيلية واحترازية متدرجة، حيث أعلنت المملكة استئناف مطار الملك خالد في الرياض عملياته جزئيًا، عقب إغلاق استمر نحو أسبوعين بسبب هجمات صاروخية شنها الحوثيون، في خطوة تعيد جزءًا من حركة الطيران إلى العاصمة السعودية.
وأعلن المطار تخصيص المبنى الأول للرحلات الداخلية، والمبنى الثاني للرحلات الدولية التي تشغلها الناقلات الوطنية، اعتبارًا من 25 أكتوبر.
ومع استمرار هذه المخاطر والهجمات المتعاقبة، امتدت التداعيات داخل المملكة لتلقي بظلالها على الأسواق المالية، متسببة في خسائر تراكمية متواصلة لمؤشرات الأسهم، حيث هبط مؤشر السوق السعودية «تاسي» بنحو 2.6% خلال تعاملات الأحد، مسجلًا أدنى مستوى له منذ أكثر من خمس سنوات، وسط اتساع موجة البيع وإعادة المستثمرين تقييم المخاطر. وكانت السوق قد شهدت، مع إغلاق جلسة الخميس الماضي، أطول سلسلة خسائر أسبوعية منذ 32 عامًا، وفق وكالة بلومبرغ الأمريكية.
توسع الضربات
على صعيد التطورات الميدانية في الداخل اليمني، عمَّ هدوء نسبي بعض جبهات مدينة تعز، الأحد، بالتزامن مع هجمات واشتباكات متقطعة في بعض جبهات الريف، بما فيها محيط هيجة العبد على الحدود بين محافظتي تعز ولحج. وفي الوقت نفسه، استمرت الغارات الجوية على مواقع قوات جماعة «أنصار الله» (الحوثيون) في تعز، إلى جانب تنفيذ غارات على مناطق متفرقة من اليمن.
ولا يعكس هذا الهدوء المحدود في بعض الجبهات مؤشرًا إيجابيًا، إذ سرعان ما تتجدد المواجهات والاشتباكات، مع استمرارها في قطاعات أخرى، بالتوازي مع تجدد الضربات الجوية المكثفة والاشتباكات المتقطعة. وأفادت وسائل إعلام تابعة للجماعة بأن «الطيران السعودي» نفذ غارة على عزلة الأثاور بمديرية حيفان، بالإضافة إلى أربع غارات على مدينة التربة بمديرية الشمايتين في محافظة تعز جنوب غربي البلاد، وغارة أخرى على مديرية حرف سفيان بمحافظة عمران شمالًا، وغارتين استهدفتا شبكة الاتصالات في مديرية السبرة بمحافظة إب وسط البلاد.
في المقابل، أكدت وسائل إعلام موالية للحكومة المعترف بها دوليًا أن الطيران الحربي استهدف تجمعات ومواقع للجماعة في منطقة الضباب غرب مدينة تعز، كما جدد قصف تجمعات للجماعة في مديرية الشمايتين بمحافظة تعز.
وذكرت وكالة أنباء «سبأ» التابعة للحكومة أن الطيران الحربي نفذ خلال الساعات الماضية، دون تحديد مدتها، سلسلة غارات جوية استهدفت مواقع الحوثيين في مناطق سيطرتهم بمديرية الشمايتين جنوب المحافظة، شملت جبل صبران، ومعسكرات قرب مدينة التربة، ومنطقة الأصابح، بالإضافة إلى تجمعات في طريق الصحى كربة.
وفي جبهة المضاربة ورأس العارة بمحافظة لحج (جنوب)، نشرت ألوية العمالقة الجنوبية تسجيلًا يوثق ما قالت إنه تدمير مركبتين عسكريتين للحوثيين.
وبموازاة هذه التطورات الميدانية المتلاحقة على خطوط النار، تتواصل تداعيات الصراع أمنيًا وإنسانيًا من خلال سقوط ضحايا مدنيين وضبط شبكات تهريب، حيث اتهمت السلطة المحلية في مديرية المسراخ بمحافظة تعز جماعة الحوثي باستهداف منزل المواطن خالد عبده سعيد في الأقروض، ما أدى إلى مقتل امرأة وثلاثة من أطفالها.
فيما أدانت وزارة الصحة والبيئة في حكومة صنعاء استهداف «الطيران السعودي» مستشفى الأمومة والطفولة في منطقة العفا بعزلة الأصابح بمديرية الشمايتين في محافظة تعز، ما أدى إلى أضرار جسيمة في أقسامه، وفق بيان نشرته وكالة «سبأ» في صنعاء.
وفي بيان آخر، أكدت الوزارة مقتل مواطن وإصابة خمسة آخرين ومهاجر إثيوبي في استهدافات «الطيران السعودي» اليوم في محافظتي تعز وصعدة. وأوضحت أن أربعة مواطنين، بينهم امرأة، أُصيبوا نتيجة قصف طيران مسيّر على منطقة أكمة حيش بمديرية المسراخ في محافظة تعز، مشيرةً إلى إصابة مواطن بنيران الطرف الآخر في منطقة الأقروض، في المديرية نفسها.
وذكرت أن مواطنًا قُتل في منطقة المدحلة بمديرية شدا في محافظة صعدة، في حين أُصيب مهاجر إثيوبي نتيجة قصف مدفعي سعودي على مديرية منبه باتجاه جيزان.
فيما أعلنت القوات الحكومية ضبط قوات التدخل السريع بمحافظة شبوة خلية تابعة للحوثيين مكونة من 13 عنصرًا، إلى جانب حجز شاحنة محملة بالأسلحة والمتفجرات، وحاويتين داخل منزل مستأجر استُخدم مركزًا لاستلام شحنات الأسلحة المهربة عبر البحر. وأوضح وزير الإعلام معمر الأرياني أن هذه العملية جاءت نتيجة جهود دقيقة في الرصد والتحري والمتابعة والتنسيق بين الأجهزة المختصة.
إزاء هذه الاتهامات، لم يصدر تعليق فوري من جماعة «أنصار الله».
حرب الاتهامات
بموازاة الضربات الجوية في العمقين اليمني والسعودي، يستمر زخم التصعيد في الساحة السياسية والدبلوماسية عبر سجال محتدم حول تكرار اتهام الرياض لجماعة «أنصار الله» بمحاولة استهداف مكة المكرمة والمدينة المنورة، وهو ما قابلته الجماعة بالنفي القاطع، واصفةً هذه الاتهامات بالتضليل لشرعنة التصعيد، وهي الاتهامات التي قوبلت بموجة إدانات خليجية وإسلامية متصاعدة.
وفي هذا السياق، نفت جماعة «أنصار الله» صحة اتهامها باستهداف أي مناطق في مكة المكرمة والمدينة المنورة، ووصفت هذا الادعاء بأنه «بهتان وتضليل متعمّد للرأي العام المحلي والإسلامي والدولي». كما اعتبرت الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان التابعة لحكومة الجماعة أن هذه المزاعم تمثل محاولة لاستغلال قدسية الحرمين الشريفين ومكانتهما في قلوب المسلمين لأغراض سياسية وعسكرية، ولتبرير أي تصعيد عدواني محتمل مستقبلًا.
وقالت: «إن احترام دور العبادة والأماكن المقدسة مبدأ راسخ في الشريعة الإسلامية والقانون الدولي الإنساني، وتؤكد عليه المادة (53) من البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف، فيما تعتبر المادة (8) من نظام روما الأساسي استهدافها جريمة حرب. والقوات اليمنية ملتزمة بهذا المبدأ، ولم يسبق لها استهداف أي مكان مقدس طوال سنوات العدوان».
ومع استمرار اتساع شقة الخلاف وتراكم الاتهامات بشأن استهداف البقاع المقدسة، توالت ردود الفعل والإدانات الإقليمية والدولية، حيث صرّح الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي، جاسم محمد البديوي، بأن تعريض مكة للخطر يُعد «انتهاكًا جسيمًا لحرمة المقدسات واستفزازًا لمشاعر المسلمين حول العالم»، مؤكدًا موقف دول المجلس المتضامن مع المملكة العربية السعودية. من جانبه، أدان الأمين العام لمنظمة التعاون الإسلامي، إسماعيل ولد الشيخ أحمد، ما وصفها بالاعتداءات الحوثية على مكة المكرمة والمدينة المنورة، معتبرًا إياها انتهاكًا لحرمة أقدس البقاع الإسلامية.
وفي رد متواصل على هذه البيانات، تستمر قيادات الجماعة في نفي هذه الاتهامات ومهاجمة مواقف الطرف الآخر عبر تصريحات وتدوينات سياسية متجددة، حيث قال عضو المكتب السياسي للجماعة، محمد الفرح: «كلما سمعتهم يكررون نغمة استهداف مكة والمقدسات، فاعلم أن الألم عميق في أرامكو والمطارات السعودية».
وكتب في تدوينة على «إكس» أنهم لا يتورعون عن استغلال أقدس الأراضي في مسعى لتعبئة الدعم لحماية منشآتهم الحيوية، وخلق تحالف إسلامي يناصر سياساتهم الإجرامية في اليمن.
الانهيار الإنساني
ومع تطاول أمد هذا التصعيد السياسي والعسكري واستمراره دون أفق للحل، تتفاقم التبعات الإنسانية بشكل حاد، وتستمر معها معاناة المدنيين وتتراكم الأزمات على صعيد الخدمات في مناطق التماس، لا سيما تعز.
وفي هذا السياق، جدّدت الحكومة المعترف بها دوليًا اتهامها لجماعة «أنصار الله» (الحوثيون) بفرض حصار خانق على مدينة تعز للأسبوع الرابع على التوالي.
ومع دخول الأزمة أسابيع جديدة من التصعيد، تراكمت الآثار الإنسانية لتترجمها التقارير الحقوقية إلى أرقام وتحذيرات متصاعدة من كارثة وشيكة، حيث أصدرت منظمة سام للحقوق والحريات بيانًا قالت فيه إن محافظة تعز تعيش أزمة إنسانية وحقوقية غير مسبوقة، تتداخل فيها الهجمات على المناطق السكنية مع الحصار الكامل، وتراجع المخزون الغذائي، ونقص الوقود والأدوية، ما يهدد حياة نحو مليوني نسمة في المدينة ومحيطها الحضري، بعد سنوات من الحصار والحرب.
كما أفادت منظمة رصد للحقوق والحريات بأن نحو 1,110 مرضى بالفشل الكلوي يواجهون خطر نقص مستلزمات الغسيل، مع الحاجة إلى نحو 120 جلسة غسيل يومية، إلى جانب 192 مريضًا في وحدات العناية المركزة و154 طفلًا في الحاضنات، الذين تهددهم تداعيات نقص الوقود والإمدادات الطبية نتيجة ما اعتبرته المنظمة الحصار الحوثي على مدينة تعز منذ الرابع من أكتوبر 2026، وإغلاق طرق الإمداد.
لكن جماعة «أنصار الله» نفت صحة ذلك الحصار، ونقلت وكالة «سبأ» في نسختها الصادرة عن الجماعة عن مصدر محلي في محافظة تعز تأكيده أن تحشيدات الطرف المقابل في تعز تواصل المماطلة وعرقلة دخول المساعدات الطبية إلى المدينة. وأوضح المصدر أن قيادات الطرف الآخر في تعز، ولليوم الخامس على التوالي، تماطل المنظمات الإنسانية الدولية، وتطلب تأجيل إدخال المساعدات الطبية القادمة من صنعاء إلى مستشفيات المدينة عبر طريق (الحوبان – القصر – الكمب – حوض الأشراف)، خشية مخالفة التوجيهات السعودية التي تأمر بإغلاق جميع الطرق المؤدية إلى وسط المدينة.
وبيّن أن هذه الجهات، رغم إدراكها الضرر الجسيم الذي يلحق بالمدينة وسكانها جراء هذا القرار، لا تبالي بمصلحة تعز أو أبنائها، بل تستمتع بمعاناة المواطنين بحثًا عن مادة إعلامية، على حد تعبيره.

تعليقات الزوار
لا تعليقات