أن يجد الشاب على ضفة نهر السنغال عملاً يغنيه عن البحث عن مستقبل على الضفة الأوروبية؛ ذلك أحد أبرز الرهانات التي تحملها التمويلات الاسبانية والدولية الموجهة إلى تنمية الجنوب الموريتاني.
ففي منطقة تجاور فيها الأراضي الزراعية الخصبة قرى محدودة الخدمات والفرص، تتجه الشراكة بين نواكشوط ومدريد والبنك الدولي إلى دعم سبل العيش، أملاً في جعل البقاء خياراً مجدياً للسكان، وبخاصة الشباب الذين تدفعهم البطالة وضعف الدخل إلى التفكير في الهجرة.
وفي هذا السياق، تواصلت في نواكشوط أشغال ندوة مخصصة لعرض نتائج مشروع الصمود والتنمية المجتمعية لضفة نهر السنغال، المنفّذ بالتعاون بين الوكالة الإسبانية للتعاون الدولي للتنمية والبنك الدولي.
وحسب المعطيات المقدمة خلال اللقاء، الذي أشرف عليه وزير الخارجية الموريتاني، محمد سالم مرزوك، يتدخل المشروع حالياً في 17 بلدية، مع توجه لتوسيع نطاقه إلى 34 بلدية، بما يتيح لنحو 300 ألف نسمة الاستفادة من تحسين الخدمات والبنى التحتية، وتمويل الأنشطة الاقتصادية والمبادرات الشبابية، وتعزيز القدرة على مواجهة التغيرات المناخية.
وخلال الورشة، عرض منسق المشروع محمد سالم البخاري نتائج تدخلات في ولايات لبراكنة وكوركول والترارزة، شملت تمويل مشاريع اقتصادية لتحسين ظروف السكان وتعزيز استقرارهم في مناطقهم الأصلية.
غير أن المعطيات المتاحة عن اللقاء لم تتضمن حصيلة مفصلة للوظائف المستحدثة أو الزيادة المحققة للمستفيدين. وتظل هذه المؤشرات أساسية للحكم على مدى قدرة التمويلات على توفير بدائل فعلية للهجرة، إلى جانب قياس استمرار المشاريع بعد انتهاء الدعم.
ويحمل المشروع أيضاً بعداً دبلوماسياً ضمن تقارب موريتاني إسباني متواصل. وأكدت فيكتوريا تور غوميز، المديرة العامة للوكالة الإسبانية للتعاون الدولي، أن العملية تواصل تنفيذ التزامات زيارة رئيس الحكومة بيدرو سانشيز إلى موريتانيا سنة 2024.
ويبرز ضمن أهداف هذه التدخلات تثبيت السكان في مناطقهم الأصلية، عبر تمكينهم من موارد دخل وفرص إنتاج تقلل حاجتهم إلى الرحيل.
وبالنسبة إلى الشباب، يتعلق الرهان بتحويل الزراعة والأنشطة المرتبطة بها إلى مصدر رزق يستطيع منافسة إغراء الهجرة نحو أوروبا، خصوصاً حين تصبح المغادرة في نظر بعضهم المخرج الوحيد من انسداد الآفاق المحلية.
وتكتسب هذه المقاربة أهميتها من جمعها بين حاجة موريتانيا إلى تنمية أريافها وتوسيع فرص التشغيل، واهتمام إسبانيا بالتعاون مع دول المنطقة لمعالجة العوامل الاقتصادية والاجتماعية التي تغذي الهجرة غير النظامية.
وهنا تصبح الاستثمارات في الإنتاج والخدمات جزءاً من محاولة معالجة دوافع الرحيل في مناطق المنشأ.
وأكد ولد مرزوك أن الزراعة تمثل قطاعاً استراتيجياً لتعزيز الأمن الغذائي وخلق فرص العمل وتحسين مداخيل سكان الأرياف، مشدداً على أن تطوير الإنتاج المحلي والحد من التبعية للأسواق الخارجية يحتلان موقعاً متقدماً ضمن أولويات الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني.
وربط الوزير بلوغ هذه الأهداف بمقاربة تجمع بين الاستثمار وتنمية المهارات ومواكبة المنتجين وتطوير سلاسل القيمة، معتبراً أن نتائج الشراكة تتوقف على ملاءمة الموارد للأهداف وفعالية التنفيذ وما يعود به على السكان.
وتوضح الوثائق الرسمية الإسبانية أن مدريد أقرت في يوليو/تموز 2025 قرضاً يصل إلى 50 مليون يورو، عبر صندوق تعزيز التنمية «فونبرودي»، لتمويل التدخل في موريتانيا، إضافة إلى تمويل من البنك الدولي يعادل 45 مليون دولار. وعليه، يمثل مبلغ الخمسين مليون يورو المساهمة الإسبانية في العملية، فيما يندرج التمويل الدولي ضمن شراكة أوسع لتنمية المنطقة.
وتتصل هذه التمويلات بمشروع إقليمي يربط موريتانيا والسنغال، أقر البنك الدولي تمويله في فبراير/شباط 2024 بمبلغ 195 مليون دولار من المؤسسة الدولية للتنمية، لتحسين النفاذ إلى البنى التحتية والخدمات في المجتمعات الحدودية وتعزيز قدرتها على مواجهة الصدمات المناخية والاقتصادية.
وتكشف خلفية المشروع مفارقة واضحة: فوادي نهر السنغال يضم، حسب البنك الدولي، نحو 90 في المئة من الأراضي المروية في موريتانيا، و80 في المئة منها في السنغال، بينما تظل مجتمعات على الضفتين تعاني الفقر وضعف الخدمات. وتزيد الحرارة واضطراب الأمطار والفيضانات والجفاف وتملح التربة والمياه من هشاشة النشاط الاقتصادي.
وفي مثل هذه الظروف، يمكن لخسارة موسم زراعي أو تعذر تسويق محصول أن يضعفا قدرة الأسر على الاستمرار في نشاطها، ويزيدا جاذبية الرحيل لدى أبنائها. ولذلك، فإن تثبيت السكان يتطلب سلسلة مترابطة من التدخلات: إنتاجاً قابلاً للاستمرار، وريّاً منتظماً، ووسائل نقل وتخزين، وأسواقاً تستوعب المحصول، وتمويلاً يتيح للمنتجين تجاوز المواسم الصعبة.
ويكتسب تطوير الأنشطة المرتبطة بالزراعة أهمية خاصة للشباب؛ إذ يمكن أن تمتد فرص العمل إلى صيانة المعدات والنقل والتخزين والتحويل الغذائي والتجارة والخدمات. وكلما اتسعت هذه الفرص، ازدادت قدرة الاقتصاد المحلي على استيعاب من لا يملكون أرضاً أو لا يرغبون في ممارسة الزراعة مباشرة.
وجاء الاجتماع الأول رفيع المستوى بين البلدين، في يوليو/تموز 2025، ليكرس توسيع الشراكة الاقتصادية والمؤسسية، بالتوازي مع التعاون في الهجرة والأمن والصيد. وشدد الإعلان المشترك حينها على مساهمة الهجرة المنظمة والآمنة في التنمية، إلى جانب مكافحة الشبكات الإجرامية المرتبطة بها.
ومن هذه الزاوية، يعكس دعم ضفة النهر التقاء مصالح الطرفين حول توسيع فرص العيش محلياً والحد من الهجرة الاضطرارية. لكن أثر التنمية في قرارات الشباب سيظل مرتبطاً بنوعية الوظائف واستقرار الدخل والثقة في المستقبل؛ فالحصول على تمويل أولي لا يكفي وحده لإقناع شاب بالبقاء إذا تعثر مشروعه أو غابت عنه الخدمات والأسواق.
أما البعد الإقليمي فيمنح التدخل أهمية إضافية، لأن مجتمعات الضفتين تتشارك الموارد والأسواق والمخاطر. ويؤكد ممثل البنك الدولي إيبو اديوف أن الشراكة تستهدف تحسين المعيشة بصورة مستدامة وتوسيع الآفاق الاقتصادية، ولا سيما أمام الشباب والنساء.
وفي النهاية، سيقاس نجاح هذه التمويلات بقدرتها على تغيير الحسابات اليومية للأسر والشباب: هل توفر الأرض دخلاً كافياً؟ وهل يستطيع المشروع الصغير الاستمرار؟ وهل يجد الشاب مستقبلاً قريباً من أهله يغنيه عن مخاطر الطريق إلى أوروبا؟ حين تصبح الإجابة ملموسة في القرى والأسواق، تكون تنمية الضفة قد اقتربت من غايتها: جعل الاستقرار ثمرة لفرص حقيقية، وفتح أفق للبقاء بكرامة.
مراهنة موريتانية واسبانية على تثبيت الشباب والحد من هجرتهم نحو أوروبا

تعليقات الزوار
لا تعليقات