تكشف المعطيات الجديدة التي أوردتها صحيفة The Objective الإسبانية جانبا لافتا من المسار الذي اتبعه المهدي حيجاوي في إسبانيا، وتضع ما بناه الرجل حول نفسه من صورة بوصفه حاملا لأسرار استخباراتية أمام اختبار مختلف، فبدلا من أن تقود المعلومات التي تحدث عنها إلى تعاون قضائي أو أمني فعلي، تظهر تفاصيل تحركاته، كما نشرتها الصحيفة، أنها دخلت في عملية مقايضة هدفها الأساسي البحث عن حماية وتفادي احتمال تسليمه إلى المغرب.
وبحسب التحقيق الإسباني، عرض حيجاوي المطلوب للقضاء المغربي، على السلطات الإسبانية معلومات قال إنها تتصل بأجهزة الاستخبارات المغربية وبرنامج 'بيغاسوس'، فضلا عن ملفات تخص الإرهاب والجريمة المنظمة. ولم يظل العرض في حدود الاتصالات غير الرسمية، إذ وصل إلى نيابة المحكمة الوطنية الإسبانية عبر وسيط، قبل أن يقدم رسميا بواسطة بريد إلكتروني مؤرخ في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2024.
وتكتسب هذه الخطوة أهميتها من كونها تكشف طبيعة الاستخدام الذي أراده حيجاوي للمعلومات التي يقول إنه يمتلكها، فالمعلومات لم تقدم، وفق ما يظهر من الوقائع المنشورة، باعتبارها مساهمة مجردة في كشف حقائق أمام القضاء، وإنما جاءت في سياق بحث الرجل عن وضع يوفر له الحماية داخل إسبانيا ويحول دون إعادته إلى المغرب.
وتشير The Objective إلى أن حيجاوي استعان خلال صيف 2024 بمحام سبق أن شارك في مساعي تعاون هوغو إل بولو كارفاخال، الرئيس السابق للاستخبارات العسكرية الفنزويلية، مع القضاء الإسباني، في محاولة لتجنب تسليمه إلى الولايات المتحدة. ويبدو اختيار هذا المسار محاولة للاستفادة من سابقة استخباراتية معروفة وتحويلها إلى نموذج يمكن من خلاله بناء مخرج قانوني وشخصي مماثل.
لكن الحسابات لم تسر كما أراد، فقد أحالت النيابة الإسبانية ملف 'بيغاسوس' إلى المحكمة المختصة، فيما نقلت الصحيفة عن مصادر قضائية أن المقترح الذي قدمه حيجاوي لم يصل إلى القاضي خوسيه لويس كالاما. وبذلك لم يتحول العرض إلى تعاون قضائي، كما لم ينتج عنه اتفاق حماية يمنح حيجاوي الوضع الذي كان يسعى إليه.
وهنا تكمن إحدى أبرز دلالات التحقيق الإسباني، فالشخص الذي قدم نفسه في مراحل مختلفة باعتباره مصدرا لمعلومات بالغة الحساسية ونجح في بناء هالة إعلامية حول شخصه من خلال المزاعم التي سوقها، لم يتمكن، وفق الوقائع المنشورة، من تحويل تلك المعلومات إلى تعاون رسمي مع القضاء الإسباني. كما أن المسار الذي اختاره يكشف أن "الأسرار" المزعومة أصبحت أداة تفاوض مرتبطة بمصلحته الشخصية، وهو ما يفرض التعامل بحذر مع الروايات التي سعى إلى تسويقها عن نفسه.
كما يسلط ذلك الضوء على أن السلطات الاسبانية لم تتعامل مع سردياته على أنها وقائع لافتقادها أي أدلة واقعية.
وتكشف هذه المعلومات أشياء أكثر تحديدا تتعلق بالطريقة التي وظف بها تلك الادعاءات، فربط المعلومات بطلب الحماية، ثم البحث عن قناة مشابهة لمسار كارفاخال، ثم الانتقال إلى خيارات أخرى بعد تعثر العرض، يرسم مسارا يصعب فصله عن محاولة إيجاد منفذ للخروج من مأزق وقع فيه ومن وضع قانوني وأمني ضاغط.
ومع فشل المسار الإسباني، بدأ حيجاوي، وفقا للتحقيق، البحث عن وجهات أخرى لمغادرة البلاد. ووضعت الجزائر وكندا ضمن الخيارات المحتملة، قبل أن يغادر إسبانيا عبر مسار جمع بين رحلة بحرية وطائرة خاصة، وصولا إلى تركيا، ثم واصل طريقه إلى وجهة لم يكشف عنها. أما الحديث عن الجزائر بوصفها وجهته النهائية، فلا يزال في نطاق الاحتمال، ولا تؤكده المعطيات المنشورة بشكل قاطع.
وتسمح هذه التطورات بإعادة قراءة الصورة التي حاول حيجاوي بناءها لنفسه، فالحضور الإعلامي والحديث المتكرر عن معلومات سرية والهالة والضجيج الذي أثاره لا يكفي في حد ذاته، لإثبات ادعائه امتلاك معلومات ذات قيمة استخباراتية أو قضائية. وما كشفه التحقيق الإسباني هو أن صاحب هذه الروايات دخل بها في مسار تفاوضي للحصول على الحماية، من دون أن تنتهي العملية إلى تعاون رسمي أو اعتراف قضائي بقيمة ما عرضه.
وبهذا المعنى، يضيء تحقيق The Objective على جانب أساسي من أسلوب حيجاوي في بناء حضوره: تقديم نفسه من خلال روايات يصعب التحقق منها، ثم تحويل ما يصفه بالأسرار إلى ورقة تفاوض عندما وجد نفسه في حاجة إلى مخرج. وهذا السلوك لا يثبت تلقائيا بطلان كل ادعاءاته، لكنه يضعها في سياق أكثر واقعية، ويجعل المصلحة الشخصية المرتبطة بالحماية وتفادي التسليم عنصرا مركزيا في فهم تحركاته.
والأهم أن التحقيق الإسباني ينقل القضية من مستوى الروايات التي حاول حيجاوي تسويقها عن نفسه إلى مستوى الوقائع المتعلقة بتحركاته واتصالاته. وبين المستويين تظهر فجوة لافتة: ادعاءات واسعة عن أسرار ومعلومات حساسة، مقابل عرض لم يتحول إلى تعاون قضائي، ومسار تفاوضي انتهى بالفشل، ثم مغادرة إسبانيا بحثا عن وجهة أخرى.
وتكمن دلالة ما كشفته The Objective في كشف الآلية التي حاول من خلالها توظيفها، فحين تصبح المعلومات المزعومة وسيلة للحصول على الحماية، يصبح من الضروري فصل ما يمكن إثباته بالوثائق والإجراءات عما يظل مجرد روايات يقدمها صاحبها لتحقيق هدف محدد. وهذا تحديدا ما يجعل التحقيق الإسباني كاشفا لجانب من شخصية حيجاوي ومساره أكثر مما يمثل مجرد إضافة إلى سلسلة ادعاءاته.

تعليقات الزوار
لا تعليقات