حقق عبدالملك الحوثي، الزعيم الغامض والمراوغ لقوة متمرسة في القتال، أكبر انتصار عسكري تحرزه جماعة الحوثي منذ سنوات، بعدما اجتاح مقاتلوها المدعومون من إيران ساحل اليمن على البحر الأحمر وشددوا قبضتهم على مضيق باب المندب ذي الأهمية البالغة لحركة الشحن، في تطور أثار انزعاج السعودية.
ووضع الهجوم، الذي تزامن مع شن الحوثيين ضربات على المملكة، الجماعة في موقع يمنحها قدرة أكبر على التأثير في حركة الملاحة عبر باب المندب، مع إمكانية تعطيل التجارة العالمية في أحد أهم ممرات نقل السلع والبضائع والمواد الأولية، بما في ذلك النفط.
وحوّل الحوثي مقاتليه، الذين ينحدر كثير منهم من المناطق الجبلية ويشتهرون بارتداء الصنادل ومضغ القات، إلى قوة تضم عشرات الآلاف من العناصر، صمدت لسنوات أمام غارات جوية شنها تحالف بقيادة السعودية خلال الحرب الأهلية اليمنية، وطورت ترسانة تضم طائرات مسيرة وصواريخ باليستية.
وأدت هدنة توسطت فيها الأمم المتحدة عام 2022 إلى وقف القتال العنيف، لكنها لم تفضِ إلى تسوية دائمة للصراع اليمني.
وفي العام التالي، برز الحوثيون على الساحة الإقليمية من خلال استهداف حركة الملاحة في البحر الأحمر، قائلين إن تحركاتهم تأتي تضامناً مع الفلسطينيين خلال الحرب في غزة. أما الآن، فقد فتحوا جبهة أخرى في الصراع الإقليمي، بما يعزز النفوذ الاستراتيجي لإيران، بعدما أصبحت الملاحة عبر مضيق هرمز مقيدة بشدة بفعل الحرب الدائرة في المنطقة.
وبصفته زعيم الجماعة، أصبح عبدالملك الحوثي أحد أبرز حلفاء طهران العرب وأكثرهم صموداً، خصوصاً بعد مقتل قادة بارزين في جماعة حزب الله اللبنانية وحركة حماس الفلسطينية.
وأظهر الحوثي، الذي يتسم بالغموض ويتمتع بسمعة قائد عسكري شديد التمسك بمواقفه، تحدياً مستمراً رغم الرد العسكري الأميركي على هجمات جماعته ضد السفن خلال حرب غزة. كما هدد بشن عمليات عسكرية إذا سعت الولايات المتحدة وإسرائيل إلى تهجير الفلسطينيين من قطاع غزة، ووصف الرئيس الأميركي دونالد ترامب بأنه "مجرم".
وقال في خطاب ألقاه في أغسطس/آب بمناسبة ذكرى المولد النبوي "نؤكد على ثبات موقفنا ضد الطغيان الأميركي والإسرائيلي الصهيوني، الذي يستهدف أمتنا جميعاً، تحت عنوان تغيير الشرق الأوسط".
وفي خطاب آخر خلال حرب غزة، وصف الحوثي الحصار الإسرائيلي على القطاع بأنه جريمة ضد الإنسانية، واتهم دولاً عربية وإسلامية أخرى بالتقاعس.
وصمد الحوثيون في بلد اتسم تاريخه السياسي بتحالفات معقدة ومتغيرة، فبعد أن غيّر الرئيس اليمني الراحل علي عبدالله صالح، الذي حكم البلاد لأكثر من عقدين، تحالفاته خلال الحرب الأهلية وتخلى عن الحوثيين لمصلحة تحالف تقوده السعودية، قالت مصادر في ذلك الوقت إن المتمردين أوقفوا مركبته المدرعة بقذيفة صاروخية خلال كمين، ثم أطلقوا عليه النار وقتلوه.
وقال مصدر مطلع إن الحوثي، منذ بداية الحرب الأهلية التي اعتُبرت على نطاق واسع صراعاً بالوكالة بين الرياض وطهران، لم يُعرف عنه أنه التقى شخصياً بأي من المسؤولين الأجانب الذين تعاملوا مع الحركة.
وكان يُطلب من كثير ممن سعوا إلى لقائه السفر إلى معقل الحوثيين في صنعاء، حيث تنقلهم قافلة أمنية إلى منازل آمنة، وتخضع الوفود لتفتيش أمني قبل اقتيادها إلى غرفة في طابق علوي يظهر فيها الحوثي عبر شاشة فقط، خشية تعرضه للاغتيال.
تشكّلت حركة الحوثي في الأساس للدفاع عن مصالح أتباع المذهب الزيدي، وهو مذهب شيعي حكم أتباعه اليمن لنحو ألف عام حتى عام 1962، قبل أن يشعروا بالتهميش خلال فترة حكم صالح، أول رئيس لليمن الموحد بين عامي 1990 و2012.
وينفي الحوثيون ما يتردد عن كونهم مجرد أدوات في يد طهران، ويقولون إنهم يحاربون نظاماً فاسداً في اليمن وما يصفونه بالعدوان الخارجي. في المقابل، تتهم السعودية وحلفاؤها إيران بتسليح الحوثيين وتدريبهم، وهو ما تنفيه طهران.
وأودت الحرب الأهلية بحياة عشرات الآلاف، ودمرت الاقتصاد اليمني، وتركت ملايين اليمنيين يعانون من الجوع والفقر. ومع تجدد القتال مؤخراً، قالت الأمم المتحدة إن أكثر من 100 ألف شخص نزحوا داخل اليمن، فيما فر آلاف آخرون بحراً إلى جيبوتي.
وخلال ذروة الحرب، شن الحوثيون هجمات على السعودية، كما شنوا في يناير/كانون الثاني 2022 هجوماً صاروخياً على مركز تجاري في الإمارات.
ومع غياب الحوثي إلى حد كبير عن الأنظار، أصبح المتحدث العسكري باسم الجماعة يحيى سريع الوجه العام للحوثيين.
ويقف سريع دائماً بزيه العسكري، ويقرأ البيانات بنبرة مسرحية، مطيلاً بعض الكلمات ورافعاً صوته للتأكيد. وقد جعل أسلوبه المميز في الأداء صوته معروفاً لدى جماهير في أنحاء المنطقة.
وفي عام 2024، حصل سريع على درجة الماجستير في الدبلوماسية والعلاقات الدولية من الأكاديمية اليمنية للدراسات العليا، وفقاً لما تذكره مواقع إلكترونية تابعة للحوثيين وحسابه الشخصي على منصة إكس.
وتناولت أطروحته موضوعاً قريباً من طبيعة عمله، وحملت عنوان: "خطر التواجد الإسرائيلي في البحر الأحمر على الأمن القومي للجمهورية اليمنية، 2010-2022".
وفي بيان نشره عبر قناته على تيليغرام في 13 سبتمبر/أيلول، قال سريع:"نؤكد للعدو السعودي المجرم أن استمرار عدوانه على شعبنا سيقابل بعمليات أشد وأكبر في عمق أراضيه وستكون عواقبها عليه وخيمة بإذن الله وقوته".

تعليقات الزوار
لا تعليقات