لم يعد ممكنا قراءة الانقطاعات المتكررة للكهرباء التي شهدتها تونس والجزائر وليبيا خلال الأيام الماضية باعتبارها حوادث منفصلة فرضتها موجة حر استثنائية، بل باتت تكشف، وفق خبراء عن تحديات هيكلية تواجه شبكات الكهرباء في شمال أفريقيا، في ظل ارتفاع غير مسبوق للطلب على الطاقة، وتهالك أجزاء من البنية التحتية، وتراجع الاستثمارات اللازمة لتطويرها.
وشهدت الدول الثلاث اضطرابات متفاوتة في إمدادات الكهرباء تزامنت مع ارتفاع درجات الحرارة إلى مستويات قياسية تجاوزت في بعض المناطق 45 درجة مئوية، ما أدى إلى قفزة كبيرة في استهلاك الكهرباء، ولا سيما مع الاعتماد المكثف على أجهزة التكييف، الأمر الذي وضع شبكات الكهرباء تحت ضغوط غير مسبوقة.
لكن محللين يرون أن الحرارة لم تكن سوى القطرة التي افاضت الكأس وعرت هشاشة منظومات الكهرباء في تلك الدول، إذ إن الأزمة تعود في جوهرها إلى فجوة متزايدة بين النمو السريع في الطلب على الطاقة وبين وتيرة تطوير محطات الإنتاج وشبكات النقل والتوزيع.
وتشير تقارير اقتصادية إلى أن عدداً من شبكات الكهرباء في المنطقة صُممت قبل عقود، عندما كان عدد السكان أقل واستهلاك الكهرباء أكثر محدودية، في حين تضاعف الطلب خلال السنوات الأخيرة بفعل النمو السكاني والتوسع العمراني والانتشار الواسع لأجهزة التبريد، دون أن يواكب ذلك استثمار مماثل في تحديث البنية التحتية.
وتبرز أحداث الأسبوع الماضي أيضاً أهمية الربط الكهربائي بين دول المنطقة، بعدما أظهرت الأزمة أن عطلاً فنياً في منشأة كهربائية رئيسية بمنطقة سيدي عقبة شرق الجزائر انعكس على تونس، التي تعتمد على اتفاقيات لتبادل الطاقة مع جارتها الغربية خلال فترات ذروة الاستهلاك، ما أدى إلى زيادة الضغوط على الشبكة التونسية في وقت كانت تواجه فيه طلباً قياسياً على الكهرباء.
وفي تونس، لجأت الشركة التونسية للكهرباء والغاز إلى تطبيق انقطاعات دورية للتيار بهدف تخفيف الأحمال ومنع انهيار شامل للشبكة، بعد أن بلغ الاستهلاك مستويات غير مسبوقة.
وأثارت الانقطاعات استياء واسعا، خصوصا مع امتدادها لساعات طويلة في عدد من المناطق، بينما ربطت السلطات الأزمة بارتفاع الاستهلاك والظروف الاستثنائية، في حين تعهد الرئيس قيس سعيّد بمحاسبة أي مسؤول يثبت تقصيره.
وتصاعدت حالة الغضب مع تكرار الانقطاعات المفادجئة دون سابق انذار وتفاقم وتيرتها ما أدى الى خسائر كبيرة في الانشطة التجارية والخدماتية، ذهب مختصون الى اعتبارها كارثية على اقتصاد منهك.
ما في الجزائر، فتزامن تسجيل أعلى مستوى تاريخي للطلب على الكهرباء، الذي تجاوز 21 ألف ميغاواط، مع عطل مفاجئ في منشأة كهربائية رئيسية بولاية بسكرة، ما أدى إلى اضطرابات في ولايات شرق البلاد قبل أن تتمكن الفرق الفنية من احتواء الخلل وإعادة التغذية تدريجياً.
وترى السلطات الجزائرية أن ما حدث كان ظرفاً استثنائياً ناجماً عن تزامن العطل الفني مع الأحمال القياسية التي فرضتها موجة الحر.
وفي ليبيا، اتخذت الأزمة منحى أكثر حدة بعد انهيار أجزاء واسعة من الشبكة الكهربائية نتيجة خروج خط نقل رئيسي بجهد 400 كيلوفولت من الخدمة، وهو ما أدى إلى فقدان نحو 1350 ميغاواط من القدرة الإنتاجية وخروج عدد من محطات التوليد تباعاً، قبل أن تبدأ السلطات إعادة بناء الشبكة تدريجياً والاستعانة بالربط الكهربائي مع مصر لدعم عمليات الاستعادة.
ويرى خبراء أن الأحداث الأخيرة سلطت الضوء على تحدٍ مشترك يواجه معظم دول المنطقة، يتمثل في تراجع هامش الاحتياطي الكهربائي، إذ تعمل كثير من المحطات بالقرب من أقصى طاقتها خلال أشهر الصيف، ما يجعل أي عطل فني، ولو كان محدوداً، قابلاً للتسبب في اضطرابات واسعة النطاق.
كما يشيرون إلى أن تغير المناخ يزيد من تعقيد المشهد، مع تكرار موجات الحر الشديدة وامتدادها لفترات أطول، وهو ما يرفع الطلب على الكهرباء عاماً بعد عام، ويجعل ذروة الاستهلاك الصيفية أكثر صعوبة على الشبكات التي لم تُحدَّث بالوتيرة المطلوبة.
وما شهدته تونس والجزائر وليبيا خلال أيام متقاربة يعكس تحدياً إقليميا يتجاوز حدود كل دولة على حدة، إذ باتت أمن الطاقة ومرونة شبكات الكهرباء والقدرة على الاستثمار في البنية التحتية عوامل حاسمة لتجنب تكرار مثل هذه الأزمات في صيف يبدو أنه أصبح أكثر قسوة عاماً بعد آخر.

تعليقات الزوار
لا تعليقات