تواصلت في موريتانيا حملة التوقيع الموسعة على «ميثاق المواطنة» بوصفه محاولة جديدة لإعادة تعريف العلاقة بين الموريتانيين خارج القوالب العرقية والشرائحية والقبلية، وذلك في بلدٍ يطفو فيه سؤال الهوية إلى السطح مع كل أزمة انتخابية أو اجتماعية أو اقتصادية
وتابع ناشطون وسياسيون وأكاديميون موريتانيون من آفاق سياسية واجتماعية مختلفة، الترويج لهذا الميثاق عبر حملة رقمية وإعلامية، لا يقدّم الميثاق فيها نفسه كمبادرة سياسية عابرة، بل كـ»عقد اجتماعي وأخلاقي» يسعى إلى بناء مصالحة وطنية هادئة بين المكونات الكبرى للمجتمع الموريتاني: البيظان بشقيهم العربي البربري والحراطين، والقوميات الزنجية الثلاث البولارية والولفية والسوننكية.
غير أن أهمية الوثيقة لا تكمن فقط في بنودها الاثني عشر، بل في توقيتها أيضا، إذ تأتي في لحظة إقليمية مضطربة، وفي سياق داخلي يشهد تصاعد النقاش حول العدالة الاجتماعية، والتمثيل السياسي، والتمييز، والذاكرة التاريخية، ومستقبل التعايش الوطني.
من خطاب الأزمة إلى خطاب المواطنة
على مدى عقود، ظلت موريتانيا تعيش على وقع توترات مرتبطة بالهوية والانتماء، فمنذ أحداث 1966 المرتبطة باللغة، ثم أزمة 1989 بين موريتانيا والسنغال وما رافقها من تهجير واحتقان عرقي، وصولا إلى ملف الإرث الإنساني، وقضايا الرق ومخلفاته، بقيت الدولة الموريتانية تواجه تحديا معقدا: كيف تبني هوية وطنية جامعة داخل مجتمع متعدد الأعراق واللغات والمرجعيات الاجتماعية؟
ورغم أن الدستور الموريتاني ينص على أن البلاد «متعددة الأعراق والثقافات»، فإن الخطاب العام ظل في كثير من الأحيان أسير التصنيفات الهوياتية الحادة، سواء في الإعلام التقليدي أو على شبكات التواصل الاجتماعي أو حتى داخل الخطاب السياسي.
هنا تحديدا يحاول «ميثاق المواطنة» التدخل، من خلال نقل النقاش من «من يمثل من؟» إلى «كيف نبني دولة مواطنة يتساوى فيها الجميع؟».
ماذا يريد الميثاق؟
يتأسس الميثاق على 12 بندا تتداخل فيها الأبعاد الدينية والسياسية والاجتماعية والتربوية، ويمكن تلخيص فلسفته العامة في ثلاث ركائز أساسية أولاها تثبيت المشترك الوطني.
وينطلق الميثاق في هذه الركيزة من التأكيد على أن الإسلام يمثل «الرابط الأقدس والأسمى» بين الموريتانيين، مع التشديد على احترام الدستور والعلم والنشيد الوطني والتاريخ المشترك باعتبارها رموزا جامعة.
ويبدو أن واضعي الوثيقة حريصون على جعل الدين مدخلا للوحدة لا أداة للاستقطاب، عبر استحضار مبدأ المساواة الإسلامية ونفي التفاضل العرقي.
أما الركيزة الثانية في الميثاق فهي ركيزة تفكيك الخطاب العرقي، وهذه الركيزة من أكثر البنود إثارة للنقاش، حيث يدعو الميثاق إلى اعتماد صفة «موريتاني» أو «مواطن» بدل التسميات العرقية والشرائحية في الخطاب العام، خاصة داخل السياسة والإعلام ومواقع التواصل.
ويعكس هذا التوجه قناعة لدى أصحاب المبادرة بأن جزءا كبيرا من الأزمة الوطنية لم يعد مرتبطا فقط بالاختلالات الاقتصادية أو السياسية، بل باللغة التي يتحدث بها الموريتانيون بعضهم عن بعض.
فالوثيقة ترى أن عادة إنتاج التصنيفات العرقية بشكل دائم يعمق الإحساس بالانقسام، حتى عندما يكون الهدف المطالبة بالحقوق. ولا يكتفي الميثاق في ركيزته الثالثة بالدعوة الرمزية إلى التعايش، بل يتحدث صراحة عن الغبن والتهميش والإقصاء والفوارق الاجتماعية، ويدعو إلى معالجتها عبر سياسات عادلة وشاملة.
كما يميز الميثاق بين نقد «السياسات والأنظمة»، وتحميل المكونات الاجتماعية مسؤولية الأزمات، وهي نقطة شديدة الحساسية في بلد كثيرا ما تحولت فيه الخلافات السياسية إلى اصطفافات هوياتية.
لماذا الميثاق الآن؟
يعكس طرح الميثاق في هذا التوقيت، وفق خبراء متابعين لهذا الشأن، إدراكا متزايدا بأن موريتانيا تواجه تحديين متوازيين، هما: تصاعد الخطابات المتشددة على أساس الهوية والانتماء، واتساع الشعور بالإحباط الاجتماعي لدى فئات متعددة.
وقد ساهمت وسائل التواصل الاجتماعي في تسريع هذا الاستقطاب، حيث تحولت المنصات الرقمية إلى فضاءات مفتوحة للسجالات العرقية والقبلية، وأحيانا لتبادل الاتهامات التاريخية بين المكونات.
وفي المقابل، برز تيار مدني وفكري يرى أن استمرار هذا المسار قد يهدد السلم الأهلي مستقبلا، خصوصا في ظل البيئة الإقليمية الهشة في منطقة الساحل وغرب إفريقيا.
وقد حظي الميثاق بترحيب من ناشطين ومثقفين اعتبروا أنه يشكل محاولة جادة لإعادة الاعتبار لفكرة «المواطنة الجامعة»، بعيدا عن منطق الاصطفافات التقليدية.
ويرى مؤيدو الميثاق أنه يتميز بثلاث نقاط قوة، أولاها الاعتراف الصريح بالتنوع العرقي والثقافي، والثانية رفض العنصرية والاستغلال السياسي للهويات، والثالثة الربط بين الوحدة الوطنية والعدالة الاجتماعية. لكن في المقابل، يطرح منتقدو الميثاق تساؤلات حول قدرة «الميثاق الأخلاقي» وحده على معالجة أزمات متجذرة تعود لعقود.
ويعتبر بعض المنتقدين أن المصالحة الوطنية تحتاج، إضافة إلى الخطاب الرمزي، إلى إصلاحات اقتصادية واجتماعية عميقة، ومعالجة ملفات الذاكرة والتمييز بشكل مؤسساتي، وضمان تمثيل أكثر توازنا داخل الإدارة والاقتصاد،
وتطبيق صارم للقوانين المتعلقة بالعنصرية والعبودية.
كما يبدي آخرون تخوفا من أن يتحول الحديث عن «نبذ التصنيفات العرقية» إلى وسيلة لتجاوز النقاش حول المظالم التاريخية بدل معالجتها.
الرهان الحقيقي: المدرسة والإعلام والسياسة
ورغم الطابع الرمزي للوثيقة، فإن أهميتها ربما تكمن في محاولتها التأثير على ثلاثة مجالات حاسمة هي المدرسة، إذ يدعو الميثاق إلى إدماج قيم المواطنة والتسامح واحترام التنوع داخل المناهج التعليمية، بهدف تنشئة جيل أقل ارتباطا بالاستقطابات التقليدية.
ومجال التأثير الثاني هو الإعلام من خلال الدعوة إلى خطاب إعلامي يواجه النعرات القبلية والعرقية، ويعزز الانتماء الوطني المشترك.
أما المجال الثالث فهو السياسة، عبر رفض توظيف الانتماءات الضيقة في الحملات الانتخابية، وهي ظاهرة طالما اتُّهمت بها مختلف القوى السياسية في البلاد.
هل موريتانيا أمام بداية تحول؟
لا يبدو أن «ميثاق المواطنة» سيُنهي بمفرده تعقيدات الهوية في موريتانيا، لكنه يكشف عن تحوّل مهم في طبيعة النقاش العام: فبدل الاكتفاء بإدارة التوازنات بين المكونات، بدأ جزء من النخب يتحدث عن ضرورة إنتاج سردية وطنية جديدة تتجاوز منطق «المكونات المتقابلة» نحو مفهوم «المواطن المتساوي».
ويبقى السؤال الأهم: هل ستظل الوثيقة مجرد حملة رقمية وأخلاقية، أم تتحول إلى أرضية لحوار وطني أوسع حول العدالة والهوية والمواطنة؟
والحقيقة أنه في بلد لم يحسم بعد علاقته بتاريخه الاجتماعي والسياسي، قد لا يكون الرهان الحقيقي هو كتابة ميثاق جديد، بل القدرة على تحويل مبادئه إلى سياسات وثقافة يومية يشعر بها المواطن في المدرسة والإدارة والشارع وصندوق الاقتراع.

تعليقات الزوار
لا تعليقات