أخبار عاجلة

تجليات ميثولوجيا الثقافة الشعبية الجزائرية في الوعدة

يتزامن تنظيم شهر التراث مع المجال الزمني الذي تنظم فيه وتقام خلاله تظاهرة ''الوعدة'' أو الجمع، وهي التظاهرة التي تندرج في الفضاء العام للأمة ومنجز تاريخي باعتبارها تجمع سنوي أو موسمي، لتحقيق مجموعة من الأهداف الإستراتيجية المثبتة لمفهوم الأمن الاجتماعي والانسجام الجماعي، وهي التظاهرة  الاجتماعية المتوارثة من أزمنة سابقة، والتي أنجزتها التجربة التاريخية للمجموعة الوطنية خلال مسيرتها التاريخية، وتكاد الوعدة أن تكتسب صيغة وشروط المؤسسة العامة المنتجة لمجموعة من القيم في الغالب يكون المجتمع في أمس الحاجة إليها وبالذات في الظروف التاريخية الحرجة.

الخلفية المتوارية

لقد اكتسبت الوعدة شرعيتها من طبيعة قيامها والحرص على استمرارها، وبالذات في الفترة الاستعمارية، التي كانت الرد الميداني والعملي على الإستراتيجية الاستعمارية التي قامت على منهجية التفتيت الجماعي وتدمير التلاحم الوطني للشعب الجزائري، فسعت النخب العلمائية الوطنية على إعادة بعث الوعدة وتوسيع جغرافيتها عبر كامل التراب الوطني، حتى كادت أن تشمل كل قرية، من أجل أن تواجه مشروع التفتيت وحملات التدمير التي استهدفت المجموعة الوطنية، فقد عملت النخب العلمائية من خلال تظاهرة الوعدة على ترسيخ الوحدة الجغرافية الترابية للجزائر، وترسيخ معانيها وقيمها ومفاهيمها في نفوس أفراد المجتمع، ليبرز البعد السياسي التاريخي المهم الذي عملت هذه النخب على تعزيز مكانته والرفع من مكانته في التاريخ.

كما حرصت النخب العلمائية الوطنية من خلال تفعيل تظاهرة الوعدة، على مقارعة مخصص استهداف الهوية الوطنية والانتماء التاريخي للمجموعة الوطنية من طرف الاستعمار الفرنسي، الذي حرص على إقناع الشعب الجزائري بأنه مقطوع الأوصال ولا يمتلك المبررات التاريخية التي تجعل منه مجتمعا ينتمي إلى التاريخ، وهنا كان من بين أهداف تفعيل الوعدة الإشادة بالعلماء والصالحين، من أبناء الوطن الذين يمثلون المرجعية الجماعية والشرعية التاريخية الوطنية، وهنا جاء تنظيم تظاهرة الوعدة في الزوايا وأضرحة الأولياء والعلماء والصالحين، وهي الشخصيات التي كانت لها مساهمات مهمة في ترسيخ الهوية الوطنية من خلال انجازاتها التي ساهمت بها في المسيرة الإنسانية، لتكون الرد المناسب على الإستراتجية الاستعمارية المدعية كذا أساطير اليتم التاريخي للشعب الجزائري.

إن موضوع المنجز التاريخي لتظاهرة الوعدة، يفترض النظر إليه في سياق تاريخي بعيدا عن التجاذبات الذاتية العابرة، والتفكير فيه في إطار  (صراع الاستراتيجيات الثقافية)، مع الانتباه الجيد للفخاخ الاستعمارية التي تستخدم كل الأساليب والطرق بما فيها تلك التي تحمل شعار اللغة الدينية، من أجل تحقيق أهدافها، وقد تأكد العالم اليوم أن الحملات التي تشن ضد الأمة بإسم اللغة الدينية، هي صناعة استعمارية تتنازعها النخب الغربية التقليدية الانجليزية والفرنسية، من أجل تعميق التخلف وتوسيع الصراعات الداخلية ونشر المزيد من سلوكات العدوان الداخلي، ليتم لها فرص المزيد من نهب الثروات والاستيلاء على المقدرات.

الارتكاس النوعي

لقد تفطنت النخب الاستعمارية الفرنسية إلى الأبعاد الإستراتيجية لمشروع تظاهرة الوعدة، فسارعت إلى مواجهتها وعملت على إفشال المشروع، عبر ثلاثة أساليب متزامنة ومتنوعة في الوقت نفسه، أولها القمع المادي والهمجية العسكرية والأمنية، حين منعت تنظيم الوعدة واعتقلت المنظمين والزج بهم في السجون، وثانيها القيام بحملة إعلامية واسعة لتشويه صورة الوعدة ونشر المفاهيم المغلوطة لصرف الناس عنها، مثل اعتبارها انحرافا عن الدين وخللا في العقيدة وممارسة متناقضة مع الدين، وثالثها استهداف العلماء والصالحين، باعتبار تنظيم الوعدة بالقرب أو عند أضرحتهم شرك بالله وعبادة للأشخاص من دون الله، مما يجعل صورة هؤلاء العلماء والصالحين، مشوهة في عقول ونفسيات أفراد المجتمع، وإلحاق الكثير من التهم والأكاذيب والإشاعات التي تمس بمكانة وانجازات هؤلاء العلماء والصالحين.

وهي الإستراتيجية الثقافية /الإعلامية التي اعتمدها الاستعمار، لاستهداف النخب الوطنية، من العلماء والصالحين، من أجل الإيغال في تشويه تاريخ الشعب الجزائري، وقطع كل صلاته بماضية، وإنشاء جيل مقطوع الصلة بنخبه، في الوقت نفسه كثف الاستعمار حملاته على تلميع النخب الاستعمارية وفرض صورتها في نفسية الأجيال الجديدة، ودفع الشعب الجزائري إلى تقديم الاحترام والتبجيل للنخب الاستعمارية والنفور من النخب الجزائرية والاستهتار بمنجزاتها واحتقار جهودها والاستخفاف بمكانتها التاريخية. 

إن فرصة شهر التراث تسمح بإمكانية إطلاق نقاش وطني يتناول الذاكرة الجماعية، في إطار الاستراتيجيات الثقافية الدولية، التي لا يمكن أن تقابل إلا باستجماع كل مكونات هذه الذاكرة الجماعية ولا تقف عند حدود زمنية معينة ولا نطاق جغرافي محدد ولا سلوك معين، وإنما المنتظر في مناسبة شهر التراث أن يتم الانتقال من موقع أن التراث ''رمزية ماضوية''، إلى أفق ''الرهان المستقبلي'' تبرز من خلاله قدرة النخب العلمائية والمؤسسات العامة على التأسيس لمشروع وطني شامل يتكفل بتنفيذ رؤية تاريخية ناضجة تعمل على تحقق المصالح العليا للمجموعة الوطنية، التي أصبحت تواجه العديد من التحديات، والتي أصبح الإعلان عن التبرم منها والانزعاج من مخاطرها يتم التصريح به بصفة جماعية، دون أن تبرز لحد الآن تلك الملامح التي تؤكد قيام النخب العلمائية بما يجعلها تنخرط في المسار العالم لتفعيل دور الذاكرة الجماعية للأمة.

الآفاق المؤجلة

إن التفكير في إمكانية تفعيل التلاحم الاجتماعي المراد الوصول إليه لا يمكن أن يتحقق إلا بمجموعة من العوامل الحاسمة لمصيره، والتي يفترض أن يبني على رؤية واضحة تأخذ في الاعتبار عاملين أساسيين، أولهما خصوصية المكون الاجتماعي بكل مشاربه، (ثقافي/ ديني / أسطوري/ رمزي/ نفسي/ سلوكي)، مما يشكل المنظومة المؤسسة للمجموعة الوطنية، وثانيهما المستجدات الطارئة التي يفرضها تطور الحياة ومسيرة البشرية، التي توجب المسارعة إلى التكيف معها.

وهي العملية التي تقع مهمة انجازها على النخب العلمائية التي ينتظر منها إنتاج الصيغ والقوالب القابلة لتنفيذ الرؤية الكلية المراد توفير الأمن الاجتماعي والانسجام الفكري والتلاحم الوطني، والاهم من ذلك إيجاد الآلية المناسبة لاستمرار المجموعة الوطنية في مناخ هادئ، بعيدا عن المنغصات الطارئة، وفي هذا السياق تفرض الأجيال الجديدة حقوقها على النخب العلمائية والمؤسسات العامة، أن توجد المناخ الذي يجعل هذه الأجيال تنسجم مع منظومتها الجماعية، وان تكون علاقتها مع تظاهرة الوعدة علاقة قائمة على التفاهم والتفاعل الذي يساعد على مواجهة الكثير من منغصات التشرذم والخلل الذي عادة ما يعبر المجتمع عن انزعاجه من توسع مظاهره.

إن إمكانية إعادة النظر في تفعيل تظاهرة الوعدة، لا يمكن تصوره إلا في إطار المجهود الوطني العام، المعبر عنه في معركة الذاكرة الجماعية، وفق أساليب وطرق متناسبة مع الموجة الاتصالية التكنولوجية الوافدة، ومقارعة الحملات الاستعمارية المتصاعدة في السنوات الأخيرة والتي تتزايد همجيتها من خلال انخراط مؤسسات وهيئات استعمارية رسمية وذات التأثير الكبير، مما يوجب التفكير في تفعيل إستراتيجية وطنية تسعى إلى انجاز محتوى (ثقافي/ إعلامي) قوي، يستند إلى التجربة التاريخية للمجموعة الوطنية ويستعين بالمبررات القانونية الدولية التي توفر لأصحاب الحقوق الثقافية والاجتماعية أحقية العيش في مناخ ذاتي منسجم. 

اضف تليق

Leave this empty:

شارك

تعليقات الزوار

لا تعليقات