على غرار الآلاف من سكان ولاية النيل الأزرق، فرت عواطف عوض أواخر آذار/مارس مع أطفالها الخمسة، وتحاول منذ ذلك الحين الصمود في مخيم يكاد يفتقر لكل شيء، في ظل اتساع نطاق الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع.
وتقول عوض (38 عاما) لوكالة فرانس برس في اتصال هاتفي من مخيم “كرامة 3” للنازحين حيث باتت تقيم مثل الآلاف “تصلنا وجبة واحدة فقط في اليوم”.
وتضيف من المخيم الواقع في الدمازين عاصمة الولاية “ابني عمره 5 سنوات ويعاني من الملاريا ولا يوجد دواء”.
وبات المخيم الواقع في ولاية النيل الأزرق بجنوب شرق السودان عند الحدود مع إثيوبيا ودولة جنوب السودان، ملاذا لآلاف الفارين من تزايد وتيرة الهجمات واقتراب خطوط المواجهة من المناطق المدنية في الولاية الغنية بالموارد.
وامتد القتال إلى النيل الأزرق بعدما سيطرت قوات الدعم السريع على إقليم دارفور (غرب) أواخر العام الماضي. وتنقسم الولاية بين طرفي النزاع، ويخوض الجيش فيها معارك مع قوات الدعم السريع وحليفتها المحلية “الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال” بقيادة عبد العزيز الحلو، المنتشرة كذلك في جنوب كردفان.
وأسفرت المعارك في النيل الأزرق عن مقتل 450 شخص على الأقل بين كانون الثاني/يناير وآذار/مارس، بحسب ما قال جلالي جيتاشو بيرّو المحلل في منظمة مشروع بيانات ومواقع وأحداث النزاعات المسلحة لفرانس برس.
ويشير بيرّو الى أن هذه الوتيرة هي الأعلى منذ بدء الحرب عام 2023، وأن “النيل الأزرق تحولت من جبهة هامشية إلى ساحة مركزية للمعركة”.
التحكم بوسط السودان
وفي حال سيطرت قوات الدعم على هذه الولاية، ستحاصر مناطق في كردفان الواقعة بينها وبين دارفور. كما ستربط بين الجنوبيين الشرقي والغربي. وتجاور النيل الأزرق ولاية سنار التي استعاد الجيش السيطرة عليها العام الماضي في هجوم مضاد واسع النطاق تخلله أيضا استعادة الخرطوم.
وأوضح بيرّو أن النيل الأزرق قد “تحدد الطرف الذي سيسيطر على وسط السودان”.
وأسفرت الحرب عن مقتل عشرات الآلاف وتشريد الملايين، وأزمة نزوح وجوع تعدها الأمم المتحدة الأكبر في العالم.
وفرّت عوض وأبناؤها الخمسة من الكرمك قرب الحدود الإثيوبية (نحو 140 كلم جنوب الدمازين)، في أواخر آذار/مارس مع انتشار المسلحين في المنطقة.
وتقول إنها سارت مع أطفالها “لثلاثة أيام… ولم يقدم لنا أحد أي شيء”.
وبُني مخيم “كرامة 3” بداية لإيواء العائدين الى السودان بعدما فرّوا إلى إثيوبيا أو جنوب السودان خلال نزاع عام 2011. لكن منذ بداية هذه السنة، استقبل المخيم وغيره في الدمازين والروصيرص وباو المجاورتين، نحو 30 ألفا هجّرتهم معارك النيل الأزرق.
وفرّ أكثر من 11 ألف مدني من الكرمك وحدها، وفقا لإحصاءات الأمم المتحدة.
ويقول مسؤولون محليون إن أكثر من 150 ألف شخص نزحوا في أنحاء النيل الأزرق منذ نيسان/أبريل 2023، بينهم نحو 100 ألف لجأوا إلى الدمازين وحدها.
خوف من المطر
يعاني سكان “كرامة 3” ظروفا سيئة.
وأظهرت صور من المخيم نشرها متطوعون محليون، نساء تحلّق حولهن أطفال في طوابير للحصول على حصص ضئيلة من الطعام والمياه.
ونصبت فيه خيم من أغطية بلاستيكية وقش ومواد بدائية. ويفتقد المخيم لعيادة طبية، ويبقى الوصول إلى مستشفى المدينة رهن توافر “ركشة”، وهي عربة متهالكة تشكّل وسيلة النقل الوحيدة فيه.
وتقول محاسن عبد الحميد (33 عاما) النازحة من الكرمك وتقيم مع عائلات أخرى في خيمة بالمخيم، إنها “خائفة” من موسم الأمطار الذي بدأ هذا الشهر.
وتوضح “سيمتلئ المكان بالمياه ولن تقينا الخيام”.
وبحسب متطوع يساعد العائلات النازحة، طلب عدم كشف اسمه، “يعاني الناس نقصا في الغذاء والإيواء والخدمات الصحية”.
ويضيف “يصل بعض النازحين وهم مصابون، لكن لا توجد عيادات”.
وحذّر تقييم حديث للأمم المتحدة من أن أوضاع النازحين في النيل الأزرق تتدهور بسبب الاكتظاظ ورداءة المأوى والصرف الصحي وارتفاع مخاطر العنف القائم على النوع الاجتماعي.
وقالت منسقة الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية دينيس براون إن نقص التمويل وانعدام الأمن والقيود على الحركة تعرقل جهود الإغاثة، فيما تقول السلطات المحلية إن وكالات المساعدة غير قادرة على مواكبة الاحتياجات.
ويوضح المكتب الإعلامي لبلدية الكرمك لفرانس برس أن “المنظمات تقوم بعمل تقييم (الاحتياجات) لعدد معين، وحين تصل الإمدادات في اليوم التالي يجدون الأعداد قد ازدادت والنزوح مستمر”.
وقال “مرصد الجزيرة لحقوق الإنسان”، وهو منظمة غير حكومية، إن السلطات الأمنية قررت إغلاق “غرف الطوارئ” المحلية التي كانت توفر الغذاء والرعاية الصحية الأساسية، معتبرة أن ذلك “يفاقم الأزمة الإنسانية”.
ولم تردّ السلطات على طلب تعليق من فرانس برس.
في غضون ذلك، تتواصل المعارك.
ويتهم الجيش السوداني إثيوبيا والإمارات بشن هجمات بالمسيّرات منذ آذار/مارس على ولايات عدة بينها النيل الأزرق، انطلاقا من إثيوبيا. ونفت أبوظبي مرارا اتهامات بتسليح قوات الدعم، بينما نفت أديس أبابا استضافة الدعم السريع أو قوات إماراتية.
ويحذّر بيرّو من أن تصاعد النزاع في النيل الأبيض سيؤثر على “الفئات الضعيفة بشكل كبير”، خصوصا أن “خدمات الصحة والأمومة قد تنهار تماما”.

تعليقات الزوار
لا تعليقات