تجاوز انقطاع الإنترنت في إيران 70 يوماً، إذ منذ بدء الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران قُطع الإنترنت في البلاد بقرار من السلطات، ولا يزال هذا الانقطاع مستمراً حتى الآن.
وتُعد هذه أطول فترة انقطاع للإنترنت في إيران وفي العالم. وعلى الرغم من توقف الحرب التي استمرت 40 يوماً ووقف إطلاق النار، فإن انقطاع الإنترنت ما زال مستمراً، ويقول المسؤولون الإيرانيون إن ذلك يعود للظروف الاستثنائية وإن الأزمة القائمة تفرض الإبقاء على قطع الإنترنت دون أن يحددوا موعداً لإعادة الاتصال مجدداً.
وسبق أن شهدت إيران انقطاعاً للإنترنت خلال الحرب التي استمرت 12 يوماً مع إسرائيل، وكذلك خلال الاحتجاجات الواسعة في كانون الأول/ ديسمبر الماضي.
ويبلغ عدد سكان إيران 85 مليون نسمة، بينهم أكثر من 40 مليون مستخدم للإنترنت.
وقد تسبب انقطاع الإنترنت في خسائر اقتصادية كبيرة لدى أصحاب الأعمال الصغيرة والمتوسطة والتي تعتمد على مواقع التواصل الاجتماعي مثل إنستغرام وغيرها في التسويق والمبيعات.
وأثار انقطاع الإنترنت انتقادات واسعة في البلاد، إذ يقول المنتقدون إن أضراره لم تقتصر على الاقتصاد فحسب، بل كان له أثر أمني واجتماعي كبير.
وبرر المسؤولون قطع الإنترنت المؤقت بأنه ضروري لمواجهة الهجمات السيبرانية ومنع «استغلال العدو» للإنترنت. وأعلن الرئيس الإيراني، مسعود بزشكيان، ووزير الاتصالات، ستار هاشمي، معارضتهما لقطع الإنترنت، إلا أنهما أكدا أن القرار اتُّخذ لأسباب أمنية وبصورة مؤقتة.
وقال إحسان جيتساز، نائب وزير الاتصالات الإيراني، إن انقطاع الإنترنت ألحق ضرراً بقيمة 16.3 ألف مليار تومان بقطاع الاقتصاد الرقمي، أي ما يعادل نحو 90 مليون دولار. كما أفادت منظمة «نت بلوكس» العالمية لمراقبة الإنترنت بأن انقطاع الإنترنت كلف الاقتصاد الإيراني أكثر من 2.6 مليار دولار حتى الآن. ويحذر أصحاب الأعمال في إيران من أنه قد يؤدي إلى موجة واسعة من تسريح العمال والموظفين وإغلاق الشركات والبطالة والأزمات المعيشية.
المثير للاهتمام أنه رغم انقطاع الإنترنت العالمي، لا يزال الناس يستخدمون خدمات المواقع الإلكترونية والبنوك وغيرها عبر شبكة داخلية (إنترانت) تُعرف في إيران باسم «الإنترنت الوطني»، وهي منفصلة عن الإنترنت العالمي، تعمل بخوادم موجودة داخل إيران ولا ترتبط بالخارج. فكلما قُطع الإنترنت في إيران، تُفعَّل فوراً هذه الشبكة الداخلية حتى يتمكن المواطنون من مواصلة أنشطتهم اليومية عبر المواقع المحلية.
ومنذ سنوات، دفعت السلطات الإيرانية المؤسسات المحلية إلى استخدام خوادم داخلية، كما نقلت الشركات الكبرى خوادمها إلى داخل البلاد. ونتيجة لذلك، عندما يُقطع الإنترنت العالمي وتُفعَّل الشبكة الداخلية، تبقى المواقع التي تستضيف خوادمها داخل إيران متاحة وقابلة للاستخدام بشكل طبيعي، بينما تصبح المواقع ذات الخوادم الأجنبية غير قابلة للوصول. لهذا السبب، تستمر التطبيقات الخدمية الرئيسية في العمل رغم انقطاع الإنترنت. فعلى سبيل المثال، يواصل تطبيق «سناب»، أكبر تطبيق إيراني لخدمات سيارات الأجرة والتوصيل وطلبات المتاجر والمطاعم، العمل بشكل طبيعي لكونه يعمل على الشبكة الداخلية.
وبسبب العقوبات والحجب الداخلي، كان الإيرانيون أصلاً محرومين من استخدام العديد من المواقع الأجنبية الخاصة بالتسوق أو الترفيه. كذلك، لا تعمل البطاقات البنكية الدولية وأنظمة الدفع العالمية في إيران.
فمثلاً، لا يُحجب موقع نتفليكس في إيران، لكن الإيرانيين لا يستطيعون عملياً استخدامه بسبب غياب وسائل الدفع الدولية مثل فيزا وماستركارد، إضافة إلى ارتفاع الأسعار بالدولار.
وفي السنوات الأخيرة، ظهرت في إيران مواقع عديدة لبث أحدث الأفلام العالمية، بعضها مجانية وتعتمد على الإعلانات، وبعضها تتطلب اشتراكاً يُدفع عبر النظام المصرفي الإيراني. كثير من هذه الشركات مملوكة بالكامل للقطاع الخاص، أو تشارك فيه جهات حكومية. ويُعد «فيلمو» أكبر منصة إيرانية لبث الأفلام والمسلسلات، إذ لا تكتفي بعرض الأعمال العالمية مدبلجة أو مترجمة، بل تنتج مسلسلاتها الخاصة أيضاً. كما تُعد «فيلم نت» و»شيدا» من أبرز المنصات الأخرى التي تجمع بين عرض المحتوى العالمي وإنتاج الأعمال الدرامية المحلية، وقد حققت بعض أعمالها نجاحاً واسعاً داخل إيران.
ومن اللافت أن إيران ليست جزءاً من منظومة حقوق النشر العالمية، لذلك تُعرض الأفلام والمسلسلات الأجنبية على المواقع الإيرانية دون شراء حقوق البث. كما توجد عشرات المواقع غير الرسمية التي تعرض أحدث الأعمال العالمية مجاناً أو مقابل رسوم تُدفع عبر البطاقات البنكية المحلية، وغالباً دون رقابة أو حذف.
ولا يقتصر الأمر على خدمات النقل أو مشاهدة الأفلام، فحتى مواقع التجارة الإلكترونية الأجنبية مثل أمازون لا تعمل في إيران، لكن توجد مئات المواقع المحلية المشابهة، وأكبرها «ديجي كالا».
وينطبق الأمر نفسه على خدمات شراء الطعام والمنتجات من المتاجر والمطاعم، بل حتى على تطبيقات الخرائط؛ إذ حلّ تطبيقا «بلد» و»نشان» الإيرانيان محل خرائط غوغل وويز. ولم يحقق التطبيق الأول انتشاراً واسعاً بين الشعب، بينما حُجب الثاني لاحقاً رغم شعبيته لإفساح المجال أمام البدائل المحلية.
لذلك، ورغم انقطاع الإنترنت العالمي، تستمر الخدمات الإلكترونية الأساسية مثل التطبيقات المصرفية والتجارة الإلكترونية وخدمات النقل عبر الشبكة الداخلية. جميع البنوك الإيرانية تقريباً تمتلك تطبيقات نشطة، ويمكن تنفيذ معظم العمليات المصرفية، من فتح الحسابات إلى تحويل الأموال بين البنوك، عبر تطبيقات تعمل على الإنترنت الداخلي. كما توجد في إيران بنوك رقمية بالكامل دون فروع فعلية.
أما المواقع الإخبارية الإيرانية التي تستضيف خوادمها داخل البلاد، فقد واصلت العمل أثناء انقطاع الإنترنت.
وفيما يتعلق بتطبيقات المراسلة مثل واتساب وتلغرام، فقد ازدادت شعبية البدائل الإيرانية مثل «بله» و»إيتا» و»روبيكا». ويشبه «بله» و»إيتا» تطبيق تلغرام، بينما يحاول «روبيكا» أن يكون نسخة إيرانية من إنستغرام. وفي الأيام الأولى من انقطاع الإنترنت، حُجب محرك غوغل أيضاً مثل بقية المواقع الأجنبية، ما تسبب في مشكلة كبيرة للمستخدمين داخل الشبكة المحلية. وتوجد بعض محركات البحث الإيرانية مثل «غردو» و»ذره بين»، لكنها لم تستطع حل مشكلة البحث بشكل فعّال.
لكن بعد انتهاء الحرب، ورغم استمرار انقطاع الإنترنت العالمي، عاد غوغل للعمل داخل إيران.
وأطلقت الحكومة الإيرانية أيضاً مؤخراً خدمة «إنترنت برو»، تمنح الشركات والعاملين في قطاع التكنولوجيا وبعض الأشخاص الناشطين في الاقتصاد،» إمكانية الوصول إلى الإنترنت عبر شرائح اتصال خاصة ترفع الحجب عن بعض من شبكات التواصل الاجتماعي، لكنه يواجه انتقادات في إيران بسبب «التمييز» وأيضاً «انتهاك الخصوصية»، حيث يجب التحقق من هوية الشخص الذي يمتلك هذه الخدمة، كما يخض لرقابة السلطات.
أدى حجب المواقع والتطبيقات الأجنبية في إيران إلى انتشار واسع لاستخدام خدمات الـ»في بي إن»، لكسر الحجب والوصول إلى الإنترنت العالمي، إلا أن الحصول على خدمات فعالة أصبح أكثر صعوبة مع استمرار الرقابة وقيام السلطات بحجب العديد من الخوادم بشكل متكرر، إضافة إلى ارتفاع أسعار الاشتراكات وظهور سوق محلية سوداء لبيع خدمات كسر الحجب بأسعار مرتفعة.
كما اتجه بعض الإيرانيين إلى استخدام خدمة ستارلينك، التي توفر اتصالاً مباشراً بالإنترنت عبر الأقمار الصناعية بعيداً عن البنية التحتية المحلية، إلا أن السلطات الإيرانية تعارض استخدامها وتعتبرها غير قانونية، فيما يبقى انتشارها محدوداً بسبب ارتفاع تكلفتها وصعوبة إدخال أجهزتها إلى البلاد.
ويعتمد المجتمع الإيراني في معظم أنشطته اليومية على الإنترنت من الخدمات المصرفية وتحويل الأموال بين الحسابات والبنوك المختلفة، إلى طلب السلع من المتاجر الكبرى والمطاعم، ومشاهدة الأفلام والمسلسلات على الهواتف المحمولة، وشراء مختلف المنتجات. رغم ذلك، تحجب العديد من شبكات التواصل الاجتماعي مثل إكس وإنستغرام وتلغرام ويوتيوب وفيسبوك. وكان تطبيق واتساب محجوباً أيضاً قبل أن يُعاد تشغيله في بداية حكومة بزشكيان، إضافة إلى العديد من المواقع الأجنبية المحظورة في البلاد.
كيف يعيش الإيرانيون بعد انقطاع الإنترنت 70 يوماً

تعليقات الزوار
لا تعليقات