طالبت كتلة التوافق الوطني بالمجلس الأعلى للدولة، أمس الأربعاء، الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، بدعم إنشاء آلية تقصي حقائق فنية مستقلة بشأن عقود قطاع الطاقة في ليبيا، وذلك بالتنسيق مع السلطات القضائية الليبية، في خطوة تعكس تصاعد الجدل السياسي حول إدارة الثروة النفطية في البلاد في أعقاب تقارير أممية تحدثت عن شبهات فساد وتضارب مصالح في بعض التعاقدات المرتبطة بالقطاع النفطي. وجاءت هذه المطالبة في خطاب رسمي وجهته الكتلة إلى الأمين العام للأمم المتحدة، دعت فيه إلى تشكيل لجنة تحقيق دولية تعمل بصورة فنية ومستقلة للتحقق من الملابسات المرتبطة بعقود الطاقة الليبية، وما أثير حولها من اتهامات تتعلق بإهدار المال العام أو تجاوز الأطر القانونية المنظمة لعمل القطاع النفطي في البلاد. وأكدت الكتلة في خطابها ضرورة تفعيل الآليات الدولية الخاصة بتتبع واسترداد الأموال المنهوبة الناتجة عن قضايا الفساد في قطاع الطاقة، مشيرة إلى أهمية تقديم دعم فني واستشاري للجهات القضائية والرقابية في ليبيا، وعلى رأسها مكتب النائب العام، بما يعزز قدرتها على مباشرة التحقيقات وملاحقة الأطراف المحلية والأجنبية التي قد تكون متورطة في هذه القضايا.
كما طالبت الكتلة بالإسراع في نشر التقرير النهائي لفريق الخبراء التابع للأمم المتحدة بشأن ليبيا، معتبرة أن إطلاع الرأي العام الليبي على نتائج التحقيقات والتقييمات الدولية يعد خطوة ضرورية لتعزيز الشفافية ومحاسبة المسؤولين عن أي تجاوزات محتملة في إدارة الموارد النفطية.
وقالت الكتلة إن هذه المطالب تأتي في ظل ما وصفته بتفشي شبهات فساد خطيرة داخل قطاع الطاقة الليبي، مشيرة إلى أن هذه الشبهات بلغت مستويات غير مسبوقة في تاريخ الاقتصاد الليبي، الأمر الذي يهدد، بحسب تعبيرها، مقدرات الشعب الليبي ويؤثر على استقرار الدولة ومؤسساتها.
واستند بيان الكتلة إلى ما ورد في مسودة تقرير فريق الخبراء المعني بليبيا التابع للأمم المتحدة، والتي تضمنت مؤشرات اعتبرتها الكتلة مقلقة بشأن إدارة بعض العقود النفطية وآليات تصدير الخام الليبي، داعية إلى التعامل مع هذه المؤشرات بجدية ومسؤولية من قبل السلطات الوطنية والمجتمع الدولي.
ومن أبرز ما تضمنته مسودة التقرير توصية بوقف أي تعاقدات مع شركة «أركنو» للنفط، إلى جانب حظر أي مدفوعات خارج الحسابات الرسمية للمؤسسة الوطنية للنفط في مصرف ليبيا الخارجي، مع التأكيد على أن المؤسسة الوطنية للنفط هي الجهة الوحيدة المخولة بتصدير وتسويق النفط الليبي وفق القوانين المعمول بها.
وأشار التقرير الأممي إلى أن الشركة، التي تأسست عام 2023 باعتبارها أول شركة نفط خاصة في ليبيا، لم تلتزم بدفع الضرائب المستحقة للدولة، كما لم تفِ بعدد من الالتزامات التعاقدية الأساسية، خصوصاً تلك المتعلقة بالاستثمارات المعلنة أو بالحدود المسموح بها لكميات التصدير.
وبحسب ما ورد في مسودة التقرير، فقد جرى تعديل بعض بنود العقود المرتبطة بالشركة بصورة سمحت لها بتصدير كميات نفطية تتجاوز الحدود التعاقدية، وهو ما اعتبره الخبراء مثالاً على إضعاف الرقابة المؤسسية على قطاع النفط.
كما أشار التقرير إلى أن بعض عمليات بيع النفط تمت عبر شبكات من الوسطاء والتجار الدوليين، في حين جرت المفاوضات في بعض الحالات عبر تطبيقات مراسلة على وسائل التواصل الاجتماعي، قبل أن يُطلب من المشترين السفر إلى دبي لتوقيع العقود وفتح حسابات مصرفية في بنوك محددة، وهي آلية قال الخبراء إنها قد تسهم في إخفاء التحويلات المالية المرتبطة بهذه العمليات.
وفي سياق متصل، كانت حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبد الحميد الدبيبة قد أعلنت في وقت سابق إنهاء عمل شركة «أركنو» النفطية وإلغاء الاتفاقية الموقعة بينها وبين شركة الخليج العربي للنفط، وذلك بعد تصاعد الجدل السياسي والشعبي حول طبيعة عقود الشركة وعلاقتها بإدارة الموارد النفطية في البلاد.
وبررت الحكومة قرارها آنذاك بعدم تمكن المؤسسة الوطنية للنفط من تقديم ما يثبت سلامة الإجراءات القانونية المتعلقة بالاتفاقية أو جدواها الاقتصادية، إضافة إلى الضغوط السياسية والإعلامية التي تصاعدت عقب تسريب أجزاء من تقرير فريق الخبراء الأممي. ويرى مراقبون أن مطالبة كتلة التوافق الوطني بتشكيل لجنة تحقيق دولية تعكس حجم القلق المتزايد داخل الأوساط السياسية الليبية بشأن إدارة قطاع الطاقة، الذي يمثل المصدر الرئيسي لإيرادات الدولة الليبية وأحد أهم عوامل التوازن الاقتصادي في البلاد.
ويشير هؤلاء إلى أن الجدل الدائر حول شركة «أركنو» لا يتعلق فقط بشبهة الفساد المالي، بل يعكس أيضاً الصراع الأوسع حول السيطرة على الموارد النفطية في ليبيا، في ظل استمرار الانقسام السياسي والمؤسسي بين شرق البلاد وغربها.
ويؤكد محللون أن أي ترتيبات تسمح بتصدير النفط خارج إطار المؤسسة الوطنية للنفط قد تفتح الباب أمام تعدد مراكز القرار داخل القطاع النفطي، وهو ما قد يؤدي إلى تعقيد إدارة العائدات النفطية وزيادة احتمالات توظيفها في الصراعات السياسية والعسكرية.
كما يرى مراقبون أن نشر التقرير النهائي لفريق الخبراء الأممي قد يكشف تفاصيل إضافية حول الشبكات الاقتصادية والسياسية التي أحاطت بإنشاء شركة «أركنو» وطبيعة العلاقات التي سمحت لها بالعمل داخل قطاع النفط الليبي خلال السنوات الماضية.
ويؤكد هؤلاء أن التحقيقات المحتملة في هذا الملف قد تشكل اختباراً مهماً لقدرة المؤسسات القضائية والرقابية في ليبيا على التعامل مع قضايا الفساد الكبرى، خاصة في القطاعات الاستراتيجية المرتبطة بالموارد الطبيعية للدولة.
وفي ظل هذه التطورات، يترقب المتابعون ما إذا كانت الأمم المتحدة ستتجاوب مع مطالب كتلة التوافق الوطني بدعم إنشاء آلية تحقيق دولية، وما إذا كانت هذه الخطوة ستفتح الباب أمام مسار أوسع لمراجعة عقود الطاقة في ليبيا وتعزيز الشفافية في إدارة القطاع النفطي الحيوي.
المجلس الأعلى للدولة الليبية يطالب الأمم المتحدة بلجنة تحقيق دولية في عقود الطاقة

تعليقات الزوار
لا تعليقات