أخبار عاجلة

رحيل اليامين زروال رجل دولة بسيط قاد الجزائر في مرحلة مفصلية وسط تحديات أمنية وسياسية عميقة

توفي الرئيس الجزائري الأسبق اليامين زروال عن عمر ناهز 85 عاما، بعد مسيرة سياسية وعسكرية حافلة، ارتبطت بإدارة واحدة من أكثر المراحل تعقيدًا في تاريخ البلاد الحديث.

وأعلنت الرئاسة الجزائرية في بيان صدر ليل السبت/الأحد، أن زروال توفي بالمستشفى المركزي للجيش في العاصمة، إثر صراع مع المرض، فيما تقرر إعلان حداد وطني لمدة ثلاثة أيام، مع تنكيس الأعلام داخل البلاد وفي البعثات الدبلوماسية بالخارج.

وشكّل مسار اليامين زروال نموذجًا فريدًا في الجمع بين الخلفية العسكرية الصارمة والحضور السياسي الهادئ، حيث ارتبط اسمه بإدارة واحدة من أكثر الفترات حساسية في تاريخ الجزائر المعاصر.

وُلد زروال في مدينة باتنة والتحق بصفوف جيش التحرير الوطني عام 1957، ليشارك في حرب الاستقلال حتى عام 1962، وهي التجربة التي صقلت شخصيته ورسخت حضوره في المؤسسة العسكرية.

بعد الاستقلال، واصل تكوينه العسكري، حيث تلقى تدريبًا في الاتحاد السوفييتي، قبل أن يلتحق بالمدرسة الحربية الفرنسية عام 1974. ومكنه هذا التكوين المتنوع من تقلد مناصب قيادية بارزة داخل الجيش الوطني الشعبي، إذ تولى قيادة المدرسة العسكرية في باتنة، ثم الأكاديمية العسكرية في شرشال، قبل أن يُعيّن قائدًا لعدة نواحٍ عسكرية، وصولًا إلى منصب قائد القوات البرية.

وفي عام 1989، قدّم زروال استقالته من الجيش إثر خلافات مع الرئيس الشاذلي بن جديد بشأن خطط تحديث المؤسسة العسكرية، في خطوة عكست استقلالية قراره وعين لاحقا سفيرا في رومانيا عام 1990، لكنه استقال مجددًا بعد عام واحد، قبل أن يعود إلى الواجهة بتعيينه وزيرًا للدفاع الوطني في 10 يوليو/تموز 1993، في ظل أزمة سياسية وأمنية متصاعدة.

وفي 30 يناير/كانون الثاني 1994، تولى زروال رئاسة الدولة لقيادة المرحلة الانتقالية، قبل أن يُنتخب رئيسًا للجمهورية في 16 نوفمبر/تشرين الثاني 1995. ورغم الجدل الذي أثير حول نزاهة تلك الانتخابات من قبل بعض أطياف المعارضة، فقد مثّلت خطوة نحو استعادة المسار الدستوري.

وفي عام 1994، تولى زروال رئاسة الدولة في ذروة ما عُرف بـ"العشرية السوداء"، قبل أن يُنتخب رئيسًا للجمهورية في 16 نوفمبر/تشرين الثاني 1995 لولاية مدتها خمس سنوات، في انتخابات اعتُبرت آنذاك خطوة نحو استعادة الشرعية الدستورية.

وخلال فترة حكمه، أطلق إصلاحات سياسية بارزة، من بينها تعديل دستوري عام 1996 حدّد عدد الولايات الرئاسية بعهدتين، كما أُنشئ بموجبه مجلس الأمة كغرفة ثانية للبرلمان، في محاولة لتعزيز التوازن المؤسسي.

وعلى الصعيد الأمني، أطلق زروال عام 1997 مشروع "قانون الرحمة" (الوفاق المدني)، الذي أتاح لعناصر من الجماعات المسلحة تسليم أنفسهم مقابل الاستفادة من إجراءات تخفيفية، وهو ما ساهم في تقليص حدة العنف تدريجيا، رغم استمرار التوترات الأمنية آنذاك.

وفي خطوة مفاجئة، أعلن زروال في سبتمبر/أيلول 1998 تقليص ولايته والدعوة إلى انتخابات رئاسية مبكرة، جرت في أبريل/نيسان 1999 وأسفرت عن انتخاب عبدالعزيز بوتفليقة رئيسا للبلاد. ومنذ مغادرته السلطة، اختار الابتعاد عن الحياة السياسية، مكتفيًا بظهور محدود في بعض المناسبات الرسمية.

وخلال فترة حكمه، واجه تحديات جسيمة في ظل ما عُرف بـ"العشرية السوداء"، حيث سعى إلى تحقيق توازن بين المقاربة الأمنية ومحاولات التهدئة السياسية.

وعُرف زروال بشخصيته المنضبطة والبسيطة وبمواقفه الحازمة في القضايا السيادية، إذ رفض لقاء الرئيس الفرنسي جاك شيراك في ظل ما اعتبره شروطًا غير مناسبة، كما رفض الخضوع لضغوط صندوق النقد الدولي، في مسعى للحفاظ على الاستقرار الاجتماعي. وفي خطوة لافتة، أعلن عام 1998 تقليص ولايته والدعوة إلى انتخابات رئاسية مبكرة، منهياً عهده في أبريل/نيسان 1999.

وتباينت الآراء حول أدائه، إذ انتُقد لضعف مرونته في إدارة تعقيدات المشهد السياسي، بينما اعتبره أنصاره قائدًا شجاعًا تحمّل المسؤولية في أصعب الظروف. وبعد مغادرته السلطة، عاد إلى حياة بسيطة في مسقط رأسه، متخليًا عن امتيازات رئاسية، في سلوك نادر يعكس صورته كرجل دولة زاهد في السلطة.

وفي عام 2009، طُرح اسمه مجددًا للترشح للرئاسة، حيث أبدى استعدادًا مشروطًا للعودة، مؤكدًا أنه ليس ساعيًا إلى المنصب، بل مستعد لخدمة بلاده إذا استدعى الأمر، وهو موقف يلخص فلسفته السياسية القائمة على الواجب لا الطموح الشخصي.

وبرحيل زروال، تفقد الجزائر أحد أبرز وجوهها السياسية والعسكرية، ورمزا لمرحلة مفصلية حاول خلالها إعادة التوازن للدولة وسط تحديات أمنية وسياسية عميقة.

اضف تليق

Leave this empty:

شارك

تعليقات الزوار

لا تعليقات