أخبار عاجلة

ليامين زروال الذي رفض الرئاسة؟

ليامين زروال العسكري المحترف، ابن جيش التحرير، الذي التحق بصفوفه على تراب الولاية الأولى، أثناء ثورة التحرير سنة 1957 – والذي غادرنا يوم السبت الماضي عن عمر ناهز 84 سنة (من مواليد 1941)، بعد أن رفض الاستمرار على رأس السلطة كرئيس للجمهورية في الجزائر (1994-1999)، مفضلا تنظيم انتخابات رئاسية مسبقة، فاز بها الرئيس بوتفليقة 1999، الذي أحيا هذا القرار المفاجئ، الذي اتخذه الرئيس زروال، الأمل لديه في الوصول إلى هذا المنصب، الذي عمل طول حياته من أجل الوصول إليه والاستمرار فيه، عكس العسكري الشاوي الذي أحبه الجزائريون عندما ابتعد عن مغريات السلطة، مفضلا التوجه نحو مدينته – باتنة -للعيش فيها بعيدا عن الأضواء، بعد تنظيم انتخابات رئاسية مسبقة، رفض أن يترشح لها.

منصب الرئاسة الذي كان قد وصله الجنرال ليامين زروال في أحلك الأوقات، على أكثر من صعيد، إذ كانت الجزائر تعيش ظرفا سياسيا وأمنيا في غاية الصعوبة، لم يكن من السهل فيه تحمل مسؤوليات على هذا المستوى، قادما من الجيش الوطني الشعبي، الذي تحمل فيه زروال مسؤوليات كبيرة، أوصلته إلى وزارة الدفاع الوطني -1993 – وقيادة الأكاديمية العسكرية لشرشال، والكثير من النواحي العسكرية الميدانية قبلها، التي تعرّف في ترابها على الكثير من الوجوه السياسية والعسكرية، التي سيعيش معها أكثر من تجربة سياسية في رئاسة الجمهورية، هذه المرة، كما كان الأمر مع الجنرالين خالد نزار ومحمد بتشين، الذي ارتبط معه ليامين زروال بعلاقة صداقة تجاوزت كل المطبات السياسية التي صادفت مسيرته رئيسا للجمهورية، عكس ابن جهته خالد نزار الذي دخل معه ليامين زروال في بعض المشاحنات، كانت وراء استقالته من قيادة أركان الجيش الوطني الشعبي -1989- للتوجه إلى العاصمة الرومانية لتسيير السفارة الجزائرية في ذلك البلد، ليستقيل بعدها من هذا المنصب كما جرت العادة عنده، بعد فترة قصيرة، يكون قد تبين له بسرعة أنه عين في منصب مفخخ، لا يليق به كضابط سامٍ في هذه العاصمة غير المهمة دبلوماسيا.. استقالة ستؤكد بعض ما ميز شخصيته التي أحبها الجزائريون، الذي لم يعرف عنه اهتماما كبيرا بالمواقع السياسية، التي لم يكن محضرا لها كمسار مهني، لا على مستوى الكاريزما، أو على مستوى القدرة على التواصل والبلاغة عند الكلام، إلا كواجب يؤديه هذا الضابط بشخصيته الصارمة الممثلة لثقافة تنشئته العائلية والجهوية، ومساره العسكري الطويل داخل جيش التحرير والجيش الوطني الشعبي، استقالة ستتكرر مرة أخرى وهو يغادر موقع رئاسة الجمهورية في 1998، لم تكن مفاجئة للجزائريين القريبين من خبايا السياسة في ذلك الظرف السياسي المضطرب الذي كان يعيشه البلد، وهم يربطونها ببعض خصائص شخصيته وزهده في مظاهر السلطة والجاه، بنظافة اليد التي عرف بها، خلال مساره الطويل في أعلى المناصب العسكرية والسياسية. خصائص شخصية أكدها قبل ذلك وهو يغادر موقعه العسكري بقيادة الأركان، بعد اندلاع بعض المشاحنات مع الجنرال خالد نزار، خلال فترة حكم الرئيس الشاذلي بن جديد، لم تكن بعيدة عن التنشئة العسكرية المختلفة، التي ميزتهما، عرفا كيف يتجاوزها الاثنان، اعتمادا على خلفية انتمائهما الجهوي الواحد – لم تمنعه من تقديم استقالته للرئيس الشاذلي بعد أن تبين له أن مواقفه تميل لصالح اطروحات وزير دفاعه خالد نزار، امام ملفات تقنية وتنظيمية متعلقة بتسيير المؤسسة العسكرية.
رغم هذه المسارات المهنية المشتركة بين نزار وزروال في بعض المحطات، كما حصل عند التحاقهما بجيش التحرير، وقيادة الجيش الوطني الشعبي، إلا أنها عرفت اختلافا أكيدا، ميز مسار خالد نزار بتجربته داخل الجيش الفرنسي، قربته من شلة مجموعة الفارين من الجيش الفرنسي، التي تميزت بحضور قوي في تلك الفترة، عكس ليامين زروال المحسوب على قدماء جيش التحرير، كان فيها على العكس قريبا، وقد يكون قربا عاطفيا أكثر منه سياسيا، زيادة على اشتراك في بعض في الطباع، من صديقه محمد بتشين كأحد أبرز ممثلي هذا الفصيل الممثل لقدماء جيش التحرير، داخل المؤسسة العسكرية، التي سيعيش بالقرب منها خلال تجربة الرئاسة بما شابها من صراعات من داخل مؤسسات الدولة العميقة، لم يتمكن زروال من الإفلات من الكثير من ممارساتها السلبية اللصيقة بالنظام السياسي، كما ظهر وهو يشرف على الانتخابات الرئاسية المسبقة التي دعا اليها وهو على رأس السلطة، التي لم تخرج عن منطق الاتجاهات الثقيلة التي عرفت بها الانتخابات في هذا النظام السياسي المغلق، الذي ميز الجزائر منذ الاستقلال، الذي لم ينجح لحد الساعة في القبول بالمنافسة الشفافة، عندما يتعلق الأمر بموقع رئاسة الجمهورية، ليفضل ليامين زروال الابتعاد عن السلطة برئاسة الجمهورية في 1998، بعد أن تيقن أن موازين القوى السياسية على مستوى مؤسسات الدولة العميقة، التي جاءت به للسلطة في 1994 لم تعد في صالحه للاستمرار في موقع الرئاسة الذي وصل اليه في ظرف ملتهب، نجح رغم ذلك في إطفاء الجزء الكبير من نيرانه، بعد مجابهات مع فصائل الإسلام السياسي العنيف، الذي تم إلحاق هزيمة عسكرية به، خلال هذه الفترة، تم تمريرها تحت غطاء، قانون الرحمة -1995- خلال هذه الفترة التي عرفت فيها الجزائر وضعا اقتصاديا وماليا أقرب لحالة الانهيار والمقاطعة الدولية على المستوى الدبلوماسي، كما عبر عنها انقطاع النقل الجوي بين الجزائر وبقية العالم خلال الفترة نفسها، وبيّنه اللقاء المجهض مع الرئيس الفرنسي جاك شيراك في نيويورك، زاد من شعبية الرئيس الجزائري عندما رفض اللقاء مع الرئيس الفرنسي، على هامش نشاطاته في الأمم المتحدة، بشكل اعتبر غير لائق من قبل الرئيس الجزائري.
ليامين زروال الذي أحبه الكثير من الجزائريين، اعتمادا على بعض خصائص شخصيته، رغم الظرف الذي وصل فيه إلى السلطة، بكل ما ميزه من الناحية الأمنية من حالة عنف، مست الكثير من الأوساط الاجتماعية، لم تحسب آثارها السلبية شعبيا عليه، رغم مسؤولياته على رأس وزارة الدفاع ورئاسة الجمهورية، ما جعله ينهي سنوات الأخيرة في مدينته – باتنة 450 كلم عن الجزائر العاصمة -في هدوء تام، بل كان من فكر فيه من الجزائريين للعودة إلى السلطة خلال مرحلة الحراك، إذا صدقنا جموع الوفود التي توجهت إلى منزله لمطالبته بالعودة إلى السلطة، خلال هذا الظرف السياسي المضطرب الذي عاشته الجزائرـ 2019- عاد فيها البحث عن رئيس لتسيير هذا النظام السياسي الذي فشل أبناؤه العسكريون والسياسيون في إنقاذه من عيوب تسييره الكثيرة، كما أكدته تجربة الرئيس ليامين زروال رحمه الله.

ناصر جابي

اضف تليق

Leave this empty:

شارك

تعليقات الزوار

لا تعليقات