تتواصل الدعوات الصادرة عن المجلس الرئاسي الليبي، برئاسة محمد المنفي، للدفع نحو إطلاق حوار سياسي شامل بين مختلف المؤسسات والفاعلين في البلاد، في محاولة لكسر حالة الجمود التي تطبع المشهد السياسي منذ سنوات. غير أن هذه الدعوات، وفق مراقبين، تصطدم بعقبات عديدة في مقدمتها استمرار الانقسام المؤسسي، وتضارب المصالح بين الأطراف السياسية، إضافة إلى غياب توافق واضح حول القاعدة الدستورية والقوانين الانتخابية التي يفترض أن تقود إلى تنظيم الانتخابات العامة.
ويسعى المجلس الرئاسي منذ فترة إلى طرح مبادرات سياسية تهدف إلى إعادة تحريك المسار السياسي، في ظل استمرار حالة الانسداد التي تعيشها ليبيا منذ تعثر الاستحقاقات الانتخابية. وقد حاول رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي في أكثر من مناسبة التأكيد على ضرورة إطلاق حوار وطني جاد بين مختلف الأطراف، باعتباره مدخلاً أساسياً لتوحيد المؤسسات وتهيئة الظروف لإجراء الانتخابات.
وفي هذا السياق، عقد المنفي اجتماعاً في العاصمة طرابلس مع عدد من أعضاء مجلسي النواب والمجلس الأعلى للدولة، بحضور عضو المجلس الرئاسي موسى الكوني، بينما غاب العضو الآخر عبد الله اللافي. وتركز النقاش خلال الاجتماع حول أبرز العراقيل التي تحول دون التوافق على قاعدة دستورية واضحة، إضافة إلى الخلافات المتعلقة بالقوانين المنظمة للعملية الانتخابية.
كما رحب المنفي بدعوة رئيس الحكومة المكلفة من مجلس النواب، أسامة حماد، لإطلاق حوار وطني شامل يهدف إلى تشكيل حكومة موحدة تتولى الإشراف على تنفيذ الاستحقاقات الوطنية، وعلى رأسها الانتخابات العامة. واعتبر المجلس الرئاسي أن مثل هذه المبادرات يمكن أن تمثل خطوة نحو تقليص حالة الانقسام السياسي إذا توفرت الإرادة السياسية اللازمة لإنجاحها.
وكان حماد قد دعا في وقت سابق المجلس الرئاسي ومجلسي النواب والأعلى للدولة إلى الشروع في حوار جاد يفضي إلى تشكيل حكومة توافقية جديدة، إلا أن دعوته لم تشمل رئيس حكومة الوحدة الوطنية المؤقتة عبد الحميد الدبيبة، الذي يعتبره مجلس النواب منتهية الولاية، وهو ما يعكس استمرار الخلاف حول شرعية المؤسسات التنفيذية في البلاد.
ومن بين المقترحات التي طرحها المنفي أيضاً فكرة إعادة تفعيل الحوار الثلاثي بين رئيس مجلس النواب عقيلة صالح ورئيس المجلس الأعلى للدولة محمد تكالة، على أن يتم استئناف هذا المسار داخل إحدى المدن الليبية، مثل سرت أو بنغازي أو غدامس، بدلاً من عقده خارج البلاد. ويرى المجلس الرئاسي أن عقد مثل هذه الاجتماعات داخل ليبيا قد يسهم في تعزيز الثقة بين الأطراف السياسية ويمنح الحوار طابعاً وطنياً أوسع.
كما اقترح المنفي أن يشارك في هذه اللقاءات مراقبون يمثلون الأحزاب السياسية والجهات الدولية الداعمة للمسار السياسي، من بينها جامعة الدول العربية والاتحاد الإفريقي والاتحاد الأوروبي ومنظمة التعاون الإسلامي، إضافة إلى ممثلين عن الدول المؤثرة في الملف الليبي.
وفي موازاة ذلك، يواصل المجتمع الدولي متابعة التطورات السياسية في ليبيا من خلال مسار برلين، حيث عقدت خلال الفترة الأخيرة اجتماعات ضمت ممثلين عن الدول المعنية بالملف الليبي إلى جانب بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا. وركزت هذه اللقاءات على سبل دفع العملية السياسية وتعزيز فرص الاستقرار في البلاد، مع التأكيد على أهمية توحيد المؤسسات وتهيئة البيئة المناسبة لإجراء الانتخابات. غير أن مراقبين للشأن الليبي يرون أن تعدد المبادرات السياسية لا يعني بالضرورة اقتراب حل الأزمة، مؤكدين أن المشكلة الأساسية تكمن في ضعف الثقة بين الأطراف السياسية واستمرار الرهانات على الدعم الخارجي. ويشير هؤلاء إلى أن التجارب السابقة للحوار السياسي في ليبيا أظهرت أن التوصل إلى اتفاقات لا يمثل التحدي الأكبر، بل تكمن الصعوبة الحقيقية في تنفيذ تلك الاتفاقات على أرض الواقع.
ويعتقد مراقبون أن نجاح أي حوار سياسي شامل يتطلب توفر مجموعة من الشروط الأساسية، أبرزها وجود إرادة حقيقية لدى الأطراف السياسية لتقديم تنازلات متبادلة، إضافة إلى تقليص تأثير التدخلات الخارجية في مسار العملية السياسية. كما يشددون على أهمية تحديد جدول زمني واضح يقود في نهاية المطاف إلى انتخابات حرة وشفافة، باعتبارها المصدر الأساسي للشرعية السياسية.
وفي المقابل، يرى مراقبون آخرون أن المشهد السياسي قد يتجه في المرحلة المقبلة نحو إعادة ترتيب السلطة التنفيذية قبل الذهاب إلى الانتخابات، وذلك بسبب غياب عدد من الشروط الضرورية لإجراء هذا الاستحقاق. وتشمل هذه الشروط وجود قاعدة دستورية مستقرة، وقوانين انتخابية متفق عليها، إضافة إلى تحسن الوضع الأمني وتوحيد المؤسسات السيادية.
وفي هذا الإطار، تعمل بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا بقيادة المبعوثة الأممية هانا تيتيه على عدة مسارات في محاولة لكسر حالة الجمود السياسي، من بينها دعم الحوار بين المؤسسات الليبية وتشجيع التفاهمات بين مختلف القوى السياسية.
كما تتحرك بعض العواصم الدولية لمحاولة تقريب وجهات النظر بين مراكز النفوذ داخل البلاد، وسط حديث متزايد عن إمكانية تشكيل حكومة موحدة تقود مرحلة انتقالية جديدة تمهد لإجراء الانتخابات في وقت لاحق.
وفي سياق متصل، التقى رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي مدير عام صندوق التنمية وإعادة إعمار ليبيا بالقاسم حفتر في شرق البلاد، حيث بحث الطرفان ملفات الإعمار وبرامج التنمية إلى جانب مسألة الميزانية العامة الموحدة.
وأوضح المكتب الإعلامي للمجلس الرئاسي أن اللقاء جاء ضمن سلسلة من المشاورات الوطنية الهادفة إلى دعم الاستقرار ودفع جهود إعادة البناء في مختلف المناطق الليبية. كما تناول النقاش أهمية برامج التنمية باعتبارها عاملاً أساسياً في تعزيز الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.
وأكد المنفي خلال اللقاء أن نجاح جهود الإعمار يتطلب وجود مؤسسات موحدة وإدارة مالية شفافة، مشدداً على أهمية إقرار ميزانية عامة موحدة تضمن توزيع الموارد بشكل عادل بين مختلف المناطق.
كما تطرق اللقاء إلى ضرورة تهيئة الظروف السياسية المناسبة لإجراء الاستحقاقات الوطنية وإنهاء حالة الانقسام التي تشهدها البلاد، مع التأكيد على أن أي مسار سياسي مستقر يجب أن يقوم على أساس دستوري واضح.
ويرى مراقبون أن مثل هذه اللقاءات، رغم أهميتها في تعزيز التواصل بين الأطراف المختلفة، لن تكون كافية بمفردها لحل الأزمة السياسية، ما لم تقترن بخطوات عملية تفضي إلى توحيد المؤسسات وإنهاء حالة الانقسام.
وفي ظل هذا المشهد المعقد، تبقى ليبيا أمام تحديات كبيرة تتعلق بإنهاء المرحلة الانتقالية الطويلة وإعادة بناء مؤسسات الدولة على أسس دستورية واضحة، وهو ما يتطلب توافقاً سياسياً واسعاً وإرادة حقيقية لتجاوز سنوات من الانقسام والصراع.

تعليقات الزوار
لا تعليقات