كُتب على منطقة الشرق الأوسط أن تعيش الحروب والصراعات بلا توقف. وقُدَّر لها أن تكون مسرحا لسباق الآخرين على خيراتها والهيمنة عليها، وأن تعيش في تبعية دائمة، مُجبرة، بحكم فقدانها سيادتها، على الاختيار بين السيئ والأسوأ.
هذه المرة الدور على دول الخليج العربية بعد استقرار وازدهار تُحسد عليهما. عليها أن تختار بيت البشع والأبشع.. إيران وأمريكا. بالنسبة لهذه الدول، الحياد في الحرب الحالية بين إيران والولايات المتحدة تمرين معقّد جدا: ترد على الاعتداءات الإيرانية عليها فهي في صف إسرائيل، تمتنع عن الرد، بغض النظر عن السبب، فهي في صف إيران. انتصرت إيران مشكلة لهذه الدول، انكسرت إيران مشكلة أكبر.
الخلافات ليست جديدة على الشرق الأوسط. طيلة القرن الماضي نال المنطقة نصيب هائل من الانقسامات والخلافات. لكنها لم تصل يوما إلى ما يهدد نسيجها ووجودها. اليوم هي في هذا المستوى من الخطر.
أسباب الانقسام كثيرة ومتعددة. بعضها عميق والآخر تافه. لكن إسرائيل وإيران سببان رئيسيان.
هل نقاطع إسرائيل باعتبارها كيانا دخيلا زُرع زرعاً في المنطقة، أم ننظر إليها باعتبارها أمرا واقعا ربما يجلب تقبله والتعايش معه السلم والرخاء.
المنطقة ضائعة في هذا النقاش الشبيه بطريق مسدود منذ خمسينيات القرن الماضي. في الأثناء كانت إسرائيل تتغلغل وتتمدد، بالقوة وبالهدوء. استعملت القوة لفرض نفسها عسكريا ولاحتلال الأرض وتغيير الحدود والجغرافيا. واستعملت المفاوضات والاتفاقيات لشراء شعور بالسلام وتكريس وجودها السياسي والاقتصادي، كما فعلت مع مصر في اتفاقية كامب ديفيد، ومع الأردن في اتفاقية وادي عربة، ثم في ما سُمّي “الاتفاقيات الإبراهيمية” سنة 2020.
وكان طبيعيا أن تستثمر إسرائيل في هذا المشهد البائس عربيا، فجيّرته لصالحها وساهمت في تفاقمه وديمومته. ثم استفادت منه بشكل ذكي ومحكم.
ولأن الابتلاء بإسرائيل وحده لا يكفي، أصاب المنطقة صداع آخر اسمه إيران بطموحاتها الثورية والمذهبية. وحلّت معه حالة سياسية وأخلاقية واجتماعية ونقاش أزلي يشبه ذلك المتعلق بإسرائيل. منذ الثورة الإسلامية وسكان وقادة الشرق الأوسط في حيرة كيف يتعاملون مع إيران.. هل بتقبلها ككيان يشكل جزءا متجذرا في نسيج المنطقة، أم بنبذها ومعاقبتها بسبب الخطورة التي تشكلها على استقرار المنطقة؟
أسئلة مزعجة لا مفر منها، والأجوبة عنها، كيفما كانت، تغذي الفرقة والانقسام.
عرفت إيران كيف تتسلل إلى عرب الشرق الأوسط.. من بوابة فلسطين، جرحهم النازف. تبنّـت القضية بسرعة نيابة عنهم، ثم ما لبثت أن انتزعتها منهم مستغلة عجزهم وفرقتهم، ولجوء بعضهم إلى التطبيع مع إسرائيل.
والنتيجة اليوم مؤسفة: منطقة بدولها المكونة من مئات ملايين الناس، تملك كل أسباب الاتحاد والقوة، منقسمة في العمق حول إيران. وينخر الانقسام حتى البلد الواحد (في دول الجوار الإيراني). إنْ لم يكن انقساما مذهبيا عقائديا، فهو سياسي محركه علاقتها بالقضية الفلسطينية. العراق، لبنان واليمن والكويت والأردن ومصر وباكستان وغيرها. حتى دول شمال إفريقيا، البعيدة عن إيران تعيش جدلا حولها هي أيضا، لكن بحدَّة أقل، ربما بسبب رفاهية البعد الجغرافي لا غير.
ومثلما هو الحال إزاء إيران، هناك في كل دولة عربية تقريبا اختلاف حول إسرائيل، برز أكثر وبجرأة بعد تغلغل أفكار التطبيع وكثرة “التنويريين” الذين يعتبرونها مظلومة وضحية تطرف العرب والمسلمين.
مثل إسرائيل، لم تبذل إيران بعد 1979 أي جهد لتهدئة مخاوف جيرانها ومحيطها، بل أمعنت في استغلال قضية فلسطين. مثل طاولة شطرنج.. كلما تراجع العرب خطوة في هذه القضية المزمنة، تقدمت إيران خطوتين، حتى طال الانقسام الفلسطينيين أنفسهم بشعبهم وسياسييهم.
وسط هذه المعادلة تعاظم إعجاب الشارع العربي بإيران وبأذرعها الإقليمية، خصوصا حزب الله في لبنان. الشارع العربي لا يكن نفس الإعجاب والاحترام للميليشيات العراقية المدعومة من إيران، ليس كرها لها وإنما بسبب قلة انخراطها في القضية الفلسطينية، ودورها في الإطاحة بنظام صدام حسين في 2003 وبعد ذلك.
هذه التطورات المتلاحقة جعلت إيران تتغوّل والدول العربية تنكمش. بينما كانت إيرن ترسي أسس اقتصاد صلب وصناعة عسكرية وحربية، كان العرب يزدادون رعبا منها ويبحثون عن مظلات حماية وجدوها في الغرب، لكن بأثمان باهظة.
المؤسف في الحالة الإيرانية، كما في حالة إسرائيل، أن الوقت لم يكن في صالح المنطقة العربية. كل عام يمر يوفر مزيدا من أسباب خلافاتها ويعمّق انقساماتها، ويقضي أكثر على ما تبقى من مساحات الأمل في إصلاح الحال. ولم تساعد التغييرات السياسية والاجتماعية والاستراتيجية التي يشهدها العالم أولاً والشرق الأوسط ثانياً، في إيجاد أسباب إصلاح الحال.
اليوم المنطقة تائهة بلا رؤية تفترسها الانتماءات الطائفية والعواطف والحسابات الآنية والتبعية للآخرين. تفتقد للنضج بين مبتهج للحرب على إيران ومتألم لحالها، وفرح لضرب إيران دول الخليج العربية وحزين عليها، وسعيد بالقصف الذي تتعرض له إسرائيل وقلق عليها.. إلخ.
هذا المشهد السوريالي ليس وليد صدفة. إنه ثمرة عقود من الارتباك وقصر النظر وتضييع الفرص، وهو ما حوّل المنطقة إلى حقل تجارب لأنواع الحروب والأسلحة وموضوع سخرية وتندر للعالم أجمع.
توفيق رباحي

تعليقات الزوار
لا تعليقات