شهد البرلمان الجزائري في الأيام الأخيرة طرح مبادرات تشريعية ومناقشة مقترحات قوانين، ذات طابع أخلاقي في توجهها، تهدف لحماية كبار السن وضمان حقوقهم وتجنيب المراهقين أضرار مواقع التواصل إلى جانب حظر المواقع الإباحية في البلاد.
وفي آخر تلك المبادرات، تقدمت عضوة المجلس الشعبي الوطني، اليازيدي ليلى، بمقترح قانون يرمي إلى تعديل وتتميم القانون المتعلق بحماية الأشخاص المسنين، بهدف سد ما وصفته بـ”الفراغ القانوني” في تجريم تخلي الأبناء عن آبائهم المسنين وإيداعهم بدور العجزة دون تحمل مسؤولية رعايتهم.
وجاء في عرض الأسباب الوارد في المقترح الذي اطلعت عليه “القدس العربي”، أن القانون بصيغته الحالية، لم يتضمن صراحة أحكاما تجرم تخلي الفروع عن أصولهم المسنين، إذ يكفي ألا يكون الشخص المسن معرضا للخطر حتى تسقط المسؤولية الجزائية عنه، وهو ما قد يتحقق – حسب صاحبة المبادرة – بمجرد إيداع المسن في مركز رعاية أو دار استقبال، دون مساءلة الأبناء عن واجب التكفل الأسري.
وترى النائبة عن جبهة المستقبل (موالاة) أنه من الضروري النص صراحة على أحكام جزائية تعاقب الأبناء في حال التخلي عن رعاية آبائهم، انسجاما مع ما تؤكده القيم الدينية والأخلاقية المرتبطة ببر الوالدين، وبما يعكس التزام الدولة بحماية الفئات الهشة وتعزيز التضامن الأسري. وأشارت في هذا السياق إلى جملة من المبررات، من بينها الواجب الأخلاقي والديني في رعاية الوالدين عند الشيخوخة، وضرورة تكريس الحماية الاجتماعية للمسنين، وضمان حقوقهم الإنسانية في العيش بكرامة واحترام.
كما اعتبرت أن تشديد العقوبات من شأنه أن يخفف العبء المالي والاقتصادي عن الدولة، من خلال تحميل الأبناء مسؤولية أكبر في رعاية والديهم بدل الاعتماد الكلي على مؤسسات الرعاية العمومية، إضافة إلى تشجيع القيم الأسرية والحد من مظاهر الظلم الاجتماعي والعزلة التي قد يعاني منها بعض المسنين نتيجة تخلي ذويهم عنهم.
وفي مواده، ينص المقترح القانون على استحداث مادة جديدة تحت رقم 32 مكرر، تنص على معاقبة كل إخلال من الفروع بواجب التكفل بالشخص المسن في وسطه الأسري أو مسكنه، بالحبس من ستة أشهر إلى ثلاث سنوات، وبغرامة مالية تتراوح بين 50 ألف و300 ألف دينار جزائري. وتشير المادة ذاتها إلى أن التكفل بالشخص المسن في وسطه الأسري أو مسكنه يضع حدا للمتابعة الجزائية.
من جانبه، طرح النائب موسى خرفي عن حركة مجتمع السلم (معارضة)، مقترح قانون يهدف إلى تنظيم استخدام الهواتف الذكية من قبل الأطفال الذين لم يبلغوا سن السادسة عشرة، في خطوة قال إنها ترمي حسبه، إلى تعزيز الحماية القانونية لهذه الفئة في ظل التوسع المتسارع للوسائط الرقمية في المجتمع الجزائري.
ويستند المقترح، بحسب ما ورد في تفاصيله، إلى جملة من التحولات والتحديات المرتبطة بالاستعمال المتزايد وغير المراقب للهواتف الذكية لدى القُصّر، لاسيما ما يتصل بالجوانب الصحية، والنفسية، والاجتماعية، والأمنية. ويشير صاحب المبادرة إلى أن الاستعمال المفرط لهذه الأجهزة قد ينعكس سلبا على أنماط النوم والتركيز، ويؤثر على النمو النفسي والعصبي للأطفال، فضلا عما قد يرافقه من مظاهر عزلة اجتماعية أو حالات قلق واكتئاب، إلى جانب المخاطر الأخلاقية المرتبطة بالتعرض لمحتويات غير ملائمة عبر الفضاء الرقمي.
ومن أبرز ما ينص عليه مقترح القانون، حظر الاستعمال الشخصي الدائم للهواتف الذكية بالنسبة للأطفال دون 16 سنة، مع السماح باستخدامها لأغراض بيداغوجية داخل المؤسسات التربوية أو تحت إشراف الأولياء ولأهداف محددة. كما يقترح النص إلزام شركات الاتصالات ومزودي الخدمات بالتحقق من هوية المقتني عند شراء الهواتف الموجهة لهذه الفئة العمرية، في إطار تشديد الرقابة على نقاط البيع.
ويُحمّل المقترح كذلك المنصات الرقمية مسؤولية حجب المحتويات غير الملائمة للأطفال، وفق معايير تضبطها السلطة المختصة، بما يضمن ملاءمة المضامين المتداولة مع الخصوصية العمرية للقُصّر. وينص على إقرار عقوبات تنظيمية وتربوية في حال مخالفة أحكامه، مع التأكيد على الطابع التوجيهي والوقائي للقانون أكثر من البعد الزجري.
وفي عرضه لأهداف المبادرة، شدد النائب على أن الغاية ليست حرمان الأطفال من التكنولوجيا، وإنما تأمين “بيئة رقمية آمنة ومتوازنة” تكفل نموا سليما، وتمهّد لتأهيلهم لاستخدام الوسائل الرقمية بمسؤولية عند بلوغهم سن الرشد. كما أشار إلى أن المقترح يستند إلى أحكام الدستور الجزائري، لا سيما المادة 143 منه، وإلى التزامات الجزائر الدولية في مجال حماية حقوق الطفل.
وفي نفس السياق، قدم النائب يوسف عجيسة عن حركة مجتمع السلم (معارضة) مقترح قانوني، يركز على حجب المواقع والمنصات الإلكترونية ذات المحتوى الإباحي، وهو ما تم قبوله في مكتب المجلس الشعبي الوطني الأحد الماضي، على أن يعرض على الحكومة من أجل إبداء الرأي ثم يعود لمناقشته في المجلس، وفق ما صرّح به النائب لـ”القدس العربي”.
ويذكر المقترح أن انتشار المحتوى الإباحي له انعكاسات خطيرة على الصحة النفسية والسلوك الاجتماعي، منها الإدمان والعزلة وضعف العلاقات الاجتماعية، مشيرًا إلى أن دراسات عدة تؤكد تأثيره السلبي على التوازن النفسي ونمو المراهقين، وأن حماية الطفولة تشكل الدافع الأساسي للمبادرة إلى جانب الحفاظ على القيم الأخلاقية والهوية الثقافية.
ويشير إلى أن غياب إطار قانوني واضح لتنظيم هذا المجال يحد من قدرة الدولة على ضبط الفضاء الرقمي، مؤكدا أن القانون يمنح السلطات المختصة الآليات التقنية والقانونية للتعامل مع المواقع الإباحية دون المساس بالحريات الأساسية. واعتبر أن من أهداف المقترح أيضًا مكافحة الجرائم الإلكترونية المرتبطة بالإباحية، بما في ذلك استغلال الأطفال والاتجار بالبشر والابتزاز الجنسي، مؤكدًا أن تجفيف منابع هذه الجرائم العابرة للحدود أصبح ضرورة.
ويشتمل المقترح على جملة من الأحكام التنظيمية، أبرزها إلزام الجهات المختصة باتخاذ التدابير الفنية لحجب المواقع الإباحية بشكل كامل ونهائي داخل الجزائر، وشمول الحجب المواقع المحلية والأجنبية التي يمكن الوصول إليها من داخل التراب الوطني، مع إلزام مزودي خدمة الإنترنت بتنفيذ قرارات الحجب فور صدورها وبشكل محدث لضمان فعاليتها.
كما ينص على معاقبة كل من يسهل أو يروج للوصول إلى هذه المواقع عبر الشبكات الاجتماعية أو الوسائط الإلكترونية بالحبس والغرامات، مع تشديد العقوبات على من يحاول تجاوز أو اختراق أنظمة الحجب باستخدام برامج أو أدوات تقنية، وإمكانية مصادرة الأجهزة المستعملة. ويضع المقترح غرامات مالية على الشركات أو المؤسسات المخالفة، قد تصل إلى تعليق أو سحب الترخيص، مع إخضاع شركات الاتصالات للتقيد الصارم بالتدابير المقررة، وتكليف سلطة الضبط بمتابعة تطبيق القانون واتخاذ الإجراءات اللازمة ضد أي خرق.
ويؤكد صاحب المبادرة أنها تأتي استجابة لتحديات أخلاقية واجتماعية متزايدة فرضتها الثورة الرقمية، وضرورة حماية الفئات الهشة، خصوصًا الأطفال والمراهقين، من المحتوى الضار والمخل بالآداب العامة، مبرزا أن الهدف النهائي من المقترح هو حماية المجتمع، وتعزيز السيادة الرقمية، وتوفير آلية قانونية واضحة تسمح بتنظيم الفضاء الإلكتروني بما يحافظ على القيم ويحمي الفئات الأكثر عرضة للمخاطر.

تعليقات الزوار
لا تعليقات