تشهد الساحة السياسية الليبية تطوراً جديداً مع إقرار التعديل الوزاري الذي أجراه رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» عبد الحميد الدبيبة، في خطوة حظيت بدعم المجلس الرئاسي والمجلس الأعلى للدولة، بينما يظل موقف مجلس النواب في الشرق غائباً حتى الآن، ما يرجّح استمرار حالة الصراع السياسي والمؤسسي بين المعسكرين المتنافسين في البلاد.
وجاءت هذه الخطوة في وقت تشهد فيه ليبيا حالة من إعادة ترتيب التوازنات داخل المؤسسات السياسية، وسط مساعٍ من حكومة الدبيبة لتعزيز حضورها التنفيذي وإعادة تفعيل عدد من الوزارات التي شهدت شغوراً خلال الفترة الماضية، في مقابل تحركات موازية من حكومة أسامة حماد المكلفة من مجلس النواب في الشرق لإطلاق مبادرات سياسية تهدف إلى إنهاء الانقسام.
وأكد رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة، أن الوزراء الجدد الذين جرى تعيينهم ضمن التعديل الوزاري خضعوا لبرنامج تدريبي وورش عمل متخصصة، بإشراف مجلس التطوير الاقتصادي والاجتماعي، في إطار مساعٍ لتعزيز الكفاءة الإدارية وتطوير أداء الجهاز التنفيذي.
وجاءت تصريحات الدبيبة خلال الاجتماع الأول لمجلس الوزراء لعام 2026، حيث شدد على أن دعم رئيس المجلس الأعلى للدولة محمد تكالة ورئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي للإجراءات الحكومية يعكس ما وصفه بـ«العلاقة التناغمية بين مؤسسات الدولة»، مؤكداً أن التغييرات التي أجريت على التشكيلة الحكومية تهدف إلى تجديد الدماء داخل عدد من القطاعات وملء الشواغر في الوزارات الحيوية.
وأوضح الدبيبة أن معيار الكفاءة كان الأساس في اختيار الوزراء الجدد، إلى جانب توسيع قاعدة التمثيل الوطني بما يشمل مختلف المناطق الليبية شرقاً وغرباً وجنوباً، في خطوة قال إنها تستهدف تعزيز الطابع الوطني للحكومة وتخفيف حدة الاستقطاب السياسي.
وفي السياق ذاته، أعلن رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي إقراره التعديل الوزاري خلال اجتماع ثلاثي عقد في طرابلس بحضور الدبيبة ورئيس المجلس الأعلى للدولة محمد تكالة، حيث ناقش المجتمعون الإجراءات التي اتخذتها الحكومة لسد الشواغر داخل التشكيلة الوزارية وضمان استمرار عمل المؤسسات العامة.
وأشار البيان المشترك الصادر عن الاجتماع إلى أن الدبيبة قدم عرضاً مفصلاً حول الخطوات التي اتخذتها الحكومة لمعالجة حالة الشغور في عدد من المواقع التنفيذية، بما يضمن انتظام عمل الجهاز الحكومي واستمرار تقديم الخدمات للمواطنين.
وأكد البيان أن المشاورات التي جرت بين رؤساء المؤسسات الثلاث جاءت في إطار الحرص على توافق الإجراءات مع الأطر القانونية والسياسية المنظمة للمرحلة الانتقالية، وخاصة ما يتعلق بالاتفاق السياسي الليبي.
وأشاد رئيس المجلس الأعلى للدولة محمد تكالة بما وصفه بالتفاعل الإيجابي للدبيبة مع الملاحظات المطروحة، مؤكداً دعمه للتعديل الوزاري باعتباره خطوة تهدف إلى تعزيز كفاءة الأداء داخل مؤسسات الدولة.
كما شدد المجتمعون على أهمية استمرار التنسيق بين مؤسسات الدولة المختلفة، والعمل على تعزيز الاستقرار المؤسسي بما يمهد للوصول إلى توافق سياسي يسمح بإجراء الانتخابات وفق قواعد متفق عليها.
وشملت قائمة التعيينات الجديدة عدداً من المناصب الوزارية، من بينها تكليف سالم الزادمة نائباً لرئيس الوزراء، إلى جانب تعيين وزراء جدد في قطاعات الصحة والاقتصاد والصناعة والشباب والثقافة والرياضة والموارد المائية، إضافة إلى استحداث وزارة الدولة للاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي، في خطوة تعكس توجهاً حكومياً نحو مواكبة التحولات الاقتصادية والتكنولوجية.
ويأتي هذا التعديل في ظل حالة شغور واسعة داخل الحكومة، حيث تشير المعطيات إلى غياب عدد كبير من الوزراء خلال الفترة الماضية نتيجة الاستقالات أو الإحالات إلى التحقيق في قضايا تتعلق بشبهات فساد أو مخالفات إدارية، الأمر الذي دفع حكومة الدبيبة إلى التحرك لإعادة استكمال التشكيلة الوزارية.
ورغم الدعم الذي حظي به التعديل من المجلس الرئاسي والمجلس الأعلى للدولة، فإن مجلس النواب لم يصدر حتى الآن أي موقف رسمي بشأن الخطوة، ما يعكس استمرار حالة التوتر السياسي بين المؤسسات المنقسمة في البلاد.
وكان مجلس النواب قد سحب الثقة من حكومة الدبيبة في سبتمبر 2021، قبل أن يكلف في شباط/فبراير 2022 حكومة بديلة برئاسة فتحي باشاغا، ثم لاحقاً حكومة أسامة حماد التي تتخذ من بنغازي مقراً لها، ما أعاد ليبيا إلى حالة الانقسام الحكومي بين الشرق والغرب.
ويُرجح مراقبون أن يثير التعديل الوزاري الجديد مزيداً من الجدل السياسي، خاصة في ظل التنافس المستمر بين حكومتي طرابلس وبنغازي حول الشرعية والتمثيل التنفيذي للدولة.
وفي المقابل، تسعى حكومة الدبيبة إلى تقديم نفسها باعتبارها الحكومة القادرة على إدارة مؤسسات الدولة وتقديم الخدمات للمواطنين، مستندة إلى دعم عدد من المؤسسات السياسية في الغرب الليبي، وعلى رأسها المجلس الأعلى للدولة.
خلفية الصراع بين الحكومتين تعود إلى السنوات الأخيرة التي شهدت محاولات متعددة لإنهاء الانقسام السياسي، كان آخرها المبادرة التي طرحها رئيس الحكومة المكلفة من مجلس النواب أسامة حماد، والتي هدفت إلى إطلاق مسار سياسي جديد يقوم على إعادة تشكيل السلطة التنفيذية وتهيئة الظروف لإجراء الانتخابات.
وتضمنت مبادرة حماد الدعوة إلى حوار وطني شامل بين مختلف القوى السياسية، إلى جانب إعادة ترتيب المؤسسات التنفيذية والتشريعية بما يسمح بتوحيد السلطة في البلاد، غير أن هذه المبادرة لم تحظَ بتوافق واسع، خاصة في الغرب الليبي الذي يرى أن حكومة الوحدة الوطنية ما زالت الإطار التنفيذي القائم إلى حين إجراء الانتخابات.
ومع استمرار التباين بين المؤسسات السياسية، تبدو ليبيا أمام مرحلة جديدة من التجاذب السياسي، حيث تسعى كل جهة إلى تثبيت موقعها داخل معادلة السلطة، بينما يظل ملف الانتخابات وتوحيد المؤسسات معلقاً بانتظار توافقات أوسع بين الأطراف المتنافسة.
تعديل وزاري في حكومة الدبيبة يعيد خلط الأوراق السياسية

تعليقات الزوار
لا تعليقات