سجلت أسعار النفط العالمية قفزة غير مسبوقة حيث ارتفعت بأكثر من 27% لتبلغ أعلى مستوياتها منذ منتصف عام 2022، في ظل تصاعد حرب الولايات المتحدة و”إسرائيل” على إيران، وتزايد المخاوف من اضطرابات طويلة الأمد في حركة الشحن عبر مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية للطاقة في العالم.
وبحسب بيانات الأسواق عند الساعة 04:51 بتوقيت غرينتش، صعدت العقود الآجلة لخام برنت إلى 117.65 دولارا للبرميل، بزيادة قدرها 24.96 دولارا أو نحو 27%، مسجلة أكبر قفزة يومية في تاريخها.
كما ارتفعت العقود الآجلة لخام غرب تكساس الوسيط الأميركي بمقدار 25.72 دولارا، أي بنسبة 28.3%، لتصل إلى 116.62 دولارا للبرميل.
وخلال جلسة التداول نفسها، بلغت الأسعار مستويات أعلى، إذ وصل خام غرب تكساس الوسيط إلى 119.48 دولارا للبرميل بزيادة بلغت 31.4%، بينما ارتفع خام برنت إلى 119.5 دولارا للبرميل بنسبة وصلت إلى 29%.
وتأتي هذه القفزة بعد أسبوع شهد بالفعل ارتفاعا حادا، إذ زاد سعر برنت بنحو 27%، فيما صعد خام غرب تكساس الوسيط بنسبة 35.6%.
مضيق هرمز في قلب الأزمة
تشهد أسواق الطاقة العالمية حالة من التوتر الشديد مع تصاعد الأزمة حول مضيق هرمز، الذي يمر عبره ما يقرب من خمس إمدادات النفط العالمية.
وقد أدت المخاطر الأمنية المتزايدة واضطرابات حركة ناقلات النفط إلى تباطؤ النشاط البحري في المنطقة، ما جعل الأسواق الآسيوية الأكثر تأثرا بسبب اعتمادها الكبير على النفط القادم من الشرق الأوسط.
ويرى خبراء أن استمرار تعطل الملاحة في هذا الممر الحيوي قد يؤدي إلى اضطرابات واسعة في أسواق الطاقة والتجارة العالمية، نظرا لأن المضيق يعد شريانا رئيسيا ليس فقط للنفط، بل أيضاً للغاز الطبيعي المسال والبتروكيماويات والمواد الصناعية.
وقال المدير الإداري لاستراتيجية الاستثمار في بنك OCBC في سنغافورة فاسيو مينون، إن استمرار الأزمة قد يدفع الأسعار إلى الارتفاع أكثر، موضحا أن “الضغط التصاعدي على أسعار النفط سيستمر ما لم تستأنف تدفقات النفط عبر مضيق هرمز قريبا وتخف حدة التوترات الإقليمية”.
خفض الإنتاج وتراجع الإمدادات
ساهمت التطورات الميدانية في الحرب في تقليص الإمدادات من عدد من الدول المنتجة في الشرق الأوسط.
فقد بدأت كل من العراق والكويت خفض إنتاج النفط، في حين كانت قطر قد خفضت بالفعل شحنات الغاز الطبيعي المسال بسبب توقف الصادرات من المنطقة.
ويتوقع محللون أن تضطر دول أخرى مثل الإمارات والسعودية إلى تقليص إنتاجها أيضا إذا استمرت الأزمة وتراجعت المخزونات النفطية.
وفي العراق، أفادت مصادر في قطاع النفط بأن إنتاج الحقول الرئيسية في الجنوب انخفض بنسبة تصل إلى 70%، ليصل إلى نحو 1.3 مليون برميل يوميا فقط، نتيجة عدم قدرة البلاد على تصدير النفط عبر مضيق هرمز.
كما أعلنت شركة نفط البصرة أن قدرات تخزين الخام بلغت الحد الأقصى.
وفي الكويت، بدأت مؤسسة البترول الكويتية منذ السبت خفض الإنتاج وإعلان حالة “القوة القاهرة” على الشحنات، وهو إجراء يسمح للشركات بتعليق التزاماتها التعاقدية بسبب ظروف خارجة عن السيطرة مثل الحروب.
إعلان “القوة القاهرة” وانتشار القلق في الخليج
تزايدت المخاوف في الأسواق العالمية من احتمال إعلان المزيد من شركات الطاقة في الخليج حالة “القوة القاهرة”، بعد أن اتخذت قطر والكويت والبحرين بالفعل هذه الخطوة في ظل تصاعد الحرب وتعطل الملاحة البحرية.
فقد أعلنت شركة “قطر للطاقة” وقف إنتاج الغاز الطبيعي المسال بعد هجمات استهدفت منشآتها في مدينتي رأس لفان ومسيعيد الصناعيتين.
كما أعلنت شركة بابكو إنرجيز البحرينية حالة “القوة القاهرة” عقب هجوم استهدف مجمع تكرير النفط التابع لها.
وحذر وزير الدولة لشؤون الطاقة القطري والرئيس التنفيذي لقطر للطاقة سعد شريدة الكعبي من أن استمرار الحرب لعدة أسابيع قد يدفع جميع المصدرين في الخليج إلى إعلان القوة القاهرة، ما قد يؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط إلى نحو 150 دولارا للبرميل.
وتكتسب هذه التحذيرات أهمية خاصة لأن دول الخليج تمثل أحد أهم مراكز إنتاج الطاقة في العالم، إذ تمتلك نحو 32.7% من الاحتياطي النفطي العالمي، وتنتج مجتمعة حوالي 18 مليون برميل يوميا، أي ما يقارب 19% من الطلب العالمي الذي يبلغ نحو 99 مليون برميل يوميا.
كما تعد قطر ثاني أكبر مصدر للغاز الطبيعي المسال في العالم بعد الولايات المتحدة، إذ تستحوذ على نحو 20% من تجارة الغاز المسال العالمية.
التطورات السياسية في إيران وتأثيرها على الأسواق
زاد القلق في الأسواق أيضا بعد التطورات السياسية في إيران، حيث تم تعيين مجتبى خامنئي مرشدا أعلى للبلاد خلفا لوالده الذي اغتيل في بداية الحرب.
وقال محلل السلع في شركة راكوتين للأوراق المالية، ساتورو يوشيدا، إن هذا التطور يجعل هدف تغيير النظام في إيران أكثر صعوبة، مشيرا إلى أن ذلك قد يدفع الأسواق إلى توقع استمرار التصعيد.
وأضاف أن هذه التطورات دفعت المستثمرين إلى تسريع عمليات شراء النفط، وسط توقعات بأن إيران قد تواصل إغلاق مضيق هرمز وتستهدف منشآت الطاقة في دول منتجة أخرى، كما حدث خلال الأسبوع الماضي.
ويرى يوشيدا أن سعر خام غرب تكساس الوسيط قد يرتفع إلى 120 دولارا ثم إلى 130 دولارا للبرميل خلال فترة قصيرة.
ويرى خبراء أن تداعيات هذه الأزمة قد تمتد إلى الاقتصاد العالمي بأكمله، إذ قد يواجه المستهلكون والشركات في مختلف الدول ارتفاعا في أسعار الوقود لأسابيع أو حتى أشهر، حتى في حال انتهاء الصراع بسرعة.
وقال كبير استراتيجيي السلع في بنك “آ أن زي”، دانيال هاينز، إن المؤشر الأكثر خطورة سيكون في حال اضطرت الدول المنتجة إلى إغلاق آبار النفط، موضحاً أن ذلك لن يؤدي فقط إلى انخفاض أكبر في الإنتاج، بل سيؤخر أيضا تعافي الإمدادات بعد انتهاء الصراع.
دعوات أميركية لاستخدام الاحتياطي
في الولايات المتحدة، ومع ارتفاع أسعار النفط، دعا زعيم الأقلية الديمقراطية في مجلس الشيوخ تشاك شومر الرئيس دونالد ترامب إلى الإفراج عن النفط من الاحتياطي البترولي الاستراتيجي لتهدئة الأسواق.
وقال شومر إن إطلاق النفط من الاحتياطي الاستراتيجي قد يساعد في استقرار الأسواق وخفض الأسعار، مشيرا إلى أن الأسر الأميركية بدأت بالفعل تشعر بصدمة ارتفاع أسعار الطاقة نتيجة الحرب.
وفي ظل استمرار التوترات العسكرية وتعطل الإمدادات، تبقى أسواق الطاقة العالمية في حالة ترقب شديد لمسار الحرب وتأثيرها على الممرات البحرية الحيوية في الخليج.
كما أن أي تصعيد إضافي أو إغلاق فعلي لمضيق هرمز قد يؤدي إلى صدمة نفطية عالمية جديدة، مع ارتفاع الأسعار إلى مستويات قد تتجاوز 150 دولارا للبرميل، وهو ما قد يعيد تشكيل موازين الاقتصاد العالمي في الأشهر المقبلة.

تعليقات الزوار
لا تعليقات