على وقع الرصاص تنطلق احداث مسرحية "الخلوة 2" لترصد الاحداث السياسية التي واكبت الثورة وما بعدها، تبدأ بالاعلام لتعرج على الشهداء الذين يحاسبون الاحياء على ما اثمرت دماءهم، مرورا بظهور التطرف في البلاد التي اصبحت تنتج جهاديين بدل مهندسين واطباء واساتذة.
المخرج معز الغديري الذي قدم هذه الاحداث بطريقة تمزج بين الجد والهزل على وقع متسارع، قال لموقع "ميدل ايست اونلاين" عن اختياره لتوقيت عرض مسرحيته التي انطلقت قبل الانتخابات التشريعية بايام لتواكب الانتخابات الرئاسية بدورتيها الاولى والثانية "ان اختيار التوقيت ليس من باب الصدفة، فالنية مبيتة لان حضور المسرح واجب في مثل هذه الاحداث، فالمسرحية الحقيقية هي تلك التي تزعزع استراحة المشاعر لدى المشاهد وتدفعه الى موقف صعب وبطولي".
واضاف الغديري أن المسرحية تعد مرآة عاكسة للأحداث الموجودة على الساحة السياسية في البلاد، تناول الممثلون خلالها قضية عمليات الفرز وكل ما من شانه أن يحول دون استكمال المسار الانتقالي خلال المرحلة المقبلة، وجمعت المسرحية بين الخيال والفانتازيا في شكل كوميديا سوداء تناولت اهم الاحداث في البلاد ونقلتها على الخشبة.
ولم يكن اختيار العنوان من باب الصدفة ايضا بل اتى لرمزية الخلوة في العملية الانتخابية، ذلك المكان الذي يختلي فيه الإنسان بنفسه ليساهم في تقرير مصير الوطن والشعب.
وقال الكاتب محمد صابر الوسلاتي أن هذا العمل جاء إمتدادا لمسرحية "الخلوة1" التي أنتجها فضاء "التياترو" عام 2011 كي تكون محاكاة فنيّة للعملية الإنتخابيّة.
ولا تعتمد المسرحية في بنائها المشهدي، على ترتيب الأحداث بل هي بمثابة مشاهد تتناول الصندوق الأسود للانتخابات وعملية الفرز بعد أن كان التركيز في النسخة الأولى على لجنة الانتخابات.
واختار المخرج الأبيض والأسود ليعبر عن حال البلاد التي توشحت بالسواد بعد أن ذهبت دماء شهداء الثورة هباء.
الشهداء ناصعي البياض يشاركون في مستجدات المرحلة بطريقة تجمع بين الخيال والشك، فكان مشهد محاسبة هؤلاء الراحلين بملابسهم الناصعة لاحد مراقبي الانتخابات والمشرفين عليها أكثر نقدا وعمقا في الطرح من المنابر السياسية التي تتبجح ببرامج انتخابية اكتشف التونسي سريعا انها وهمية بل كارثية ادت بالبلاد الى مسار لم ينتظره المواطن.
ويسال الشهداء عن الكرامة، عن الدستور وحقوق الانسان، عن حرية التعبير والديمقراطية، عن الفساد ومحاسبة المسؤولين والقناصة وجرحى الثورة، ليكون الرد باسلوب هزلي مر، لقد صارت بلادنا "الولايات المتخذة التونسية".
السخرية والنقد اللاذع في المسرحية تموج بالمشاهد مع حركات الممثلين وعباراتهم وقراءاتهم المتناقضة للواقع السياسي. فالانضباط المنظم والصارم للفوضى لا يتبنى موقفا صارما بقدر ما يبحث في مواقف عديدة متناقضة يسخر الممثلون من سذاجتها وسطحيتها حينا لتربك المشاهد وتدفعه لاختيار موقفه احيانا اخرى، رغم ان الخلوة من خلال المسرحية لم تعد مكانا لاختيار من سيدير شوؤن البلاد السياسية وانتخاب الأصلح لقيادتها، بل صارت ساحة للمؤامرة وفضاء للتزوير وحبك السيناريوهات البعيدة عن الواقع.
في ثنائية البياض والسواد ينتقل الممثلون الى ظاهرة التطرف والمتطرفين بلباسهم الاسود ووجههم المختفية، فنكتشف حقائقهم النفسية من خلال مواقفهم المناقضة لشعاراتهم حتى ان احد الرجال يلبس النقاب لتستفحل عقده وراء السواد!
المسرحية لا تنهي بمشهد لعبة الحظ في التلفزيون بعنوان " ما عندك في الصندوق ما تضوق" وفحوى اللعبة ماذا ستكون في المستقبل؟ المتباري في هذا المشهد يفرح لانه لم يكن معلما ولا استاذا ولا مهندسا ولكن عملية الفرز في اللعبة تجعله جهاديا ليشكر الله على نعمته وتنتهي المسرحية على وقع الرصاص في اخر مشهد في دار الشهيد وتوقع شهيد جديد لما يحمله هذا المشهد من رمزية ان هذا البلد سيضل يقدم الشهداء في سبيل الحرية كلف البلاد ما كلفها، على حد تعبير المخرج، الذي يصرح لميدل ايست "ان تحية الجمهور بزي الشهداء له رمزية، اننا كلنا شهداء مع وقف التنفيذ".
ان كانت المسرحية بمثابة المحاكمة لانتخابات وتجربة سياسية ماضية، فلا يعني انها تقطع مع الانتخابات الرئاسية في جولتها الثانية، بل هي دفع لاختيار ما يمليه العقل لا ما تمليه "البروبغاندا" السايسية الجوفاء.
المخرج معز الغديري يوضح أن 'الخلوة ' لن تنته بانتهاء الانتخابات وستكون موجودة تفاعلا مع كافة الأحداث والمراحل التي تعيشها البلاد مبرزا أن المسرح يعد مرآة الشارع التونسي".

تعليقات الزوار
لا تعليقات