أخبار عاجلة

مشكلة الجزائر مع القيادات الفلسطينية

بداية أعلم أن الموضوع بالغ الحساسية، وقد يرى البعض أن طرحه الآن وعبر صحيفة “رأي اليوم” التي باتت تعتبر أكثر الصحف العربية مقروئية، خيارا قد يجانب الصواب؛ لكن العذر إن كان مقبولا ومعقولا، في كون مضمون المقال يقل خطرا وحساسية عما تتداوله القيادات الفلسطينية ذاتها عبر أهم الفضائيات الإخبارية، ولا حاجة فيما أعتقد لتذكير القارئ بفصول المشاحنات والمشادّات الحوارية، والتي يتركز خطابها في الغالب على التخوين والعمالة والفساد وغير ذلك من المفردات التي تدمي قلب أي مواطن عربي يحمل في قلبه ومن بين همّه القضية الفلسطينية، والتي فيما أذكر بدأت عام 2007 بشكل تصاعدي بالغ الخطر، إلى غاية أمس سواء عبر قناة الميادين في حصة لعبة الأمم لسامي كليب، أوالفضيحة المجلجلة بين السيدين عزام الأحمد ورئيس الحكومة رامي الحمد الله في ضيافة الإعلامي ماهر شلبي.


 

في زيارتي الأخيرة لدمشق في الشهر الثامن، كان لي شرف لقاء كثير من الشخصيات الفلسطينية، مثل السيد طلال ناجي (الأمين العام المساعد للجبهة الشعبية- القيادة العامة)، أوالسيد أبو أحمد فؤاد وغيرهما سواء من الصف القيادي الأول أوالثاني؛ وسجلت من بين محاور الحديث والمناقشات نقطة مشتركة لدى جميع الأشقاء، تتمثل فيما وصفوه “بالعتب الأخوي” (الحاد تعبيرا من حيث المفردات)، على الجزائر التي كانوا يعتبرونها وفق توصيفهم إلى عهد قريب قلعة الثوار، وكعبة المناضلين يحج إليها الفلسطينيون، والعتب كان حول فتور العلاقة بين الجزائر وكل رموز وقيادات فلسطين إلى درجة الجمود، ومنهم من راح يذكر آخر زيارة له للجزائر، بل هناك من أسر لي بأنهم قدموا طلب زيارة للجزائر منذ فترة دون أن يحظى الطلب بأي رد.


 

ولا أنكر أن ردي كمواطن جزائري كان أكثر حدة وغضبا، ليس انتصارا لموقف الجزائر بقدر ما كان للقضية الفلسطينية ذاتها، وأذكر من بين ما قلت : أنه مع الأسف الشديد لم يعد هناك من يمثل القضية باستحقاق وجدارة، ويعكس أهلية مستحقة تستدعي التعامل معها بما يليق بفلسطين، بل لعلني أذهب أبعد من ذلك بالقول، أن سوء التصرف والتخبط في الخيارات والتقلب في المواقف، والارتهان للمال العربي الوسخ، هذا وغيره أعطى صورة لدى المواطن العربي عموما والمتابع على وجه أخص، بأن القضية الفلسطينية جُرّدت من كل مضامينها المقدسة، لتصبح مجرد سجل تجاري منتن، وأداة تربح بلغت أدنى درجات القذارة، قد تصل أحيانا حدّ الخيانة العظمى.


 

في دمشق حملت على الأشقاء الفلسطينيين كجزائري، لكن حين عدت للوطن تيسر لي لقاء بعض كبار الشخصيات وحملت عليهم الهمّ الفلسطيني كفلسطيني، لقناعتي بأن مهما كانت الأخطاء     والمثالب حتى، فلابد أن تبقى القضية المركزية والأم على رأس الاهتمام العملي والميداني،     ولابد من وجود مخارج لتجاوز هذا التجميد؛ وكان من بين من التقيت بهم الدكتور عمار سعيداني الأمين العام لحزب جبهة التحرير الوطني (الحزب الحاكم)؛ الذي كان انتقاده لسلوك أغلب القيادات الفلسطينية أشد وأعنف، وذكّرني بكلمته المرتجلة عام 2002 في طهران، بعد أن استغنى أمام الحضور عن الخطاب الرسمي الرئاسي المكتوب لتلكم المناسبة، وملخصه أن الإفلاس السياسي الذي ترتب عن سلوك القيادات الفلسطينية أشد ضررا على القضية من جرائم العدوالإسرائيلي ذاته.


 

لا أتحدث هنا عن الاختراقات الأمنية الخطيرة منذ عام 2005 تحديدا في الصف الفلسطيني، والتي أصابت الجزائر بضرر بالغ، وقد استعرضتها قبل لقاء الأمين العام لحزب جبهة التحرير الوطني،  مع السفير الفلسطيني الدكتور لؤي عيسى، الذي أقر بحقيقتها وخطرها الجدي، فليس هنا مقام ذكر تفاصيلها، ولهذا الشق المهم رجاله وقنواته ومجاله؛ وإنما أختصر على الجانب السياسي بوجهه المدني الذي يعني الجميع.


 

الجزائريون سلطة وشعبا، لا يفهمون بأي حال من الأحوال مسألة المفاوضات مع العدوالإسرائيلي، ويستشيطون غضبا من قضية “التعاون الأمني”، ودعوني هنا أقول بصراحة      ووضوح ليس لأحد حتى للفلسطينيين مجال للمزايدة على الشعب الجزائري فيما يتعلق بمقارعة الاحتلال، واعتبار الاستدمار الفرنسي كان ارحم وأقل وحشية كما يتوهم البعض، ضربٌ من الجهل الموغل حد الهذيان، واستخفاف أحمق بل سافل بمعاناة الشعب الجزائري وتضحياته على امتداد 132 عاما، لكن الشعب الجزائري لم يفجر ثورته زعيم مصري ولا ملك أوأمير خليجي، بل كانت ثورة شعبية بقوة ذاتية مستقلة وحرة، في مواجهة كل العالم الغربي وليس فرنسا فقط، بل كانت الولايات المتحدة تمد العدوبكل أدوات القوة ووسائل القتل الجماعي، وبوارجها البحرية العسكرية استقرت في المياه الجزائرية كسند قوي للاحتلال، هذا فضلا عما كان يقدمه الحلف الأطلسي، وأي شيء وأي قوة حينها كانت للعرب حتى تدعم الشعب الجزائري؟ فأغلب دولهم كانت لتوها قد رفع عنها الانتداب، ومنهم من دخل في انقلابات عسكرية وتصفيات دموية وصراع داخلي مقيت، لا أنكر دعما جزئيا بسيطا لا يرقى بأي حال من الأحوال لعظمة ثورة الشعب الجزائري، واعتباره رافعا مؤثرا ميدانيا ومغلبا لتطوراتها، هذا وهم ينفخ فيه بعض الأشقاء أكثر من واقعه بكثير. أما بخصوص جناحي الشعب الجزائري المغربي والتونسي، فلا يمكن تجاوز دورهما الرئيسي الفاعل في دعم الثورة الجزائرية، لكن هل كان ذلك بفضل جامعة الدول العربية، أم يعود لخيارات سياسية على مستوى القيادات العربية؟ لا هذه ولا تلك، إنما كان تفاعلا آليا وطبيعيا من شعوب المغرب العربي الكبير، ناتج فضلا عن التاريخ والواقع المشترك، عن حركة المجاهدين الجزائريين داخل الشعبين المغربي  والتونسي؛ المصيبة أن الطبقة السياسية الفلسطينية تعرف أدق تفاصيل الثورة الجزائرية، وتعلم جيدا بأن الاحتلال ترجى عام 1957 من المجاهدين “المفاوضات مع وقف القتال” وهوالمطلب الذي رفض جملة وتفصيلا، ثم استجداه بما تعني الكلمة من معنى عام 1959، لكنه جوبه بالرفض المطلق، وتمت المفاوضات تحت لحن الرشاش، كما قال الشاعر مفدى زكريا؛ بعد درس الثورة الجزائرية الأسطورة، ليس لأحد على الأرض، أن يملي على هذا الشعب قواعد الثورة ولا فن إدارة المفاوضات. أن تجعل الجزائر قبلة الثوار ليس شعارا تلوكه الألسن، بل هوتقدير فعلي يقتضي بطبيعته اعتبارها مرجعا رئيسيا، وليس مجرد لوحة جدارية تلتقط الصور إلى جنبها، ولا وساما شرفيا تزين به مسارات الرجال، فضلا على أن تكون مجرد خزينة مال   ويا ليته كان للشعب الفلسطيني حقا.


 

وإن كان شق من الإخوة الفلسطينيين يعتب بعنف على الجزائر دعمها للمقاومة الفلسطينية، سواء المادي منه أوحتى السياسي باستقبالها لكثير من المرات قياداتها، فالجزائر لم تختف وراء إصبعها بخصوص هذا الموقف، لكن يُسجل كذلك شعورها بالصدمة حيال القيادات السياسية لفصائل المقاومة، وتراجعت بشكل لافت وملحوظ حيال هذا الأمر، والصدمة كانت نتيجة موقف تلكم القيادات من القضية السورية، التي كان يفترض في أسوء الخيارات أن تتنحى عنها جانبا، وألا تجعل من نفسها أداة خطيرة للتدخل في الشأن الداخلي السوري، والعمل مع أطراف إقليمية لتغيير الواقع السوري؛ أذكّر هنا أن الجزائر وأعني القيادة الأمنية والسياسية لا تبني مواقفها في القضايا المفصلية على تقارير إعلامية تصدر عن قنوات فضائية، ولا على مواقف بعض الملوك والأمراء، بل أذهب أبعد من ذلك لأقول أنها لا تبني موقفها حتى طرح القيادة السورية ذاتها؛ إذا كان بعض الأشقاء يتوهم بأن الجزائر دولة ضعيفة وفقيرة ومهمشة، فذلك وهمه ولا يعبر بالضرورة عن الواقع، الجزائر أقوى مما يعتقد حتى من يعتبرها دولة مركزية   ومحورية قوية، مستقلة في بناء تصوراتها ومواقفها، ولها أدواتها الجزائرية الخالصة في سورية وفي الإقليم تزودها بالمعطيات والمعلومات، التي تلزم لبناء مواقفها؛ لهذا فعلمها بتدخل قيادات المقاومة الفلسطينية في الشأن السوري بشكل سلبي، علمٌ قطعي ومثبت وموثق، لا هومن باب المناكفات والمشاحنات، ولا هومجرد إدعاء مبني على تقارير إعلامية.


 

والحال أن الجزائر تعلم بأنها مستهدفة بعد سورية من ذات القوى وتحت نفس الذرائع والشعارات وبنفس الأدوات النائمة في أحشائها مع الأسف الشديد، وهنا يرتسم سؤال جدي وخطير بالنسبة لقيادتها: ماذا لوفعّل بعض الأشقاء العرب ومن ورائهم الغرب مخططهم في الجزائر، وأوعزوا لخلاياهم النائمة بالتحرك، هل يكون جزاء الجزائر من قيادات المقاومة الفلسطينية مختلف عما كوفئت به القيادة السورية؟ التي لا ينكر إلا مكابر دعمها اللامحدود للمقاومة؛ الجواب وفق المعطيات الراهنة: قطعا لا، ولأن للمقاومة الفلسطينية بسطة روحية على الشعوب العربية، نتيجة انتمائها طبعا لفلسطين، ستضفي شرعية على الفوضى في الجزائر، وقد يبلغ الأمر ببعض رموزها لرفع العلم الفرنسي كذلك.


 

هذا ما لا نفهمه من القيادات الفلسطينية، وهذه بعض النقاط الجوهرية التي دعت الجزائر لتجميد علاقاتها مع الجميع، وتحجيم الزيارات عددا وتوقيتا بل ومستوى كذلك، وفي الختام إن كانت القيادات الفلسطينية غير آبهة بالجزائر إلا من الجانب المالي والبرتوكولي، فهذا قطعا لا ينتقص من قيمة الجزائر، فالذهب الخالص لا يعدم قيمته، ولكن الأهم هوالشعب الفلسطيني ذاته، الذي زاد عن همّ عدوه الأصيل “الكيان الإسرائيلي”، همّ تشتت قياداته وتشرذم صفهم وتنابزهم عبر الفضائيات. ما أفقد القضية الفلسطينية وهجها وكاد يطفئ جذوتها، لولا فتية وفتيات لا يعرفون عالم السياسة القذر، يصعّدون اليوم من ووتيرة الجهاد الحق في القدس الشريف وبعض المدن الفلسطينية، لووصلتهم يد الجزائر لاستعاضت بهم عن الجميع. وعلى الأشقاء من القيادات الفلسطينية أن يجيبوا على السؤال التالي: لقد سحبتم أيديكم من الجزائر منذ عام 1992، دون ذكر التفاصيل المؤلمة والجارحة التي تعرفون، ماذا كسبتم؟ وماذا خسرت الجزائر؟.

 

 

إسماعيل القاسمي الحسني فلاح جزائري

اضف تليق

Leave this empty:

شارك

تعليقات الزوار

لا تعليقات