تعتبر الموضة من أهم المتغيرات المصاحبة للتطورات التي تطرأ على المجتمع، والبحث الشبابي عن مقتضيات الجمال، وما هي إلا تغيير أشكال وأنواع اللباس الشبابي لكل عصر، ويتضمن التغيير أيضا أنواع الإكسسوارات، تسريحات الشعر، العطور المستخدمة وحتى الألوان المختارة لكل فترة زمنية معتبرة، إلا أن هوس الموضة كان لدى الفتيات أكثر منه لدى الشباب، فقد كان الشباب يلبسون على الموضة لكن لم يصل لحد الجنون بها، لكن اليوم أصبح الأمر مغايرا تماما فالشاب مثله مثل الفتاة أصبح مجنونا بآخر صيحات الموضة في الحلم واليقظة..
شكلت الموضة عبر العصور متنفسا للشباب المعايش لكل فترة منها، وتعتبر إسقاطا لما يعيشه ويحسه، وقد يكون هذا التحول في الهندام بشكل عام متعلقا بأمور نفسية لكل جيل، أو أنها تأتي تبعا لمتغيرات الحياة الثقافية والاجتماعية وحتى الاقتصادية للفرد، فلا شيء منها مستبعد، فلكل جيل موضته الخاصة به، في اللباس، وتسريحات الشعر، والألوان وحتى العطور المعتمدة لديهم، وفي وقت ليس ببعيد لم تكن الإكسسوارات بكل أنواعها، خاصة المعدنية تستهوي الكثير من الشباب، لكنهم اليوم لا يختلفون في انتقائها عن الفتيات وحتى هوسهم بالموضة أصبح في زماننا هذا أكبر، وحرصهم أضحى أشد من بعض النساء بالظهور بآخر صيحات الموضة، والرجل بالأمس، كان مهما بلغت درجة إتباعه وحبه للموضة، فإن هذا الأخير يكون في حدود لا تبعده عن رجولته، ولا عن تميزه بها، فكل صيحات الموضة التي شاهدتها السنوات الماضية، تحافظ على مسافة بينها وبين التحفظ والالتزام بالدائرة الرجولية للشاب، وقد لا يزيد قدر المحبة للموضة أكثر من مجرد الظهور بشكل أنيق، بآخر الصيحات..
شبان اليوم أكثر الأجيال تعلقا بالموضة
يظهر للجميع وهم يمشون في الشارع، التغير الكبير الذي طرأ على نمط هندام شباب جيل العولمة والعصرنة، والعديد من المحافظين من يتهكمون عليها، لما أصبح لهذه الموضات المنتشرة بين الشباب من دلالات غريبة عن واقعنا وعن ديننا، ولم تعد الموضة تتغير بمرور السنين أو يتحكم بها إتباع فئة معينة، وإنما الحكاية اليوم أن الموضة قد تتغير في شهر واحد بدل موسم واحد، ففي الفصل الواحد نجد أن لباس الشباب قد تغير أكثر من مرة، وكل مجموعة من الشباب يتبعون أساليب في صيحات الموضة مختلفة عن مجموعة أخرى، فهناك من يقتدون بممثل،أو رياضي، أو إعلامي، أو مغن، ومصدر الصيحة ليس بالضرورة أن يكون مشهورا كما سبق، فقد يكون الشاب قد أخذ لنفسه نوعا من الموضة التي قد يكون أوجدها هو، رغم أن الشخصيات المعروفة لهم حصة الأسد في الهوس الذي يصيب الشباب في الموضة، فبفضل ما عرفه المجتمع الجزائري من تطور واستحواذ التكنولوجيات الحديثة على أفراده، خاصة الشباب منهم، أسهم في تأثر الفئة هذه بكل ما يعرض حولهم من الجديد في عالم الأزياء بما فيها من تفاصيل، ونجد اليوم الشاب الجزائري وهو يمشي في الشارع لا يختلف شكله عن أي مواطن أمريكي أو أوروبي، بالتقليد الأعمى لما ينتجه الإعلام الغربي، ويقول كريم متحدثا لـوقت الجزائر عن الأمر لم يبق مجال واحد لم نكن فيه نمارس التبعية للغرب، فلماذا نستغرب من تبعية شبابنا لهم في اللباس، رغم غرابة أشكالهم، وابتعادهم عن أصالتهم، وما يشكل الحزن للعديد من المحافظين أن الشباب يهتمون بالموضة، ووضع الجال ليظهروا كالديكة، أكثر من اهتمامهم بغدهم ومن حولهم، على حد قول أحدهم.
تسريحات اللاعبين تتفوق على مثيلتها للممثلين
انتشرت بين أوساط شباب اليوم تسريحات مختلفة، يصعب حصرها في نوع واحد لكثرتها، وبعدما كانت الأجيال السابقة تعتمد في تسريحة شعرها على آخر ما خرج به أشهر الممثلين، نجد بالمقابل جيل اليوم يستمد طريقة قص شعره، من مختلف تسريحات اللاعبين الذين تفننوا في أشكال القصات، فهذا يرسم خطا دائريا على رأسه بقصته، وآخر يقص شعره كاملا ويترك خصلات شعر قليلة في المقدمة، وذاك يجعل شعره أشبه بتسريحة حيوان الظبي، وكل لاعب وذوقه، ولا يجد الفتيان أي حرج في اتباع ما ذهب إليه نجمه المحبب، ولا يهمه في الأمر أن يكون فساده الأخلاقي دفعه لذلك، ويتعدى التقليد إلى صبغ الشعر بكل الألوان، وهو شيء لم يعتده المجتمع الجزائري، وعن هذا يتحدث سمير الذي أظهر شكله لكل من يراه مدى حبه الجنوني لحارس المنتخب الوطني السابق شاوشي، سواء في طريقة لبسه ووضع حلقة أذن، وكذا تسريحة شعره ولونه، قال أنا من أشد المعجبين بحماسة شاوشي، ولعبه، وأنا نحب نقلدو في كل شيء وعندي كل المعلومات الخاصة به، وأضاف أنه يقلد في المظهر وليس في الأخلاق، وأنه يصلي ويذهب للجامع لكنه مولع بكل ما يطلقه الحارس السابق الذكر من موضات، ولا يهمه إن كانت هذه الموضة مستهلكة من طرف أحد المشاهير قبله، وأمثال سمير كثيرون ما يهمهم الظاهر لا الجوهر، ويجدون متعتهم في الانتقال بين مختلف صيحات الموضة، خاصة ما تعلق بالتسريحات.
شباب مسلم ... بقمصان وعبارات مبهمة
لما يتعلق الأمر بانتقاء الشباب لألبسة جذابة تجعل شكلهم أجمل، قد نجد لهم العذر ونتفهم شغفهم بالموضة، بما في العالم من تغيرات مثيرة في الأزياء، وإغراءات تزينها الإعلانات والأفلام وغيرها، لكن عندما يصل الأمر إلى حمل شبابنا لعبارات مسيئة لأصالتنا أو لديننا، فهذا شيء خطير لا بد من الوقوف عنده لإيقافه، لكن الأخطر منه أنهم لا يعرفون أصلا أنهم يحملون ما قد يكون سبا لهم، أو رسالة استهزاء بعقولهم، فإننا نرى شباب يلبسون قمصان مرسوم عليها أشكال غريبة، وأحيانا مرعبة ومخيفة، وكتابات قد لا يفهمها الكثير بالانجليزية أو حتى الصينية، والأمر المخزي أنها قد تكون بالعبرية، وهم لا يفهمون ما يحملونه على صدورهم، ناهيك عن الأوشام التي تطبع على أجسادهم، والتي تحمل عبارات غربية، وبعيدا عن تأثيرها عن الجانب الثقافي للشاب فهي صحيا خطيرة على الإنسان، ومن جانب آخر فإنهم يوشمون أشكال تعبر عن ديانات وأفكار ماسونية وغربية عنصرية ضد الإسلام، قد لا يفك رموزها إلا المختصون، وهم يسعون لها لمجرد الاستمتاع بمنظرها واختلافهم عن الآخرين، ويقول رضا الملقب في حيه بـ جوان، عن مدى حبه لوضع الأوشام سواء بالرسم أو الكتابة، أنا منذ ثلاث سنوات أقوم بوشم في مكان ما بجسمي، وأكثر ما أحبه هو رسوم التنينين، وخط الأسماء الأجنبية، واعتبر هذا رجوليا ومثيرا للاهتمام، ولا يتوقف الأمر لدى الشباب اليوم على الوشم وإنما أيضا يتعدى إلى وضع إكسسوارات اعتدناها عند النساء، وأكثرها غرابة وضع الأقراط في أعلى الأذن، في الأنف، أو على الحواجب واللسان.
شباب بـستايلات خطيرة يجهلون معناها
ونحن بإحدى شوارع العاصمة استوقفنا شاب اعتقدنا من مظهره أنه مسيحي فأردنا معرفة رأيه في آخر الصيحات، ليتبين لنا من حديثه أنه جزائري مسلم، إلا أن هيأته وهو يرتدي سروال جينز مقطع وشعر مصبوغ بالأصفر، وحلقة أذن في أسفل ذقنه، لكن ليس هذا ما جعلنا نعتقد مسيحيته، وإنما ارتداءه لقلادة تحمل صليبا صغيرا، ولما سألناه عنها قال إنها مجرد موضة فقط، وإنه لما كان يراها في الأفلام والمسلسلات المكسيكية استهوته ودفعه شغفه بذلك إلى ارتدائها، لكنه أكد أنه مسلم ويؤمن بالله ورسوله، لكنها مجرد موضة لا تتعدى التقليد في الشكل حسب قوله، وأخطر أمر أن آخرالستايلات المنتهجة تعبر عن أفكار شيطانية، وقيم غريبة عنا، والأخطر من ذلك أن الجهل بها وبما تحويه يحيط بالشباب والمراهقين، الذين يسيرون وراءها دون العودة إلى المشورة ولا يهمهم في الأمر انتماؤهم الديني، وقد انتشرت هذه الموضات والستايلات بشكل رهيب ومخيف رغم التستر على بعضها الآخر.
يقول سليم عنها لـوقت الجزائر لقد لاحظت على بعض الشباب في حينا اتباعهم لما يعرف بالروك، وحديثي معهم أكد لي أنهم لا يعرفون شيئا عن الستايل هذا ولا عن أفكاره، ويكتفون بتقليد كل أساليبه دون تفكير، ولما أخبرتهم أن أصله يعتمد على مفهوم عبادة الشيطان والانصياع لأوامره، تفاجؤوا وتذمروا، ولم يريدوا التصديق، تحججوا بأن نيتهم غير ذلك، والأمر هنا يظهر خطورة عدم مسؤولية فتيان الجيل المعاصر في اقتفائهم لتفاصيل الموضة، فعندما يصل تفكير الشباب إلى جعل قيمهم وأخلاقهم في ركن بعيد عن حياتهم ويستبدلونه بممارسات وتقليد أعمى للغرب، فهذا لاشك يعني أنهم بشكل مقصود أو غير مقصود يقضون على هويتهم..
أين الأولياء من كل هذا؟
لم تعد ظاهرة الهندام الغريب التي يعتمدها بها الشباب اليوم مقتصرة على المراهقين والشباب وإنما حتى الأطفال، بما في ذلك من لباس يفتقر للاحتشام المعتاد عند الجزائريين، والإكسسوارات الخاصة بالنساء في ثقافتنا، والتسريحات التي توحي إلى حيوانات. وقد قالجعفر عن ذلك إن قصات الشعر لدى شباب اليوم توحي وكأنك تشاهد رأس ديك أو ببغاء أو حتى حيوان الظبي وغيرها، وهذا دون ذكر تطويل الشعر وشده كذيل حصان والمعروف عندنا أنه خاص بالنساء، وقد استغرب عدم تدخل الأولياء في توجيه أولادهم للتخلي عن التقليد الأعمى لكل ما هو غربي، وفرح بعضهم بما يبدو عليه أبناؤهم للأسف، ويقول عمي عمر عن هذا الاستهتار في انتقاء الألبسة دون الاهتمام بما تحويه من كتابات ورسوم إنما ينم عن عدم نجاح الأولياء والمؤسسات التربوية في الحفاظ على جيل اليوم، وأضاف كيف لنا أن نفكر في جزائر الغد ونحن نرى شبابنا قد ذهب عنهم الحياء، فلباسهم لسراويل تنزل حتى يظهر ما هو ملبوس في الداخل، إنما هو دليل على غياب الحياء. وأشار إلى حكاية طريفة حدثت بينه وبين أحد أحفاده قائلا أتذكر يوم دخل علي حفيدي مرتد لسروال مقطع في أماكن مختلفة، فنهرته كيف لم يكن لديه ما يلبسه ولم يطلب مني أن أشتري له، لأتفاجأ انه جديد وأنه باهظ الثمن، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وقد أعاب على الأولياء سكوتهم عن الأمر وترك الحبل لأولادهم لشده في أي اتجاه يريدونه، في حين أن دور الأولياء والمؤسسات التعليمية هو ردع مثل هذه الممارسات، وتوجيه الأبناء إلى القصد وعدم المبالغة على الأقل في الانسياق وراء الموضات، خاصة الغريبة منها

تعليقات الزوار
لا تعليقات