أخبار عاجلة

الانتخابات الرئاسية في تونس : الجولة الثانية اختبار لذكاء التوانسة

تعتبرالانتخابات الرئاسية في تونس في نهاية نوفمبر 2014 حدثا ديمقراطيا لا يمكن التقليل من أهميته ولاتبخيسه ، ولا يُــبْخِـسُـهُ إلا جاحد لحقيقة ساطعة تفقأ العين ، لكن كيف غربلت هذه الانتخابات الرئاسية في تونس في الجولة الأولى ، كيف غربلت رجالات السياسة فيها حتى خرجت النتيجة بمواجهة بين رجلين : باجي قايد السبسي و المنصف المرزوقي ؟

فرغم ما يقال عن محدودية الصلاحيات التي أسندها الدستور التونسي الجديد لرئيس الجمهورية فإن السباق نحو قصر قرطاج كان قويا ومتعدد الألوان والأهداف ، فبعد انسحاب تيار الغنوشي المحسوب على الإسلاميين المعتدلين في تونس بقي الصراع على منصب الرئاسة بين تيارات مختلفة يمكن أن تجميعها  في ثلاثة اتجاهات :

 

1  تيار التشكيك في حاجة تونس إلى ثورة 14 يناير 2011 : أو ما يُعْرَفُ بالخوف من الثورة ، وهو تيار يعتبر أن الثورة كانت كارثة على تونس ويدفع هذا التيار في اتجاه محاولة العودة بتونس إلى ما كانت عليه لتُحْكَمَ بقبضة حديدية تُلجِمُ دعاة الحرية والديمقراطية بحجة الدفاع عن البلاد حتى لا تسقط في يد المتطرفين والإرهابيين . ويجد هذا التيار مساندة قوية في الداخل من فلول نظام بنعلي السابق من لوبيات الفساد والمستفيدين منه ، وفي الخارج من الأنظمة التي تخشى على نفسها من انتقال شرارة الثورة التونسية إلى عقر دارها  ( نظام السيسي في مصر ، ونظام الجزائر ، وفلول نظام القذافي  في ليبيا ) ...

 

 

2  تيار الخوف على الثورة وأهدافها : وهو تيار جارف حالم مثالي يجمع شباب تونس وكهولها و شيبها من الذين عانوا من ظلم النظام السابق ويتطلعون  لتغييره جذريا بما ينفع البلاد والعباد بتأسيس نظام ديمقراطي تعددي يستمد قوته من تجذره في عمق تربة الشعب التونسي وخياراته الحرة ، تيار يخاف اليوم على الثورة وأهدافها وخاصة بعد ظهور قوي لتيار الشيخ باجي قايد السبسي ( 87 سنة ) في الانتخابات التشريعية والرئاسية وهو الذي المحسوب على فلول نظام بنعلي ... وتيار الخوف على ثورة 14 يناير 2011  يَعْتبِرُ نفسه مدافعا عن الثورة وأهدافها ويدفع في اتجاه الحفاظ على مكتسبات هذه الثورة وتطويرها لتحقق أهدافها حتى تكون ثورة تحررية نموذجية تسطع في سماء المنطقة المغاربية والعربية على العموم ...


 لكن ألا يعتبر تحقيق هذه المبادئ حُلْماً مثاليا خاصة في ظروف قاهرة مثل الوضع المهترئ في الجزائر والذي ينفق الأموال الطائلة حتى لا تتغير الأوضاع في المنطقة ولو كلف الأمر أن يتواطأ حكام الجزائر مع الإرهابيين أمثال جند الخلافة والقاعدة وداعش وغيرها من عتاة الإرهابين في العالم ؟ لأن نظام الجزائر معروف عليه أنه يراهن على صناعة الإرهاب وتمويله ليبقى خالدا في حكم الجزائر إلى الأبد ...

 

 

3 تيار الحيرة والتردد : وهو الذي ظهر بعد الجولة الرئاسية الأولى في النسبة العريضة من المقاطعين الحائرين والمترددين  وغير المتحمسين لانتخابات الرئاسة وتتمنى هذه الفئة لو مرت الثورة بسلام وتحققت أهدافها دون انتكاسات داخلية أم مؤامرات خارجية أو السقوط في براثن التطرف والإرهاب ، يتمنون لو مرت الثورة بسلاسة وسهولة دون تَدَخُّلٍِ من أحد وكأنهم في السويد !!!! .... لكن ومن خلال ما جرى بعد الثورةّ من اغتيالات لبعض الشخصيات وكذلك بعض الهجومات الإرهابية المحسوبة على الإسلاميين المتطرفين أصبحت هذه الفئة تخاف من كل تغيير فهم يعتبرون الثورة نزهة بدون خسائر وبدون تضحيات أوضحايا أومؤامرات داخلية وخارجية ... 

       

4 الجولة الأولى قياس لمدى وعي الشعب التونسي بالثورة وأهدافها :

 

 لقد كانت الجولة الأولى تقيس مدى وعي الشعب التونسي بضرورة الثورة لتغيير النظام السابق جذريا ، لكن النتائج كانت مفاجئة بخصوص درجة الوعي عند عموم الشعب التونسي .... صُعِقَ المتفائلون الذين توقعوا اكتساح المناضلين الرادكاليين أيام بنعلي لهذه الانتخابات مثل حمة لهمامي أوأحمد نجيب الشابي وهما من قدامى المناضلين الراديكاليين  الذين طوحت بهم الانتخابات الأخيرة إلى  المراتب الدنيا بنسب قليلة جدا جدا ، انهارت كل التوقعات حيث قفز السبسي وزير الداخلية في النظام السابق إلى الواجهة وحزبه الحديث العهد إلى المرتبة الأولى ، وكان الإنذار قد سبق في الانتخابات التشريعية حيث ظهر الحزب المصنوع في آخر لحظة يحتل المرتبة الأولى قبل حزب النهضة للغنوشي ، إنها حالة إحباط عامة تزيد التونسيين حيرة وترددا ...فالخائفون على الثورة والمترددون هم الآن في حيص بيص من أمرهم ...

 

 الجولة الثانية اختبار لذكاء التوانسة:

 

رغم ما قيل عن فترة الرئيس المنصف المرزوق إبان حكم الترويكا إلا أن الأمل معقود على من يدفع تونس نحو القطع مع الماضي نهائيا ، فرغم صلاحيات الرئيس المحدودة دستوريا فإن حزب السبسي قد اكتسح البرلمان ، فإذا جمع السبسي  الرئاسة والبرلمان فقد ضاعت تونس ولحقت بمصر وعلى الدنيا السلام  ، أما إذا أراد الشعب التونسي أن يكبح جماح نظام بنعلي العائد تحت جلباب السبسي ، وأن يتحكم في توازن السلطة في تونس فعليه أن ينتخب المرزوقي حتى يصبح السبسي كرئيس للحكومة بين فكي كماشة رئاسة الجمهورية ومعارضة النهضة في البرلمان ، وبذلك ستنجو تونس من عودة الديكتاتورية وتحقق حكما ديمقراطيا متوازنا ...

 

الكرة اليوم وقبل الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية هي في ملعب الشعب التونسي ، فإن انتخب الشعب قايد السبسي فذلك دليل على أن كل ما قيل عن ثورة الياسمين في تونس ما هو إلا هرطقة كلامية وكلام صالونات الليل الذي يمحوه النهار ، وإن انتخب المرزوقي فهو دليل على أن الشعب التونسي شعبا واعيا وقد قطع نهائيا مع نظام بنعلي وبورقيبة ووضع قدمه فعلا وحقا وحقيقة في درب التطور نحو المستقبل الجديد ...لكن لا تغيير بدون تضحية وضحايا ومؤامرات داخلية وخارجية يجب أن يستعد لها الشعب ويوجهها بحزم ...

 

لقد جاءت ثورة التوانسة في أسوإ الظروف المحيطة بها وخاصة ما يجري في ليبيا والجزائر ... فإما أن تكون ثورة تحريرية كاسرة في المنطقة أو تكون  وبالا تجتمع عليه ضباع المكر والخديعة والغدر .

 

إن الجولة الثانية من الانتخابات في تونس هي اختبار لذكاء الشعب التونسي وتزكية لكل ما قيل عن ثورة تونس الشرارة الأولى للربيع العربي ... وإلا فمزيدا من القهر والظلم والاستبداد ...

 

فهل سيكون مصير الثورة التونسية كمصير الثورة المصرية  ؟

 

 

سمير كرم خاص للجزائر تايمز

اضف تليق

Leave this empty:

شارك

تعليقات الزوار

لا تعليقات