أكد سياسي موريتاني ووجه بارز في المعارضة «أن الموريتانيين فشلوا حتى الآن في إقامة كيان دولة حقيقية على أسس قارة فوق أرضهم التي اختار لها الفرنسيون تسمية «موريتانيا» الغربية».
جاء ذلك في دراسة تحليلية ينشغل الرأي العام الموريتاني بها هذه الأيام، أعدها الدكتور الشيخ المختار ولد حرمة وزير الصحة السابق وعضو منتدى المعارضة بالتوازي مع الذكرى الـ54 لاستقلال موريتانيا عن فرنسا، تحت عنوان «السهل الممتنع… خواطر حول معوقات قيام الدولة الموريتانية».
ويؤكد الكاتب حرمة «أن السبب في استعصاء إقامة هذه الدولة الحلم هو الوضع الراهن في البلاد ينضاف له عجز الكيان المجتمعي عن إقامة دولة كيانية غير اسمية كسلطة وأمر قائم، رغم تعاقب عارضي الأزياء من عسكر ومدنيين على ما يسمى مجازا «كرسي الحكم».
وتحدث الدكتور الباحث عن «رحيل «المرابطون» بأول مشروع دولة في هذا المنتبذ إلى الأندلس لتثبيت الحكم العربي الإسلامي هناك، قبل أن يستقر حكمهم بشكل لافت في المغرب».
وقال «إن الوضع في موريتانيا أكثر سوء إذا قورن بأوضاع البلدان المجاورة، فهذا الفضاء الجغرافي، يضيف الكاتب، هو أحد أغنى مناطق الساحل بشتى الثروات المعدنية وغيرها.. فدولة موريتانيا لا يتجاوز عدد سكانها الثلاثة ملايين ونصف المليون نسمة، ومع ذلك، بفعل غياب الوعي المجتمعي والمدني وسوء الحكامة والتسيير، وفساد وجشع الحكام ومحدوديتهم الثقافية والمعرفية والفكرية، يعيش غالبية السكان بشكل مستمر تحت رحمة المجاعة والأوبئة وغياب التعليم والصحة».
وأضاف «لقد انتهت كل المحاولات التي استهدفت الإصلاح في هذا البلد منذ 54 سنة فالنتيجة بعد 54 سنة من الاستقلال هي 9 محاولات انقلابية، بينها 5 «ناجحة»، وأنظمة استثنائية، وتهديد حقيقي لكيان «الدولة»، نتيجة تشتت سياسي واجتماعي وتشظ عرقي وفئوي غير مسبوق، يطبعه التدابر والكراهية وفقدان الثقة في الدولة بحيث أصبحت الشرائح الاجتماعية تتجاوز كل الخطوط الحمراء، ملحة في طلب الانفصال، بينما يهدد بعضها بشن حرب أهلية لاستئصال جنس «البيظان» ثأرا وانتقاما.»
وقدم الكاتب الباحث إحصائيات عن السكان والاقتصاد فأوضح «أن في موريتانيا 3.5 مليون نسمة، تبلغ نسبة الأمية 55٪، والفقر الشديد 46٪، والفقر بمختلف أشكاله 75٪، فيما لا تتجاوز تغطية الخدمات الصحية بصورة فعلية نسبة 5٪، وخدمات التعليم 14٪، ووسائل الإعلام 2٪، والبنية التحتية بصفة عامة لا تتجاوز 7٪ من احتياجات البلاد، ونسبة الولوج إلى الماء الصالح للشرب 20٪، وإلى الكهرباء 12٪، بينما يصل تردي خدمات النقل إلى مستوى 80٪، ووصل مؤشر الفساد إلى الاستحواذ سنويا من قبل الأقلية «الليبرالية» على أكثر من 80٪ من مداخيل البلاد وقروضها وهباتها، يؤازر هذا الوضع « تنابز» بين 300 قبيلة و5 عرقيات وأكثر من 9 شرائح اجتماعية، ومن حيث الواقع السياسي والمدني هناك: قرابة 100 حزب سياسي و10500 منظمة غير حكومية و11 مركزية نقابية وما يناهز ألف ترخيص لصحيفة، وهناك 11 مؤسسة دستورية وقانونية وأكثر من 7 حركات ذات صبغة «أيديولوجية».
«هذه الأرقام، يقول الباحث لا تشكل غير عناوين بارزة لواقع أكثر تعقيدا في هذا المجتمع قليل السكان وكثير الموارد، والذي ينتقل من سيئ إلى أسوأ وفق منطقية «لعنة سيزيف».
وبعد أن قدم الكاتب أسبابا مختلفة لهذا الخلل توصل لاستخلاص مفاده «أن موريتانيا عانت ولا تزال تعاني من أزمة رجال وفقدان زعيم ملهم ورجل دولة فذ قادر على إنجاز المعجزات باختراق المسلمات القائمة والعقليات الرجعية والقضاء على المعوقات والحواجز المجتمعية التي حالت على مر العصور دون تأسيس الدولة الموريتانية».
وختم الباحث دراسته بلوحة قاتمة ضمنها أسباب الفشل الكبير الذي تتخبط فيه موريتانيا منذ ميلادها «.. فالرجال الذين تسلموا وثيقة الإستقلال لم يكونوا مؤهلين، وحرب الصحراء (1975) كانت أول مسمار في نعش الكيان الحلم، ومشروع الدولة تحول لاعتبارها «البقرة الحلوب»، والموظف البطل هو السارق الأكبر و «رجال الدولة» الذين تعاقبوا على سدة الحكم مجرد باعة سراب وقتلة لآمال وأحلام الشعب».
عبدالله مولود

تعليقات الزوار
لا تعليقات