ما الذي يفعله اركان البيت الشيعي في طهران؟
لقد طلبوا من البرلمان مهلة يوم واحد ليصلوا إلى الاتفاق النهائي حول مرشحهم لمنصب رئيس الوزراء، خلفا لرئيس الوزراء المنتهية ولايته نوري المالكي.
هل ذهب المالكي معهم وهو الذي يعرف سلفا موقف ايران الرافض لولايته الثالثة؟ الاقرب إلى المنطق أنه فضل أن يبقى متحصنا في المنطقة الخضراء خشية أن يتم استبداله في حالة غيابه.
لقد أصيب الرجل بلوثة الحكم.
حالته تتطابق بشكل كلي مع تشخيص الخبراء لظاهرة الاستبداد والتشبث بالسلطة. فبعد ثمان سنوات من القبض على السلطة المطلقة يصاب المرء بلوثة الحكم. فكان ضروريا أن يتم استبداله من أجل الحفاظ على شرعية السلطة.
وكما حدد الخبراء أعراض ذلك المرض، يبدو المالكي في حالة انفصال تام عن الواقع. إنه لا يرى إلا الكرسي الذي سيتركه لسواه ولا يفكر إلا بالامتيازات الاستثنائية القانونية وغير القانونية التي سيحرم منها ومعه كل الحاشية التي تقف وراءه والتي يؤكد الكثيرون أنها تتكون من مجموعة من الأميين الذين لا يملكون أي درجة من الكفاءة تؤهلهم للاستمرار في وظائفهم.
هستيريا الحكم دفعت بالمالكي في آخر خطبة له إلى أن يهاجم ايران ضمنيا حين تحدث عن رفضه للتدخلات الخارجية في مسألة تعيين رئيس وزراء عراقي جديد، وهو يعرف جيدا أنه لولا ايران ما كان من الممكن أن يكون شخص مثله رئيسا للوزراء.
في دورته الأولى عام 2006 دفعت ايران ابراهيم الجعفري إلى الانسحاب وفي الدورة الثانية أجبرت ايران علاوي على التخلي عن حقه الدستوري.
ايران التي عينته في منصبه لم تعد راغبة اليوم في استمراره في الحكم، لا لأنها لا ترى فيه الرجل المناسب لمصالحها بل لأنه صار فضيحتها، بعد أن أنهى سنواته الثمان بهزيمة جيشه التي صارت موقع تندر، بالرغم مما انطوت عليه تلك الهزيمة من أبعاد مأساوية، لا أعتقد ان آثارها الموجعة ستمحى في المستقبل القريب.
ربما لا يشعر المالكي بعزلته بعد أن تخلى حلفاؤه في البيت الشيعي عنه.
جزء كبير من ذلك البيت كان من وجهة نظره فائضا، ولا بنبغي التعامل معه بطريقة جادة. كانت استعلائية المالكي واضحة وبالاخص في دورة حكمه الثانية.
لقد حسم المالكي أمره باعتباره رجل الحوار الايراني ــ الاميركي الخفي. أكان حقا كذلك أم شُبه له؟
اليوم وقد تخلى عنه حليفاه العدوان وبعد أن جرده السيستاني من غطائه المذهبي لم يعد لديه سوى قاعدته الشعبية. وهي قاعدة أنفق من أجل إنشائها مليارات الدولارات هي جزء من مال الشعب المنهوب الذي تصرف به من أجل تدعيم وجوده الابدي في السلطة.
لقد شهدت شوارع بغداد ومدن عراقية أخرى خروج حشود من الناس وهي تهتف "المالكي خيارنا والقدس لنا".
شعار سهل يعيدنا إلى حقبة ماضية، كان فيها الرهان على ما هو قومي ذريعة لهدر الحق في الخيار الوطني. وكما يبدو فان المالكي قد لجأ بدهاء إلى وضع عروبته في مقابل القرار الفارسي الذي سيجلبه اركان البيت الشيعي من طهران.
يتحدث البعض عن انقلاب يمكن أن يقوم به المالكي ليبقى في السلطة، ملقيا بخصومه من الشيعة والسنة والاكراد في هاوية حرجة. ولكن هل سيقوى على مجابهة الولايات المتحدة وقد كان الرئيس أوباما صريحا في حديثه عن التدخل العسكري الاميركي المشروط بقيام حكومة جديدة، لن يكون المالكي حتما رئيسها؟
الاقرب إلى المنطق أن المالكي وهو الذي لا يملك جنسية أخرى غير العراقية سيطرح فكرة الملاذ الآمن له ولعائلته ولحاشيته. وهو ما سيجربه بعد عصيان قد يستمر يوما أو يومين.
أكان ضروريا أن يهدر العراقيون ثمان سنوات من عمرهم ويفقد العراق ثلث أراضيه من أجل أن يُمنح حق اللجوء لرجل نكرة قضى الجزء الأكبر من حياته منسيا في أزقة وحارات السيدة زينب بدمشق؟
إنه سبب آخر للندم سيقف الشعب العراقي عاجزا أمام امكانية نسيانه.
فاروق يوسف

تعليقات الزوار
لا تعليقات