أخبار عاجلة

أزمة لاجئي مالي تتفاقم على الحدود الموريتانية رغم انخفاض معدلات النزوح

رغم تسجيل انخفاض ملحوظ في أعداد اللاجئين الماليين الوافدين إلى موريتانيا خلال الأسابيع الأخيرة، فإن المنظمات الدولية تحذر من أن هذا التراجع لا يعكس تحسناً في الأوضاع الأمنية داخل مالي بقدر ما يعكس تصاعد المخاطر التي تواجه المدنيين على طرق النزوح، واستمرار تعثر وصول آلاف الفارين من العنف إلى الحدود الموريتانية.
وأكدت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين «أن تدفق اللاجئين الماليين إلى ولاية الحوض الشرقي شهد تراجعاً خلال الأسابيع الثلاثة الأخيرة، حيث لم يتمكن سوى 484 لاجئاً من الوصول إلى الأراضي الموريتانية، وسط تأكيدات من الوافدين الجدد بأن القيود المفروضة على الحركة وتدهور الوضع الأمني داخل مالي جعلا عبور الحدود أكثر صعوبة من السابق».
غير أن المفوضية شددت على أن انخفاض أعداد الوافدين لا يعني تراجع أزمة النزوح، موضحة أن أعداداً كبيرة من المدنيين لا تزال عالقة في مناطق النزوح الداخلي أو على طرق العبور بسبب المعارك وانعدام الأمن وصعوبة الوصول إلى المناطق الحدودية.
ويأتي ذلك في وقت تشهد فيه مالي تصاعداً في الاضطرابات الأمنية، إذ أشارت تقارير أممية إلى أن الهجمات التي استهدفت خلال الأشهر الماضية مدناً ومواقع استراتيجية، بينها باماكو وغاو وموبتي وكيدال، أسهمت في تجدد موجات النزوح الداخلي والخارجي، وأدت إلى سقوط ضحايا مدنيين وتدمير منشآت وخدمات أساسية.
وحسب المفوضية، بلغ عدد اللاجئين الذين وصلوا إلى الحوض الشرقي منذ أكتوبر 2025 نحو 14 ألفاً و402 لاجئ، يشكل الأطفال 68 في المائة منهم، فيما تمثل النساء البالغات نحو 20 في المائة، كما أن نحو 70 في المائة من الوافدين الجدد لم يستكملوا إجراءات التسجيل الرسمية، الأمر الذي يحد من استفادتهم من خدمات الحماية والمساعدات الإنسانية.
وتؤكد هذه الأرقام استمرار الضغوط على موريتانيا التي تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى إحدى أهم وجهات اللجوء في منطقة الساحل، بفعل موقعها الجغرافي واستقرارها النسبي مقارنة بجيرانها الذين شهدوا موجات من الانقلابات والاضطرابات الأمنية.
وتستضيف موريتانيا اليوم مئات الآلاف من اللاجئين الماليين الذين فروا من النزاع المستمر في بلادهم منذ أكثر من عقد، فيما أصبح مخيم أمبرة الواقع في ولاية الحوض الشرقي واحداً من أكبر مخيمات اللاجئين في غرب إفريقيا. كما تستقبل عشرات القرى والتجمعات السكانية الحدودية أعداداً متزايدة من اللاجئين المقيمين خارج المخيمات الرسمية.
وخلال الأشهر الماضية، حذرت السلطات الموريتانية مراراً من التداعيات الاقتصادية والاجتماعية لتواصل تدفق اللاجئين، داعية المجتمع الدولي إلى تقاسم الأعباء مع بلد محدود الموارد يواصل انتهاج سياسة استقبال إنسانية تجاه الفارين من النزاعات.
وكان الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني قد أكد في أكثر من مناسبة أن بلاده تواصل استقبال اللاجئين الماليين انطلاقاً من التزاماتها الإنسانية والأخوية، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن استمرار الأزمة يفرض أعباء متزايدة على الدولة والمجتمعات المحلية، ما يستدعي دعماً دولياً أكبر وأكثر استدامة.
كما حذر وزير الاقتصاد والمالية الموريتاني في تصريحات سابقة أمام شركاء التنمية من أن استضافة أعداد كبيرة من اللاجئين تتطلب استثمارات إضافية في مجالات الصحة والتعليم والمياه والبنية التحتية، خاصة في الولايات الشرقية التي تشهد أصلاً تحديات تنموية ومناخية كبيرة.
وتشير تقديرات أممية إلى أن المجتمعات المضيفة في الحوض الشرقي أصبحت تواجه ضغوطاً متزايدة على الموارد الطبيعية والخدمات الأساسية، في ظل التراجع العالمي في تمويل العمليات الإنسانية وارتفاع كلفة الاستجابة للاحتياجات المتزايدة للاجئين والسكان المحليين على حد سواء.
ويرى مراقبون أن موريتانيا باتت تؤدي دوراً محورياً في احتواء التداعيات الإنسانية لأزمة مالي المالية، ليس فقط من خلال استقبال اللاجئين، بل أيضاً عبر المحافظة على استقرار منطقة حدودية شديدة الحساسية في قلب الساحل الإفريقي، حيث تتقاطع تحديات الإرهاب والهجرة غير النظامية والجريمة العابرة للحدود. ومع استمرار القتال في شمال ووسط مالي، وتراجع فرص العودة الطوعية للاجئين إلى مناطقهم الأصلية، تبدو أزمة النزوح مرشحة للاستمرار خلال الفترة المقبلة. كما أن الانخفاض الحالي في أعداد الوافدين لا يلغي احتمال حدوث موجات لجوء جديدة إذا ما تدهورت الأوضاع الأمنية أكثر داخل أراضي مالي المالية.
وفي ظل هذه المعطيات، تتزايد الدعوات الدولية إلى تعزيز الدعم الموجه لموريتانيا، سواء من خلال تمويل البرامج الإنسانية أو الاستثمار في مشاريع تنموية بالمناطق المستضيفة، بما يضمن تخفيف الضغط على المجتمعات المحلية وتحسين ظروف عيش اللاجئين الذين وجدوا في موريتانيا ملاذاً آمناً من واحدة من أكثر الأزمات تعقيداً في منطقة الساحل الإفريقي.
وبينما تواصل نواكشوط التمسك بسياسة الباب المفتوح أمام الفارين من الحرب، يؤكد المسؤولون الموريتانيون أن نجاح هذه المقاربة الإنسانية يظل رهيناً بمدى استعداد المجتمع الدولي لتحمل نصيبه من المسؤولية تجاه أزمة تجاوزت منذ زمن حدود دولة واحدة، وأصبحت تحدياً اقليمياً ودولياً بامتياز.

اضف تليق

Leave this empty:

شارك

تعليقات الزوار

لا تعليقات