|
إذا ما تصفحت المواقع الإليكترونية للصحف في الوطن العربي تجد أن معظمها يناشد مصر التدخل لإنقاذ غزة من الاجتياح الصهيوني الغاشم. نعم القاهرة من واجبها مساعدة الفلسطينيين لأنهم وإن كانوا قتلوا جنودنا – ومازالوا يفعلون – فان غزة مازالت داخل نطاق أمننا القومي وعلينا أن نساعدها على تجاوز محنتها. ولكن على غزة - أو على الأقل حماس - أن تساعدنا أيضا. غير أن السؤال الهام هو لماذا التركيز على دور الجيش المصري والمطالبة بإقحامه لصد الهجوم الإسرائيلي؟ لماذا لا نناشد – مثلا – الجيش السوري الذي يراه اليساريون والتقدميون رمزا للمقاومة بالتدخل! ولماذا لا نطالب حزب الله وأمينه العام حسن نصرالله الذي هتفت له الجماهير في عام 2006 باعتباره زعيم العرب الجديد بتوجيه بنادقه إلى غزة بدلا من أن يقاتل إلى جوار بشار الأسد ويذبح معه أبناء الشعب السوري من المعارضين لنظام الحكم في دمشق. لكن قبل أن أتطرق إلى تحليل مواقف حزب الله وسوريا المخزية يهمني أن أشير إلى ما كتبه الكاتب المصري الراحل أحمد حمروش عن موقف عبدالناصر مع الفدائيين الفلسطينيين والذي يتندر كثيرون على الرئيس السيسي حاليا قائلين له أين أنت من عبدالناصر. ويعترف حمروش في كتابه انه كان مكلفا من عبدالناصر بالتفاوض مع الإسرائيليين ونقل رسالة من الزعيم المصري إلى موشي شاريت رئيس الوزراء الإسرائيلي الذي التقاه في قبرص أواخر عام 1955. يقول الأستاذ حمروش "في مارس 1955 قامت وحدة من الجيش الإسرائيلي بهجوم على معسكر للجنود المصريين في قطاع غزة الذي كان في عهدة مصر بعد حرب 1948، وقتلت بدم بارد 36 منهم وجرح 28 اخرون، أحد المنفذين كان السيئ الذكر رئيس الوزراء الإسرائيلي الراحل أرييل شارون وقال إن هدف العملية قتل جميع الجنود وتفجير كل الأسلحة الموجودة في المعسكر وتخريب كامل منشأته، بمعنى أنه هدف عقابي وليس عسكريا لتوصيل رسالة للقيادة المصرية برئاسة جمال عبدالناصر تفيد بأن أية عملية فدائية جديدة ستكون نتيجتها حصيلة دامية عليها، كما جاء في تقرير إسرائيلي رسمي سري كشف عنه قبل أعوام قليلة". تعلم عبدالناصر من الدرس الإسرائيلي المؤلم، وأوقف العمليات الفدائية التي كانت تنفذها وحدات من المخابرات المصرية، وهي عمليات تثير حيرة المؤرخين، إذ إنه كان خلال الفترة نفسها يتخاطب مع رئيس الوزراء الإسرائيلي موشي شاريت حول سلام بين البلدين. على كل حال فرض عبدالناصر لاحقا قبضته الحديدية على غزة، ومنع وطارد كل فلسطيني يفكر بالمقاومة. إذن عبدالناصر الرمز والمثال والقدوة عندما شعر أن العمليات الفدائية ستهدد بلاده وأراضيها وأمنها القومي أوقفها فورا، وهذا بالضبط ما يفعله بشار الأسد وحسن نصرالله الان فهما يريان أن مسئولية الدفاع عن فلسطين تقع على عاتق البلد الأصغر لبنان وشعبه، وتكتفي دمشق وحليفها حزب الله بالحرب الكلامية والبلاغة اللفظية والتحريض – ومعهما قطر وتركيا وحماس – ضد الجيش المصري العميل حليف إسرائيل وقائده الديكتاتور السيسي كما وصفه أردوغان. وفيما كانت غزة تقصف بلا هوادة، اشتعلت المعارك على جبهة أخرى في لبنان، هي الحدود الشرقية لجبهة سورية مقابل هدوء تام على الحدود الجنوبية مع الأراضي المحتلة، هذا وحرص الجيش اللبناني وقوات "اليونيفيل" على إغلاق الحدود كليا وضبطها، وتوقيف مطلقي الصواريخ الذين بدوا أقرب إلى الهواة المتهورين منهم إلى العسكريين المنظمين. وعليه، باتت المعادلة واضحة ومعها توزيع المهام، إغلاق محكم لجبهة الجنوب وضبط حدودها التي ترتسم (للمفارقة!) عند الخط الازرق وليس عند الحدود الفعلية، مقابل استباحة كاملة للحدود الشرقية مع سوريا وجعلها جبهة بديلة وساحة نفوذ مطلق لحزب الله. وإذ وجد كثيرون في قصف غزة فرصة لاستعادة المقارنات غير المجدية بين وحشية إسرائيل ودموية الأسد، ومناسبة للتصبب على "ظلم الأقربين" في سرديات عاطفية لا تفعل سوى تأكيد المؤكد، يبقي أن تلك المقاربات كلها تصب في منهجية تفكير وتقييم لم تخرج بعد من طور "الممانعة". فأن يطالب جمهور غير قليل من اللبنانيين والسوريين المؤيدين للثورة، حزب الله بالإنسحاب من سوريا وتوجيه بندقيته إلى إسرائيل نصرة لأهالي غزة، يكشف أولا جهلا عميقا بالحزب واليات اتخاذ القرارات داخله، وتشبعا كبيرا بـ"بروباجاندا المقاومة" التي ساقها لنفسه طوال سنوات حتى تحولت لثقافة جمعية شائعة أو ما يسمى pop culture حتى ضمن خصومه. فهؤلاء عندما يطلبون ما يطلبون، كأنهم يقرون ضمنيا أو لا إراديا ربما، بأن حزب الله مقاوم على حق وضل الطريق بذهابه لسوريا، لذا يكفي تذكيره بأن البوصلة هي فلسطين ليعود إلى الصراط المستقيم ويحقق رغبة الجماهير. وهو اذ ذاك يكاد يبدو وكأنه سلطة منتخبة من الشعب تتحكم خيارات الاكثرية بسلاحها وقراراتها العسكرية! وليس بسيطا ان تأتي تلك المطالب من بيئة يفترض ان تكون ضد سلاح حزب الله جملة لا تفصيلا، لا كونه أطاح بمقاومة علمانية لمصلحة أخرى دينية فحسب، ولا لكونه وجه سلاحه إلى الداخل اللبناني بعد 2006، بل لأن سلاحه هذا خارج عن إطار الدولة التي تعاقد اللبنانيون على بنائها بعد إنتهاء الحرب الأهلية، ولأن هذا السلاح نفسه كان ولا يزال بيضه راجحة في قبان السياسة الداخلية والإقليمية. لكن يتكشف أن من يذكرونه بالبوصلة الفلسطينية عند كل مفترق، لا يمانعون عمليا في إنخراط الحزب بحروب إقليمية ولا يعارضون أن يؤدي دورا يتجاوز حدود لبنان، طالما توافق ذلك مع سياساتهم ومصالحهم. وعليه، يرى المعارضون السوريون وبعض اللبنانيين من حولهم، أن فتح جبهة الجنوب باتجاه فلسطين، أولى وأحق من جبهة القلمون أو القصير أو غيرهما، طالما ان النيران توجه بعيدا منهم وتنتصر لـ"القضية المركزية". وهنا يكمن سوء تفاهم مضمر اخر حيال دور لبنان وصورته لدى ابنائه وفي الوجدان السوري. فالاخ الأكبر بشقيه المعارض والموالي، لم يتخل كليا عن توكيل البلد الأصغر وشعبه بمهمة مقارعة إسرائيل والدفاع عن الفلسطينيين في أرضهم، متنصلا في المقابل من اية مسؤولية تتجاوز منابر الخطابة حيال هؤلاء أو حيال الجولان المحتل. لكن كيف يستوي ضدان تحت سقف واحد؟ كيف يمكن من يعارض تدخل حزب الله في سوريا أن يطالب به في غزة بمعزل عن أي إعتبار للبنان ورغبة اللبنانيين؟ فباعتماد المنطق نفسه، يصبح من حق حزب الله اختيار "قضاياه" وساحات قتاله وفق أولوياته هو، سواء أكانت سياسية أو استراتيجية أو حتى دينية بغض النظر عن مصالح مواطنيه وأهوائهم، وهو دأبه أصلا منذ 2006. وهي ايضا تكاد تكون نفس استراتيجية حماس. والواقع أن الأزمة التي يعيشها لبنان اليوم تتجاوز كل ما مر به منذ نشأته واستقلاله، فهي تهدد هويته الأولى وتحضر لإعادة رسم خريطته الفعلية والمعنوية وصياغة أدواره وفق مقتضيات الجوار فيما رغبة أبنائه العميقة هي الإنكفاء على الداخل وتحييد أنفسهم عن محيط مشتعل بقضايا مركزية أو فرعية. أما القول إن اللبنانيين مفتونون بالمقاومة وأدوار البطولة، فيكفي أن أبناء الجنوب بدأوا يظهرون على وسائل الإعلام ويفصحون صراحة عن عدم رغبتهم في إطلاق الصواريخ من حقولهم واستدراج إسرائيل إليهم، هؤلاء كما أبناء البقاع وبقية اللبنانيين أنهكوا من زراعة الريح وحصاد العواصف موسما بعد اخر. وأعتقد أن أهل غزة لا يختلفون عن أخوانهم اللبنانيين في شيء!
محمد علي إبراهيم
|
غزة ومصر : الإعلام الكاذب يدمر السيسينياهو !

تعليقات الزوار
لا تعليقات