حدثنا العبد الخسيس قال : فتنت بدنيا زائله ، انا و زمرتي السافله ، وفيما انا أجوب البلاد، يرفعني جبل و يحطني واد، أفكر في أمر أنهض به بنفسي، و أنفض عن حالي رمسي، بعدما هاجمتني الهموم، و مزقتني الغموم، في أمر أقض عني النوم، و تركني أرعى النجوم، إذ راودتني نفسي الأمارة، على نيل الإمارة، و دخول معترك السياسة، كوالج سوق نخاسة، لكني احترت لهذا الهم، من أين أبدؤ وكيف ألم، و كيف لي أن أقود زمام أمور، و أنا في الكرسي أدور، قررت طلب النصح، قبل الترشح، فقصدت بعض الفتية، خيرعون لي في كل بلية، فرحبوا بي و طربوا، و فتحوا الباب و ما حتجبوا، وقالوا: ما دهاك، و أي أمر قد عراك، فقلت: ضاقت السبل، و انتهت الحيل، و انشدت:
و لا بد من شكوى إلى ذي مروءة*** يواسيك أو يسليك أو يتوجع
و أنتم بعد الله ملاذي، و إليكم مرادي، قالوا: خيرا رأيت، و شرا كفيت، تكلم و لا تعجز، و ابسط الشرح و أوجز، لعل الله يأتي بفرج، و يستوي الطريق بعد هذا المنعرج، فقلت لهم يا سادتي، و راحتي بعد وسادتي، لقد انقضت مدتي، و بليت جدتي، و لم أكره هذا المحل، و أبت نفسي عنه أن ترحل، و ألفته حتي أغرمت به، و عشقته حتى خفت أن أتلف عليه، قد بعت لأجله نفسي، و طلقت من أجله عرسي، و اليوم بعد هذه المدة، و طول العهدة، طلبوا مني التنحي بالجانب، لأتيح الفرصة لبعض المواهب، و تحججوا بمرضي، و أرادوا أن يحجبوا عني غرضي، إني و إن كنت مريضا مقعد، و لم يبق لي إلا اللحد، فإنهم جهلوا ما قال الحكيم، ذو الأصل الكريم:
يعيش الفتى في الناس بالعقل إنه***على العقل يجري علمه و تجرابه
قد جهلوا مقداري، و لم يسبروا قراري، ألم يرو آثاري، كأنها النجوم الدراري، فقال القوم بالإجماع، و قد استولت عليهم الأطماع، فما يكون لنا إن نحن آزرناك، و بعنا ديننا لدنياك، فقلت قد لقيت و الله مناي، و بدت الأسارير على محياي، أجعلكم إذن لي وزرا، و أحكمكم فيما عرا و طرا، فهشوا لما قلت و بشوا، و انتفخوا و ما فشوا، قالوا قد سمعنا منك، و فهمنا عنك، فامض لأمرك راشد، فهذا الشعب راكد، لا يردعنك عن مرادك خوف، و لا يجول بخاطرك حوف، و كيف يكون هذا و الكذب دثارك، و الخداع إزارك، و نحن لك عصبة، عون لك في هذه النصبة، فاحتل لنفسك، و فكر في أمرك، لا تضيع الخبزة، و حارب دونها بالدبزة، و إنا لك لناصحون، ثم تماثلوا ينشدون:
و ما المرء إلا حيث يجعل نفسه*** فكن طالبا في الناس أعلى المراتب
فقالت لي نفسي:
و من قضت الرجال له حقوقا***و من يعص الرجال فما أصابا
لكن يا قوم للكذب طرائق، قد يجر البوائق، على ذي مرة سوي، فكيف بي و انا غير قوي، فقال القوم و اتفقوا، أن هذا مما يستحب أن تدق دونه العنق، فقلت هبوا أني كذبت على الجمع، و احتلت عليهم دون ورع، يبقى هناك منافسين، لن يبقو مبلسين، و سوف يفضحونني أمام الملأ أجمعين، و لو بعد حين، فقالت العصبة، ألم تفهم اللعبة، من هم و كم عَددهم، أين هم منك و ما عُددهم، قلت عدتهم خمسة، سادستهم آنسة، أولهم أنا، من قرر الدعارة و الخنى، ثانيهم بن فليس، حليف ابليس، أطار عني النوم، لما جاء بغاشي عرمرم، والثالث رباعين، عدو مبين، و الرابع التوات، قطع نفسي حسرات، خامسهم بلعيد، غوي عتيد، سادسهم حنونة، صبية مجنونة، اتباعي جمع من البغال، يقودهم العبد الهالك سلال ، ووزير طرقات معلول، يسمونه زورا وبهتانا غول ،وحمارة بن يونس الفحاش ، اذا عروض بالحق خف و طاش ، و حاص حيصة الجحاش ، اكاد اصاب بالجنون، افتوني في رؤياي ان كنتم للرؤيى تعبرون ، ....
فأعلن جزارهم النفير ، و جمع كل سافل حقير ، علفه خبزا بالكاشير ، وما عقل من امره قطمير ، فهرول لمساندتي دون انظار ، تقوده لنصرتي قناة الحمار، ومالكها يتحدث عن خصومي بغيض ، ومن كلماته يتفقؤ القيض ، و يفتح فاه ولا يؤاربه و كانما اطلت من فمه جواربه ، فجلعوا البلاد لي سبية ، وفزب باغلب النسب المئويه ، وقلت للضعفاء هاهي ... نار حامية
عبد الوهاب

تعليقات الزوار
لا تعليقات